“بوليتيكو”: اقتصاد ترامب سعوديّ التّوجّه؟

مدة القراءة 6 د

يرى الصحافيّ الأميركيّ المتخصّص في تغطية أخبار وول ستريت والاقتصاد والتنظيم الماليّ، سام سوتون، أنّ هناك أوجه تشابه متزايدة بين الاقتصاد الأميركيّ في عهد دونالد ترامب وبين نموذج الاقتصاد السعوديّ بقيادة وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان. كلا البلدين يشهدان، وفق تحليله، تحوّلاً نحو شكل من رأسماليّة الدولة تقوم فيه السلطة السياسيّة العليا بتوجيه الاستثمارات وتحديد القطاعات المستهدَفة والتحكّم في تدفّقات رأس المال بما يخدم الرؤية السياسيّة للقيادة.

 

حضر مراسل مجلّة بوليتيكو، سام سوتون، الدورة السادسة من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، المعروف بـ”دافوس الصحراء”، والذي عُقد بين 27 و30 تشرين الأوّل 2025 تحت شعار “المفتاح إلى الازدهار: إطلاق آفاق النموّ الجديدة”. شكّلت زيارته فرصة لعرض التحوّلات السريعة التي شهدتها العاصمة السعوديّة التي انتقلت خلال سنوات قليلة من مدينة “خامدة وقاتمة” إلى مركز اقتصاديّ وسياحيّ عالميّ يعجّ بالمشاريع العملاقة المرتبطة برؤية السعودية 2030. يرى الكاتب أنّ هذا التحوّل يعكس طموحاً سياسيّاً واقتصاديّاً يهدف إلى إعادة تشكيل الهويّة الوطنيّة من خلال سلطة مركزيّة قويّة تتحكّم بالاستثمار والتخطيط.

تلفت هذه المقاربة الاقتصاديّة انتباه عائلة ترامب التي بدا تأثيرها واضحاً في أرجاء المؤتمر. صرّح دونالد ترامب الابن بأنّ المنطقة “تحمل فرصاً هائلة”، وأنّ مستقبلها الاقتصاديّ سيكون “مذهلاً”. برأي سوتون، يعكس وجود ترامب الابن وتصريحاته تشابهاً متنامياً بين الدور الذي تؤدّيه إمبراطوريّة ترامب التجاريّة وبين النموذج الذي يعتمده محمّد بن سلمان في إعادة تشكيل الاقتصاد السعوديّ.

تحويل الوكالات الفدراليّة إلى أذرع استثماريّة

يعتمد وليّ العهد السعوديّ على استثمارات حكوميّة ضخمة لتحريك الاقتصاد، ويعمل ترامب في ولايته الثانية على تحويل الوكالات الفدراليّة الأميركيّة إلى أذرع استثماريّة حكوميّة يمكن استخدامها لتوجيه رأس المال نحو القطاعات التي يدعمها، وهو ما يمنحه نفوذاً مباشراً في إدارة محافظ استثماريّة ضخمة تشبه في طبيعتها صناديق الثروة السياديّة.

هناك أوجه تشابه متزايدة بين الاقتصاد الأميركيّ في عهد دونالد ترامب وبين نموذج الاقتصاد السعوديّ بقيادة وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان

يبرز دور شركة 1789 كابيتال، التي يرأسها دونالد ترامب الابن، عنصراً أساسيّاً في هذا التشابه. بحسبه، الشركة ليست صندوقاً استثماريّاً وحسب، بل امتداد لحركة “أميركا أوّلاً” السياسيّة، وتستثمر في القطاعات التي يوليها ترامب الأب اهتماماً استراتيجيّاً، مثل الذكاء الاصطناعيّ والتعدين والصناعات الدفاعيّة وبعض شركات إيلون ماسك. من هنا، يبدو أنّ العلاقة بين عائلة ترامب والجهات السعوديّة لم تعُد صفقات تجاريّة فقط، بل تحوّلت إلى جزء من مشروع سياسيّ واقتصاديّ مشترك.

ترامب

يتجلّى هذا الترابط السياسيّ–الاقتصاديّ أيضاً في المشاريع العقاريّة والسياحيّة المشتركة، مثل الشراكة مع “دار الأركان العالميّة” في السعوديّة، إضافة إلى دعم بطولة LIV Golf التي استضافتها منتجعات ترامب في الولايات المتّحدة. يشير الكاتب إلى أنّ هذا النمط من تداخل الأعمال الخاصّة مع السياسة شائع في الخليج، لكنّه يثير إشكالات أكبر في الولايات المتّحدة، حيث يُفترض وجود فواصل واضحة بين المصلحة العامّة والمصالح الخاصّة للرئيس.

ينقل مراسل “بوليتيكو” عن وليام ويشلر، المسؤول السابق في وزارة الخزانة ومجلس الأمن القوميّ، تفسيراً لهذا التشابه المتزايد. بحسب ويشلر، يعتمد صانعو السياسات في كثير من الدول العربية على العلاقات الشخصيّة والروابط العائليّة التي تمنح الثقة والجدّيّة. يضيف ويشلر أنّه بعد فوز ترامب، قال له مسؤول عربيّ رفيع: “بلادكم أصبحت أكثر عربيّة الاتّجاه”. إلّا أنّ الكاتب يرى أنّ التشابه لا يقتصر على العلاقات الشخصيّة، بل بات يتّخذ شكل مشروع حكوميّ شامل في الولايات المتّحدة.

ينقل الكاتب عن إريك كانتور، زعيم الأغلبيّة الجمهوريّة السابق ونائب رئيس بنك Moelis & Co، قوله خلال المؤتمر إنّ إدارة ترامب تعتمد نهجاً شبيهاً برؤية محمّد بن سلمان، قائماً على إعادة بناء الصناعات الأساسيّة المحليّة، مثل المعادن الحيويّة والتصنيع، بعدما كشفت الجائحة هشاشة سلاسل التوريد الأميركيّة. ترامب، بحسب كانتور، يستخدم منصّة الرئاسة لتوجيه رأس المال إلى القطاعات التي يريد دعمها، ويعمل على إزالة العقبات التنظيميّة التي تحدّ من الاستثمار، وهي مقاربة يراها كانتور إيجابيّة للقطاع الخاصّ.

صرّح دونالد ترامب الابن بأنّ المنطقة “تحمل فرصاً هائلة”، وأنّ مستقبلها الاقتصاديّ سيكون “مذهلاً”

يعزّز هذا الرأي ما قاله ريتشارد أتياس، رئيس الجهة المنظّمة للمؤتمر والمدعومة من صندوق الاستثمارات العامّة السعوديّ. إذ يشير إلى أنّ قادة دول الخليج يرون أنفسهم رؤساء تنفيذيّين، وهو ما ينسجم مع شخصيّة ترامب رجل الأعمال الذي يتدخّل شخصيّاً في كلّ صفقة ويولي التفاصيل الاقتصاديّة أهميّة قصوى.

التّأثير على قواعد المنافسة

على الرغم من أنّ بعض المستثمرين الغربيّين يرون في مقاربة رأسماليّة الدولة نموذجاً ملائماً لدفع النموّ، يتخوّف آخرون من تأثير هذا النموذج على قواعد المنافسة والأسواق الحرّة. إذ قد تجد الشركات نفسها ملزمة بمراعاة التوجّهات السياسيّة للرئيس إلى جانب متطلّبات السوق، كما حدث عندما هاجم ترامب رئيس شركة Intel واتّهمه بمحاباة الصين.

إقرأيضاً: التّحالف الأميركيّ – السّعوديّ… ضمانة الشّرق الأوسط

تبقى قدرة النموذج الأميركيّ المستوحى من السعوديّة على النجاح مرتبطة بموارد البلدين وظروفهما. في السعودية، كانت الاستثمارات الحكوميّة وصندوق الاستثمارات العامّة القوّة الدافعة للتحوّل الاقتصاديّ، لكنّ الرسالة التي كرّرها المتحدّثون في المؤتمر هي أنّ المرحلة المقبلة تتطلّب دوراً أكبر للقطاع الخاصّ. يختصر الملياردير بيل أكمان هذه الفلسفة بقوله: “الولايات المتّحدة أكثر تقدّماً، لكن عندما تبدأ دولة من مستوى أقلّ، يكون تدخّل الحكومة لتحفيز الاستثمار منطقيّاً جدّاً”. يختم بأنّ السوق الحرّة يجب أن تزدهر في النهاية، وأنّ الحكومة ينبغي أن تبقى الملاذ الأخير لرأس المال.

 

لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا

مواضيع ذات صلة

فريدمان يسأل ترامب: ماذا عن بوتين وجين بينغ؟

حذّر المحلّل والكاتب السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان من أنّ تدخّل إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في فنزويلّا وإزاحتها الرئيس نيكولاس مادورو ينطويان على مسؤوليّات عميقة…

دبلوماسيّ أميركيّ: السّلوك الإماراتيّ مُخيّب للآمال

يفسّر السفير الأميركيّ السابق لدى المملكة العربيّة السعوديّة مايكل راتني الردّ السعوديّ الحادّ على التطوّرات الأخيرة في جنوب اليمن بأنّه يعكس مخاوف عميقة تتعلّق بالاستقرار…

2026: تداخل أزمات العالم يزيد المخاطر تعقيداً

يتوقّع خبراء المعهد الملكيّ للشؤون الدوليّة (تشاتام هاوس) أن يشكّل عام 2026 اختباراً حقيقيّاً لقدرة النظام الدوليّ على الصمود في وجه أزمات متداخلة ومتعدّدة. فالعالم…

انهيار العملة وغليان الشّارع: اختبار صعب للنّظام الإيرانيّ

تواجه إيران واحداً من أشدّ الاختبارات الاقتصاديّة والسياسيّة في السنوات الأخيرة، مع انهيار العملة وارتفاع التضخّم إلى مستويات قياسيّة وتداعيات الحرب والعقوبات، وهو ما دفع…