دستور فلسطينيّ بنكهة فرنسيّة

مدة القراءة 6 د

اتّفق الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس مع نظيره الفرنسيّ إيمانويل ماكرون خلال اللقاء الذي جمعهما في باريس في 11 تشرين الثاني، على تشكيل لجنة مشتركة تعمل على صياغة دستور فلسطينيّ جديد. ستتولّى هذه اللجنة العمل على أربعة جوانب أساسيّة في الدستور قانونيّ، دستوريّ، مؤسّسيّ وتنظيميّ.

 

تشير الرغبة الفرنسيّة في المشاركة في صياغة الدستور، بعد اعتراف باريس بالدولة الفلسطينيّة، إلى سعيها إلى ضمان “استكمال جميع الشروط اللازمة لإقامة دولة فلسطين”، أي الإشراف على تنفيذ السلطة الفلسطينيّة لخطّة الإصلاح التي تعهّدت بها وتشمل إصلاح مؤسّسات السلطة وتعزيز الأمن والحكم وإعادة الإعمار، بما يتضمّن تفاصيل متعدّدة، منها إجراء الانتخابات وعدم السماح بوجود حركة حماس في الحكم وعودة السلطة إلى غزّة.

أثار إعلان تشكيل اللجنة المشتركة جدلاً في الشارع الفلسطينيّ بين من وضعه في خانة الدعم الفنّيّ والتقنيّ والسياسيّ الذي تقدّمه فرنسا ضمن توجّه السلطة لإشراك المجتمع الدوليّ في عمليّة الإصلاح، وبين من اعتبره وصاية غير مقبولة وتدخّلاً سافراً في الشأن الفلسطينيّ الداخليّ ومصادرةً لاستقلاليّة القرار السياسيّ.

المسوّدة جاهزة

قال عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير، وعضو لجنة صياغة الدستور التي شكّلها الرئيس عبّاس، أحمد مجدلاني، لموقع “أساس” إنّ اللجنة أنهت فعليّاً صياغة مسوّدة الدستور المؤقّت، وستقدّمها للرئيس ضمن المهلة المحدّدة في 24 تشرين الثاني، على أن تُعرض لاحقاً على اللجنة المشتركة التي تمّ تشكيلها.

الدستور

 

بحسب مجدلاني، يهدف الدستور المؤقّت الذي جرى إعداده إلى الانتقال من حالة “السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة” إلى “دولة فلسطينيّة تحت الاحتلال”، و”إنهاء الالتزام باتّفاق أوسلو بعد تَنَصُّل الاحتلال منها”. هذا وأشار إلى أنّ المسوّدة ستُعرض للنقاش العامّ محليّاً، من خلال منصّة إلكترونيّة جرى تفعيلها أخيراً.

اتّفق الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس مع نظيره الفرنسيّ إيمانويل ماكرون خلال اللقاء الذي جمعهما في باريس في 11 تشرين الثاني

نفى مجدلاني أن يكون تشكيل اللجنة المشتركة بهدف فرض شروط فرنسيّة على الدستور، مؤكّداً أنّ دور باريس يندرج ضمن المساعدة الفنّيّة اعتماداً على التجربة الديمقراطيّة والقانونيّة التي تمتلكها فرنسا، ولفت إلى أنّ الجهد الفرنسيّ يأتي استكمالاً للدور السياسيّ الذي بدأته باريس مع السعوديّة في مؤتمر نيويورك للسلام الذي عُقد في أيلول الماضي، ثمّ الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، وذلك ضمن سياق تنفيذ السلطة لخطّة الإصلاح الواردة في رسالة الرئيس عبّاس إلى مؤتمر نيويورك والقائمين عليه.

جرى تشكيل لجنة صياغة الدستور بمرسوم رئاسيّ، باعتبارها خطوة أولى وضروريّة للذهاب نحو الانتخابات العامّة والانتقال من مرحلة السلطة إلى الدولة. لكنّها، من جهة أخرى، تشكّل ركيزة في هندسة النظام السياسيّ الفلسطينيّ للمرحلة المقبلة، بما يضمن عدم استبعاد مكوّنات سياسيّة معيّنة من المشهد العامّ، في استجابة للشروط الغربيّة المفروضة على السلطة لضمان استمرار وجودها في أيّ ترتيبات مستقبليّة.

لم يقدّم المسؤولون تصوّراً واضحاً لآليّة إقرار الدستور بعد إنجازه، إلّا أنّ المرجّح أن يتمّ ذلك عبر مرسوم رئاسيّ (قرار بقانون) يصدر عن الرئيس عبّاس، أو عبر استفتاء شعبيّ يشارك فيه الفلسطينيّون في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة فقط.

جدل قانونيّ

رافق تشكيلَ لجنة الصياغة جدلٌ بشأن قانونيّة تشكيلها، لأنّها لم تُنشأ من قبل مجلس وطنيّ منتخَب، وهو الجهة المخوّلة قانوناً صياغة الميثاق الدستوريّ، وثار جدل حول أهميّة هذه الخطوة في هذا التوقيت السياسيّ، خصوصاً أنّ الرئيس الراحل ياسر عرفات كان قد شكّل لجنة لصياغة دستور لدولة فلسطين عام 1999، بتفويض من المجلس الوطنيّ والمجلس التشريعيّ واللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير.

أعدّت تلك اللجنة مسوّدة أولى أواخر عام 2000، وصدر في أيّار 2002 الدستور الفلسطينيّ لأوّل مرّة رسميّاً باسم “القانون الأساسيّ الفلسطينيّ”، بعد إقراره من المجلس التشريعيّ. ثمّ صدرت مسوّدة ثالثة في 18 آذار 2003 تحت اسم “القانون الأساسيّ الفلسطينيّ المعدّل” بعد إقرارها من المجلس المركزيّ الفلسطينيّ.

أعدّت تلك اللجنة مسوّدة أولى أواخر عام 2000، وصدر في أيّار 2002 الدستور الفلسطينيّ لأوّل مرّة رسميّاً باسم “القانون الأساسيّ الفلسطينيّ”

أسباب التّدخّل الفرنسيّ

قال الباحث في قضايا الحكم والسياسة، مدير مركز ثبات للبحوث، جهاد حرب، لموقع “أساس” إنّ التدخّل الفرنسيّ بهذا الثقل في الملفّ الفلسطينيّ يعود لعدّة أسباب:

1- الدور السعودي – الفرنسي: في المعسكر المؤيّد لحلّ الدولتين، وسعيها إلى تطوير مؤسّسات الدولة الفلسطينيّة ضمن عمليّة الإصلاح والشروط الدوليّة، وخصوصاً تلك المرتبطة بالقرار الأميركيّ المعدّل في مجلس الأمن بشأن غزّة، الذي اشترط وجود مسار موثوق لدولة فلسطينيّة.

2- محاولة فرنسا استعادة مكانتها في الشرق الأوسط كقوّة دوليّة فاعلة، عبر البوّابة الفلسطينيّة وقيادة الموقف الأوروبيّ.

3- امتلاك فرنسا بنية ثقافيّة وتجربة سياسيّة تحاول تعميمها، وهو ما يصفه البعض بـ”الوصاية الثقافيّة الفرنسيّة”.

4- رغبة شخصيّة لدى الرئيس ماكرون في تسجيل دور تاريخيّ له في الملفّ الفلسطينيّ–الإسرائيليّ، على غرار أدوار جاك شيراك وفرانسوا ميتران.

5- التمايز عن الموقف الأميركيّ باعتباره إحدى أدوات السياسة الخارجيّة الفرنسيّة.

إنقاذ الجانب الفلسطينيّ

اعتبر حرب أنّ الجهد السياسيّ والقانونيّ الفرنسيّ يشكّل إنقاذاً للجانب الفلسطينيّ الذي غُيّب عن طاولة المجتمع الدوليّ بشأن مستقبل قضيّته، مشيراً إلى أنّ هذا الدور يعيد السلطة الفلسطينيّة إلى الساحة الدوليّة، ولا يمكن اعتباره وصاية.

جرى تشكيل لجنة صياغة الدستور بمرسوم رئاسيّ، باعتبارها خطوة أولى وضروريّة للذهاب نحو الانتخابات العامّة والانتقال من مرحلة السلطة إلى الدولة

لفت إلى أنّ التوجّه العامّ لدى لجنة صياغة الدستور هو طرح المسوّدة بعد التوافق عليها للنقاش العامّ، ثمّ للاستفتاء الشعبيّ، على الأقلّ داخل الأراضي الفلسطينيّة في الضفّة وغزّة والقدس. أشار إلى أنّ الفرنسيّين وعدوا بالمساهمة في إنجاح الانتخابات العامّة داخل الأراضي الفلسطينيّة، بما فيها القدس، بعد استكمال مراحل خطّة الإصلاح، ومن ضمنها صياغة الدستور.

إقرأ أيضاً: رئيس لثلاثة مناصب… قاعدة السّياسة الفلسطينيّة

تسرِّع السلطة الفلسطينيّة خطواتها لتنفيذ بنود خطّة الإصلاح التي تعهّدت بها أمام المجتمع الدوليّ في مختلف المجالات. في 15 تشرين الثاني، وجّه الرئيس عبّاس الحكومة الفلسطينيّة بإرسال وفد رفيع المستوى، برئاسة وزير التربية والتعليم العالي، للتشاور مع منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في مواءمة المناهج التعليميّة الفلسطينيّة مع المعايير الدوليّة التي تعتمدها المنظّمة، في إطار سعي دولة فلسطين إلى تطوير التعليم شكلاً ومضموناً، بما يحافظ في الوقت ذاته على جوهر الوعي الوطنيّ الفلسطينيّ، ويتلاءم مع معايير اليونسكو والالتزامات الدوليّة.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…