نتنياهو يُعمّم الفوضى… ليستمرّ

مدة القراءة 6 د

منذ تشكيله ائتلافه اليمينيّ المتطرّف في كانون الأوّل 2022، يجد رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو نفسه أمام أزمات تتراكم ولا تنتهي، من فضائح فساد شخصيّة، إلى فضائح فساد وزراء حكومته، إلى التداعيات السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة المرتبطة بالسابع من أكتوبر/تشرين الأوّل، إلى الملفّ القضائيّ ومحاولته إخضاعه لسطوة الحكومة، وما رافق ذلك من احتجاجات جماهيريّة، إلى الخلاف مع المؤسّسة الأمنيّة. يوحي كلّ ذلك بأنّ إسرائيل تعيش في حالة فوضى عارمة وأزمات دون حلّ.

 

المفارقة أنّ نتنياهو يراوغ كلّ تلك الأزمات ويحوّلها لمصلحته من دون أن تُسقطه، مستفيداً من تلك الفوضى التي باتت عقيدةً لديه ونهجاً يوظّفه في إعادة تركيب المشهد السياسيّ والاقتصاديّ والأمنيّ الإسرائيليّ، وربّما يعود ذلك إلى ضعف وجود معارضة فاعلة قادرة على مواجهته، نظراً لغياب مشروع أو برنامج سياسيّ بعيد عن اليمينيّة.

ملك وحاكم مُطلق

إزاء هذه الفوضى وضعف المنافسين، من الطبيعيّ أن يجد نتنياهو نفسه حاكماً مطلقاً، وأن يذهب إلى تنصيب نفسه ملكاً لإسرائيل. وربّما هذا ما يُفسّر انتخابه مجدّداً في 6 تشرين الثاني رئيساً لحزب الليكود وترشيحه رسميّاً لتشكيل الحكومة المقبلة، بعد إغلاق باب الترشيح دون أن يتقدّم أيّ مرشّح آخر للمنافسة. أي أنّ الحزب السياسيّ الأقوى في إسرائيل والأكثر شعبيّة اختار نتنياهو بالتزكية لرئاسته من دون أيّ منافسة أو اعتراض من أحد، وبالتالي هو من سيقود الحزب في الانتخابات العامّة التي ستجري في إسرائيل العام المقبل.

أمّا على الصعيد العامّ فأظهر استطلاع للرأي العامّ الإسرائيليّ، نُشرت نتائجه في 6 تشرين الثاني، أنّ حزب الليكود يتصدّر النتائج في أيّ انتخابات تُجرى اليوم، إذ سيحصل على 27 مقعداً في الكنيست.

الحزب السياسيّ الأقوى في إسرائيل والأكثر شعبيّة اختار نتنياهو بالتزكية لرئاسته من دون أيّ منافسة أو اعتراض

الفوضى السياسيّة والعسكريّة والإداريّة والأمنيّة والقضائيّة التي تعيشها إسرائيل، ساهم نتنياهو في خلقها وتعظيمها من أجل تعزيز سلطته وحكمه عبر أدوات مختلفة، منها اتّخاذ قرارات إشكاليّة تتمثّل في إقصاء قادة وضبّاط في المؤسّسة العسكريّة والأمنيّة واستبدالهم بآخرين موالين له. آخرها على سبيل المثال إقصاء رئيس جهاز “الشاباك” وتعيين بديلٍ له، وإجبار المدّعية العسكريّة الإسرائيليّة على الاستقالة وإخضاعها للتحقيق من خلال وزير الجيش يسرائيل كاتس الذي قام بتعيينها خلال الحرب.

لا يختلف اثنان على أنّ نتنياهو أجّج الفوضى في إسرائيل من خلال إصراره على مدى عامين على استمرار الحرب في غزّة والمنطقة، التي لم تنتهِ فصولها حتّى الآن ويمكن إشعالها مجدّداً، ونفّذ خلالها ورشةً لهندسة الدولة الإسرائيليّة بما يخدمه مستقبلاً.

نتنياهو

منذ تشكيل ائتلافه الحاكم، عمل نتنياهو على تكريس نفسه ملكاً لإسرائيل وحاكماً مطلقاً، وذلك من خلال إضعاف مؤسّسات الدولة الأمنيّة والقضائيّة، وهو ما يجعله أكثر قدرةً على التحكّم بها دون معارضة، وتجاوز أيّ عقبات تعترضه، وتحديداً من خلال ما يُعرف بالتعديلات القضائيّة التي حدّت من تدخّل القضاء وقلّصت صلاحيّاته، مقابل تعزيز سلطة الحكومة وتمرير مشاريعها وسياساتها دون رقابة.

لقد هرب نتنياهو إلى الأمام من مسؤوليّته عن إخفاق السابع من أكتوبر، ومنع تشكيل لجنة تحقيق رسميّة كما جرت العادة في إسرائيل، كانت بالتأكيد ستُطيح به وتحمّله المسؤوليّة، وتبنّى سياسة الفوضى الخلّاقة في المنطقة بفتح الحرب على سبع جبهات. لم تدفعه الاحتجاجات التي خرجت في الشارع الإسرائيليّ للتوقّف أو التراجع، وحقّق خطوات كبيرة وغير مسبوقة في توسعة المشروع الاستيطانيّ في الضفّة الغربيّة، وحظي بدفعة دعم هائلة مع فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأميركيّة، وكان آخر مظاهرها تدخُّل الرئيس الأميركيّ في ملفّ محاكمته في قضايا الفساد عند رئيس إسرائيل ومطالبته بمنحه عفواً عامّاً.

إزاء هذه الفوضى وضعف المنافسين، من الطبيعيّ أن يجد نتنياهو نفسه حاكماً مطلقاً، وأن يذهب إلى تنصيب نفسه ملكاً لإسرائيل

توظيف في الانتخابات

في الأسبوع الأخير، تفجّرت قضيّتان في إسرائيل:

1- اتّهام المدّعية العامّة العسكريّة، يفعات يروشالمي، بتسريب شريط مصوَّر من كاميرات المراقبة في منشأة الاعتقال في معسكر “سْديه تيمان”، يُوثّق تعذيب معتقل فلسطينيّ من قطاع غزّة واغتصابه بسكين من قبل خمسة جنود.

أُجبرت المدّعية العسكريّة على الاستقالة، ثمّ جرى اعتقالها والتحقيق معها، الأمر الذي سمح لنتنياهو عبر وزير جيشه يسرائيل كاتس بإجراء تغييرات هائلة في ذلك الجهاز عبر تعيين موالين له.

قال كاتس خلال تعيين المدّعي العسكريّ الجديد إنّ عليه “تنظيف وترميم وتنظيم جهاز النيابة العسكريّة استناداً إلى مبادئ، في مقدَّمها الدفاع عن الجنود الإسرائيليّين الذين يقاتلون ببطولة في ظروف صعبة ومعقّدة من أجل أمن دولة إسرائيل، وبالطبع ألّا يُبادر ويشارك في مشهديّات دمويّة تُشوّه صورة الجنود وتمسّ بكرامتهم وتعرّضهم للملاحقة في العالم كلّه”.

يسعى نتنياهو إلى توظيف قضيّة المدّعية العسكريّة في حملته الانتخابيّة المحتملة، من خلال ربطها بالصراع القائم بين حكومته والجهاز القضائيّ، في محاولة لحشد تأييد قاعدته اليمينيّة وتعزيز موقع حزب الليكود.

ذكرت هيئة البثّ الإسرائيليّة نقلاً عن مقرّبين من نتنياهو قولهم إنّ هذه اللحظة قد تُشكّل “فرصة ذهبيّة” لتبكير الانتخابات وتحويل قضيّة المدّعية العسكريّة إلى ورقة ضغط سياسيّة.

كتب الصحافيّ في صحيفة هآرتس أمنون هراري أنّ “حكومة نتنياهو تعلم أنّها كلّما كثّفت أعمال التدمير قبل الانتخابات، زادت فرصها في سرقتها”، في إشارة إلى الانتخابات. لذلك “دخلت مرحلة تصعيديّة جديدة قبل أحد عشر شهراً فقط من موعد الانتخابات، مستعجلةً تمرير تشريعات وإجراءات تستهدف الجهاز القضائيّ، في محاولة لتجريف ما بقي من مؤسّسات رقابيّة مستقلّة وتبكير موعد الانتخابات”، وهذا جزء من “متعة التدمير والانتقام” لدى الحكومة.

نتنياهو يراوغ كلّ تلك الأزمات ويحوّلها لمصلحته من دون أن تُسقطه، مستفيداً من تلك الفوضى التي باتت عقيدةً لديه

2- القضيّة الثانية التي لا تزال في طور التحقيق وتتكشّف كلّ يوم تفاصيل جديدة عنها، تتعلّق بأكبر قضيّة فساد في إسرائيل في نقابة العمّال العامّة “الهستدروت”، باشرت الشرطة الإسرائيليّة باعتقال عشرات المشتبه في ارتكابهم فيها مخالفات الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، ومن بينهم رئيس “الهستدروت”.

إقرأ أيضاً: رهان افتراق ترامب وإسرائيل: مغامرة قاتلة

يتوقّع أن يتمّ التحقيق مع نحو 300 شخص في هذه القضيّة، بين مشتبهٍ وشاهدٍ، بينهم وزراء من حزب الليكود. إذ ذكرت مصادر عبريّة أنّ وزيرة المساواة الاجتماعيّة ورفع مكانة المرأة، ماي غولان، ضالعة في قضيّة الفساد، بينما لا يزال نتنياهو يمارس ضغوطاً من أجل تعيين نجله يائير رئيساً لدائرة في “الهستدروت الصهيونيّة العالميّة”، بواسطة وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار، الذي جرى التحقيق مع اثنين من المقرّبين منه على الأقلّ في إطار قضيّة الفساد في “الهستدروت”.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…