جرأة نوّاف سلام… في استقبال هنيبعل!

مدة القراءة 5 د

أقلّ ما يمكن أن توصف به خطوة الرئيس نوّاف سلام المتمثّلة في استقبال هنيبعل القذاّفي في السراي الحكوميّ أنّها خطوة جريئة. تشير الخطوة إلى وجود رغبة في إعادة ترميم مؤسّسات الدولة اللبنانيّة… أو ما بقي منها، ابتداءً من الاعتراف بالحاجة إلى إصلاح القضاء. يبقى القضاء في أساس استعادة الثقة بلبنان، بل أمّ كلّ الإصلاحات المفروض أن تحصل في البلد في حال كانت مطلوبةً إعادته إلى خريطة المنطقة يوماً.

 

 

لحق بهنيبعل، أحد أبناء الزعيم الليبيّ الراحل، الذي سُجن في لبنان من دون سبب طوال نحو عشر سنوات، ظلمٌ ليس بعده ظلم. يكفي أنّه احتُجز طوال هذه الفترة من دون محاكمة ومن دون توجيه أيّ تهمة إليه. احتُجز على الرغم من أنّه يستحيل أن تكون له علاقة بقضيّة اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه أثناء زيارتهما للعاصمة الليبيّة طرابلس نهاية شهر آب من عام 1978… أي قبل 47 عاماً!

كيف يمكن لطفل في الثانية أو الثالثة من العمر أن تكون له علاقة، من قريب أو بعيد، بإخفاء شخصيّة استثنائيّة في حجم موسى الصدر، الزعيم الشيعيّ اللبنانيّ، مؤسّس حركة “أمل”، في ظروف إقليميّة معقّدة، من بينها الغليان الذي كانت تشهده إيران في مرحلة ما قبل سقوط الشاه في شباط من عام 1979؟

 لا يزال اختفاء موسى الصدر والأسباب التي حملت معمّر القذّافي على التخلّص منه لغزاً. يعرف قليلون تفاصيل خفايا هذا اللغز الذي تعتقد بعض الأوساط أنّه مرتبط بما كان يمثّله موسى الصدر في الداخل الإيرانيّ

جريمة بحقّ لبنان

لا جواب عن مثل هذا السؤال، في وقت يقول المنطق إنّ الذي يحمّل طفلاً مسؤوليّة جريمة في مستوى جريمة إخفاء موسى الصدر يمتلك عقلاً ميليشيويّاً أبعد ما يكون عن المنطق. يبدو هذا العقل في أساس المآسي التي مرّ بها ولا يزال لبنان يمرّ بها. لم يكن الأمر متعلّقاً بالانتقام من ابنٍ بسبب جريمة ارتكبها والده في وقت كان هذا الابن طفلاً، بقدر ما أنّ احتجاز هنيبعل القذّافي تحوّل إلى جريمة ارتدّت على لبنان وأساءت إليه.

كان احتجاز نجل معمّر القذّافي، بغضّ النظر عن الرأي في الرجل، جريمة في حقّ لبنان. يكفي أنّ احتجاز هنيبعل وإطلاقه بكفالة كبيرة يبعثان إلى العالم برسالة فحواها أن لا قضاء في لبنان.

يدرك نوّاف سلام أهمّيّة القضاء، وأن لا مجال لتنفيذ إصلاحات مطلوبة عربيّاً ودوليّاً في لبنان من دون مباشرة إصلاح القضاء. إنّه مجال يعرفه رئيس مجلس الوزراء جيّداً. أتى نوّاف سلام إلى موقعه الحاليّ من موقع قضائيّ كان فيه رئيساً لمحكمة العدل الدوليّة في لاهاي.

أخيراً، خرج هنيبعل القذّافي من سجنه اللبنانيّ. يوفّر خروجه فرصة للعودة إلى ظروف اختفاء موسى الصدر أثناء زيارة لليبيا لمناسبة الاحتفالات التي كانت تُقام فيها في أوّل أيلول. كانت تلك الاحتفالات تُسمّى “الفاتح من سبتمبر”. في ذكرى الانقلاب العسكريّ الذي جاء بمعمّر القذّافي ورفاقه إلى السلطة.

من المعلومات التي تجمّعت عن ظروف رحلة الزعيم الشيعيّ اللبنانيّ، الذي كان رجل دين وسياسة في الوقت ذاته، أنّ موسى الصدر لم يذهب إلى ليبيا إلّا بعد استشارة الرئيس الجزائريّ هواري بومدين. التقى الصدر في طرابلس معمّر القذّافي في وقت كان الزعيم الشيعيّ اللبنانيّ يمتلك نفوذاً في إيران التي ترعرع فيها. وكان من الشخصيّات المرشّحة للعب دور في إيران في مرحلة ما بعد سقوط الشاه.

الأكيد، استناداً إلى شخصيّات لبنانيّة التقت موسى الصدر أثناء وجوده في طرابلس، أنّ توتّراً ساد الاجتماع بينه وبين القذّافي

لامبالاة إيرانيّة

الأكيد، استناداً إلى شخصيّات لبنانيّة التقت موسى الصدر أثناء وجوده في طرابلس، أنّ توتّراً ساد الاجتماع بينه وبين القذّافي. انتهى الاجتماع، الذي انعقد يوم 31 آب، بقول القذّافي لمن حوله كلاماً غير مفهوم، لكن بلهجة حادّة. خرج بعد ذلك الزعيم الشيعيّ اللبنانيّ من الاجتماع. الأمر الأكيد أيضاً أنّ أخبار موسى الصدر ورفيقيه انقطعت بعد الاجتماع. اختلقت السلطات الليبيّة بعد ذلك قصصاً غريبة من نوع أنّ موسى الصدر ورفيقيه انتقلوا إلى روما حيث عُثر على جواز سفره وحقيبة ملابسه. كان الهدف من تلك القصّة المفبركة الإيحاء بأنّ الزعيم الشيعيّ اللبنانيّ غادر الأراضي الليبيّة، في حين أنّه لم يغادرها.

ما كان موضوع الخلاف بين القذّافي والصدر؟ ليس هناك مَن هو قادر على إعطاء الجواب الدقيق. لكنّ الثابت أنّ النظام الجديد في إيران، وهو النظام الذي أسّسه آية الله الخميني، لم يُعِر يوماً أهمّيّة لقضيّة موسى الصدر. بعد أشهر قليلة من سقوط الشاه وقيام “الجمهوريّة الإسلاميّة”، ذهب عبدالسلام جلّود، الرجل الثاني في ليبيا، إلى طهران حيث كان موضع ترحيب. لم تهتمّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” يوماً بقضيّة موسى الصدر واختفائه أو إخفائه. أمّا النظام السوريّ الذي كان على رأسه حافظ الأسد، فقد استضاف القذّافي بعد أسابيع قليلة من الزيارة المشؤومة التي قام بها موسى الصدر لطرابلس.

إقرأ أيضاً: مسؤولون أميركيّون يهدّدون: الضّربة جاهزة!

لا يزال اختفاء موسى الصدر والأسباب التي حملت معمّر القذّافي على التخلّص منه لغزاً. يعرف قليلون تفاصيل خفايا هذا اللغز الذي تعتقد بعض الأوساط أنّه مرتبط بما كان يمثّله موسى الصدر في الداخل الإيرانيّ، فيما تذهب أوساط أخرى إلى ترجيح تحريضٍ من فلسطينيّين للقذّافي على موسى الصدر بسبب اعتراضه على النشاط المسلّح لهؤلاء انطلاقاً من جنوب لبنان وما تسبّب به من اعتداءات إسرائيليّة على القرى الشيعيّة الجنوبيّة.

مواضيع ذات صلة

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

استيقظت طهران صباح السبت لتكتشف أنّ إمبراطوريّة “العمق الاستراتيجيّ” التي بناها الحرس الثوريّ عبر خمس مناطق زمنيّة، من المقرّات الخاصّة في بيروت إلى القصر الرئاسيّ…

“غزوة كراكاس”: عالم بلا خطوط حمر؟

في عتمة الليل فوق كراكاس، تسلّلت وحدات كوماندوس أميركيّة نخبويّة إلى قصر الرئيس الفنزويلّيّ لتخرج بعد ساعات بالغنيمة القصوى: نيكولاس مادورو، الرجل القويّ في فنزويلّا…

تقسيم المقسَّم من السّودان إلى اليمن

يدخل العالم العربيّ من المحيط الأطلسيّ إلى الخليج العربيّ مرحلة جديدة من مراحل عمليّة “تقسيم المقسَّم وتجزئة المُجزَّأ”. هناك ثلاث دول عربيّة تخضع في الوقت…

تفكيك اليمن… مقامرة انتحاريّة؟

وسط انهيار التوازنات في الإقليم وتسارع مشاريع التفكيك، لم يعد العبث بوحدة الدول احتمالاً نظريّاً أو ورقة ضغط تفاوضيّة، بل بات فعلاً سياسيّاً مكتمل الأركان….