فرشت واشنطن السجادة الحمراء لاستقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأقامت كل المراسم الشرفية، بما في ذلك العرض العسكري الجوي بطائرات “إف 35″، متجاوزة ما يتطلبه البروتوكول لزيارة عمل رسمية. ولم يكن ذلك إلا تعبيراً عن أهمية ما يحمله الزائر الكبير من أجندة سياسية للمنطقة، وأجندة اقتصادية تعيد تعريف دور بلاده في زمن الحرب التجارية وسباق الذكاء الاصطناعي.
وأتى إعلان ولي العهد السعودي عن رفع قيمة الشراكات الاقتصادية بين البلدين إلى تريليون دولار مفاجئاً لترامب نفسه، وكانت ضربة ذكية لرفع الوزن الاستراتيجي للعلاقة مع واشنطن إلى مستوى جديد. وهذا التريليون يحكي قصة التحول العالمي الكبير الذي تقوده الشركات الأميركية في صناعة الذكاء الاصطناعي من جهة، وقصّة التحول الاقتصادي الذي تعيشه السعودية، في ظل “رؤية 2030″، وطموحها إلى أن تكون شريكاً فاعلاً ومؤثراً في ثورة الاقتصاد الجديد، على أراضيها، كما في قلب الولايات المتحدة.
يعبّر التريليون عن حجم الإمكانات والفرص والاستثمارات التي تبحث عنها الشركات السعودية، وأكثرها من القطاع الخاص، للدخول في القطاعات الحساسة التي تبقيها الولايات المتحدة على نفسها والحلفاء الأقربين، من الرقائق الأكثر تقدماً إلى المفاعلات النووية والصناعات العسكرية والمعادن النادرة وسواها. ولا شك أن إعلاناً بهذا الوقع يفتح أمام الشركات السعودية الأبواب المغلقة أمام سواها، ربما يتكلل بالإعلان قريباً عن اتفاق بشأن تصدير الرقائق الأكثر تقدماً من “إنفيديا” إلى المملكة.
ثمة إجماعٌ في الإعلام الأميركيّ على أنّ فرش السجّاد الأحمر للزائر السعوديّ في البيت الأبيض ليس إلّا إقراراً مستحقّاً بموقع القوّة الإقليميّة الصاعدة. ويعبّر عن ذلك البرنامج الطويل للزيارة في البيت الأبيض، الذي يمتدّ لأكثر من ستّ ساعات، تتوزّع بين اللقاءات مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وغداء العمل والعشاء وحفل الاستقبال. ولا شكّ أنّ الإشارات البروتوكوليّة والشكليّة تغلّف الأهميّة التي توليها واشنطن لزيارة الأمير الشابّ، ولتموضع المملكة في التنافس الاستراتيجيّ الدقيق بين أميركا والصين والقوى الدوليّة الأخرى.
أتى إعلان ولي العهد السعودي عن رفع قيمة الشراكات الاقتصادية بين البلدين إلى تريليون دولار مفاجئاً لترامب نفسه، وكانت ضربة ذكية لرفع الوزن الاستراتيجي للعلاقة مع واشنطن
“إف 35” تتجاوز إسرائيل
استبق ترامب الزيارة بالإعلان قبل ساعات عن موافقته على بيع مقاتلات “إف 35” للسعوديّة. وربّما الدلالة الأهمّ للإعلان أنّه تجاهل الضغوطات والحملات الإعلاميّة من جانب إسرائيل للحؤول دونه أو تأجيله على الأقلّ، لربطه بأثمان سياسيّة وعسكريّة تحصل عليها الدولة العبريّة. وبحسب ما نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول إسرائيليّ، فإنّ رسالة تل أبيب لواشنطن كانت بأنّها “لا تمانع موافقة إدارة ترامب على الصفقة، لكنّها تريد من واشنطن أن تجعلها مشروطة بالتطبيع”.
غير أنّ هذه الرسالة كانت تكتيكاً لكسب الوقت، لعلّها تعرقل إعلان الموافقة في هذه المحطّة. الموقف الحقيقيّ لإسرائيل هو ما عبّر عنه المستوى العسكريّ في إسرائيل، من خلال الاعتراض الرسميّ الذي أبلغه الجيش الإسرائيليّ إلى المستوى السياسيّ، والذي نُشر مضمونه في الصحف الإسرائيليّة. واستند الاعتراض إلى أنّ التفوّق الجوّيّ الإسرائيليّ في المنطقة “قد يتآكل” في حال حصول السعوديّة على “إف 35”. وقد سبق لإسرائيل أن اعترضت بالمثل على حصول الإمارات وتركيا على هذه المقاتلة، ليظلّ جيشها الوحيد في المنطقة الذي يمتلكها (لديها حاليّاً 45 مقاتلة من هذا الطراز، بالإضافة إلى 30 أخرى تعاقدت على شرائها ولم تتسلّمها بعد). وعطفاً على ذلك، أثارت اللوبيات الإسرائيليّة في الولايات المتّحدة إشكالات كثيرة حول الأمر، منها ضرورة التزام الإدارة الأميركيّة بقانون التفوّق العسكريّ النوعيّ لإسرائيل (QME)، وأنّ بيع المقاتلة للسعوديّة قد يؤدّي إلى كشف أسرارها للصين، باعتبار أنّ العلاقات متقدّمة واستراتيجيّة بين الرياض وبكين.
قرأ كثيرون في واشنطن تجاوز ترامب لهذه الضغوطات كتعبير ضمنيّ عن موازين جديدة في المنطقة، تغذّيها سياسة “أميركا أوّلاً”، التي تشكّل عصب الفكرة الترامبيّة. وقد باتت في هذا التيّار أصوات كثيرة مسموعة تقول إنّ صياغة التوجّهات الاستراتيجيّة الأميركيّة يجب أن تكون على أساس المصالح الأميركيّة، لا الإسرائيليّة، مهما بلغ عمق العلاقات والتعاطف الأميركيّ مع الدولة العبريّة.

هذا ما يريده وليّ العهد
في المقابل، يضع الأمير محمّد بن سلمان على أجندته أهدافاً كثيرة من الزيارة، ليس شقّ التسليح إلّا واحداً منها، وقد لا يكون الأهمّ.
في الملفّ الفلسطينيّ، يريد تثبيت المكتسبَين الدبلوماسيَّين الكبيرين اللذين حقّقتهما الرياض في الشهرين الماضيين، وهما:
- الاعتراف الدوليّ بالدولة الفلسطينيّة، والإقرار الأميركيّ بأنّ “حلّ الدولتين” هو السبيل الوحيد الممكن للسلام في المنطقة، وبأنّه شرط لا مفرّ منه إذا أرادت واشنطن موافقة السعوديّة على التطبيع.
- إسقاط مشروع إسرائيل لاحتلال غزّة وتهجير الفلسطينيّين منها. وقد كان إقرار مجلس الأمن لخطّة ترامب قبل يومين علامة أساسيّة على هذا الطريق، إذ إنّ الخطّة تبنّت وضع مسار نحو إقامة الدولة الفلسطينيّة.
استبق ترامب الزيارة بالإعلان قبل ساعات عن موافقته على بيع مقاتلات “إف 35” للسعوديّة. وربّما الدلالة الأهمّ للإعلان أنّه تجاهل الضغوطات والحملات الإعلاميّة من جانب إسرائيل
في الملفّ الاقتصاديّ، تربط الرياض برنامجها الاستثماريّ الضخم مع الولايات المتّحدة بالحصول على مقابلٍ استراتيجيّ حسّاس هو الحصول على الرقائق الأكثر تقدّماً التي تقوم عليها صناعة الذكاء الاصطناعيّ، لا سيما رقائق “بلاكويل” من “إنفيديا” الضروريّة لبرنامج السعوديّة الضخم للاستثمار في الذكاء الاصطناعيّ من خلال شركة Humain التابعة لصندوق الاستثمارات العامّة السعوديّ. تلك الشركة تمّ إطلاقها خلال زيارة ترامب للرياض في أيّار الماضي، وقد وقّعت حينها شراكة مع “إنفيديا” بمليارات الدولارات، وأضافت إليها اتّفاقاً آخر مع AMD الأميركيّة قبل أسابيع بقيمة خمسة مليارات دولار، ومذكّرة تفاهم مع “كوالكوم” لبناء مركز لتصميم الرقائق في الرياض.
وقد كان “منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار” في الرياض الشهر الماضي مؤشّراً إلى مدى اهتمام كبرى شركات التكنولوجيا الأميركيّة بالاستثمار في مراكز البيانات وبناء قدرات الحوسبة في المملكة. وسيكشف المنتدى الاستثماريّ الأميركيّ- السعوديّ في اليوم الثاني من زيارة وليّ العهد السعودي لواشنطن أنّ القطاع الخاصّ الأميركيّ يسبق البيت الأبيض بخطوات على هذا الصعيد.
في الجانب الاقتصاديّ أيضاً، يبقى ملفّ الطاقة في صدارة الاهتمامات الاستراتيجيّة للإدارة الأميركيّة، وخصوصاً في ظلّ توجّهات إدارة ترامب المعاكسة لأجندة سلفه جو بايدن المعادية للنفط. وقد ازداد هذا الملفّ أهمّيّة بفعل التوقّعات أن يزداد الطلب على الطاقة بشكل كبير لتشغيل مراكز البيانات في السنوات المقبلة.
على أنّ الزيارة لا بدّ أن توضع في سياقها الزمنيّ والاستراتيجيّ الأوسع. فهي تأتي بعد غياب دام خمس سنوات عن واشنطن، تخلّلتها زيارتان من الرئيس الأميركيّ السابق جو بايدن لجدّة، والرئيس ترامب نفسه في أيّار الماضي، وزيارة من وليّ العهد السعوديّ للصين في 2019، قابلتها زيارة من الرئيس الصينيّ للرياض أواخر عام 2022. وتلا ذلك توسّط الصين ورعايتها للاتّفاق الذي أعاد العلاقات الدبلوماسيّة بين السعوديّة وإيران، في آذار 2023.
إقرأ أيضاً: فوز ممداني لبنانيّاً: “قوى التّغيير” تحتفل مع سوروس
عكست تلك الزيارات تنافساً بين القطبين العالميَّين لاجتذاب السعوديّة إلى صفّ كلّ منهما في غمرة إعادة رسم خرائط النفوذ والتجارة. فمن جهة، تريد الصين أن تكون السعوديّة عقد الوصل الرئيس بين الشرق والغرب في “مبادرة الحزام والطريق”، وفي المقابل تريد واشنطن أن يكون للشركات الأميركيّة الموقع الأوّل في البرنامج الاقتصاديّ التحوّليّ للمملكة في إطار “رؤية 2030”.
ما تشير إليه مضامين زيارة محمّد بن سلمان لواشنطن أنّ الشراكة مع الولايات المتّحدة تبقى في الموقع الرئيس استراتيجيّاً، لكن في إطارٍ متوازنٍ من منظومة المصالح والحاجات المتبادلة.
لمتابعة الكاتب على X:
