الحزب: لا تكرار لتجربة العسكر في السلطة

مدة القراءة 5 د


لم تتبلّغ أيّ مرجعية سياسية لبنانية حتى الآن احتمال صدور قرار يؤجّل زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان هذا الشهر للبنان. بالأساس لم يحدّد الزائر الفرنسي خلال جولة اتصالاته مع المسؤولين موعداً دقيقاً لتاريخ عودته مسلّماً بأنّ “زيارتي حتمية منتصف تموز آملاً بتضييق فجوة الخلافات”.

الاضطرابات وأعمال الشغب الأسوأ منذ عام 2005 التي شهدتها فرنسا على مدى أسبوع، والتي دفعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تأجيل زيارة الدولة لألمانيا، أبقت باريس في قمّة الاستنفار السياسي والأمنيّ في ظلّ مظاهر عسكرة وآلاف الموقوفين لضبط رقعة التمرّد غداة مقتل شابّ من أصل جزائري على يد “شرطة المرور”.

لم تتبلّغ أيّ مرجعية سياسية لبنانية حتى الآن احتمال صدور قرار يؤجّل زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان هذا الشهر للبنان

لكنّ خليّة الأزمة الرئاسية الناشطة لإعادة الهدوء إلى المدن الفرنسية لن تحجب انغماس باريس المستمرّ في الوحل اللبناني مع توقّع عودة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان هذا الشهر حاملاً تصوّرات للحلّ بات من المؤكّد، وفق مطّلعين، أنّها ستبقى كلاماً تنظيرياً وحسب ومن دون فعّالية “إذا لم تُقرَن بتكريس تقاطعات عليها من جانب ممثّلي الخليّة الخماسيّة”، فيما تحدّثت قناة “إن بي إن” المحسوبة على رئيس مجلس النواب نبيه برّي عن أنّ “لودريان سيتوجّه إلى السعودية للقاء المسؤول عن الملفّ اللبناني مستشار الديوان الملكي نزار العلولا لوضعه في أجواء جولته على المسؤولين اللبنانيين، ثمّ ينتقل إلى فرنسا ويرفع تقريره إلى الإليزيه، ثمّ يعود إلى لبنان بعد العيد الوطني الفرنسي”. في السياق نفسه، يتوقّع مطّلعون أن تشمل مروحة اتصالات لودريان كلّاً من قطر ومصر وواشنطن.

على ذلك، لا توقّعات بتغييرات ما قد تلفح مواقف القوى السياسية المتصلّبة خلف خنادقها الرئاسية. فالحزب بات أكثر وضوحاً في تقديم تعريفٍ جديدٍ للحوار عنوانه: “تعالوا لنتحاور ونقنعكم بأنّ خيارنا (سليمان فرنجية) هو أفضل من خياركم. وفي النهاية في ناس بدها تقنع”.

أمّا الخندق المقابل من نوّاب القوات والكتائب والتيار الوطني الحر والمستقلّين والتغييريين فيصعب أن تجمعه مجدّداً “معجزة” التلاقي على مرشّح آخر مع تسليم قسم من هؤلاء النواب، خصوصاً محور جبران باسيل، بأنّ ورقة جهاد أزعور قد طُويت تماماً.

لكن في ظلّ كلّ هذه الفوضى الرئاسية ثمّة “نزاع” صامت من نوع آخر يصعب فصله تماماً عن ملفّ رئاسة الجمهورية، لا بل قد يدخل في صلبه. فالحزب الذي يتمسّك بفرنجية مرشّحاً لا منافس له، رافضاً حتى الآن أيّ خيارات بديلة، يعتمد تكتيكاً رئاسياً يضع “مُنافِس” فرنجية الأكثر جدّيّة، وهو قائد الجيش، أمام ضغط وامتحانات متكرّرة تخلّف استياءً كبيراً في أروقة اليرزة ما دامت تُصنَّف في خانة “الرسائل السلبية”.

كلّ سياق أداء الحزب الرئاسي يوحي بنظرة سلبية لاحتمال تكرار تجربة “العسكر في السلطة” مع تشكيك مستمرّ في برنامج عمل وفريق عمل قائد الجيش في عدّة ملفّات

آخر النماذج هو الستاتيكو “التوتيريّ” المستمرّ منذ نحو شهرين بعد نصب الحزب خيمتين مع تجهيزاتهما الكاملة على الحدود الجنوبية على أطراف مزارع شبعا، وهو ما ينبئ بإقامة طويلة لعناصر الحزب قد تستولد توتّراً عسكرياً مقروناً بتهديدات إسرائيلية وأمميّة و”تلويحٍ بحرب” وضغوطٍ دبلوماسية لإزالتهما. وقد قطع هذا الستاتيكو اتّخاذُ الجيش في 6 حزيران الماضي وضعيّة قتالية بوجه القوات الإسرائيلية في تلال كفرشوبا لمنع العدوّ من الاستمرار في التجريف وتثبيت نقاط حدودية في منطقة العرقوب.

“استوطنت” الخيمتان وسط صمت حكومي “وحزبلاوي” قطعه موقف وحيد للنائب محمد رعد منذ أيّام قليلة فقط استُشِمّ منه تصعيدٌ كلاميٌّ على قاعدة: “إذا ما بدّك حرب (الإسرائيلي ينتظر أن يزيل الحزب الخيمتين) سكوت وتضبضب”. معادلة جنوبية مستجدّة مفتوحة على كلّ الاحتمالات واستدعت استنفاراً عسكرياً للجيش ليس أوانه في ظلّ الضغط الهائل على القوى العسكرية الذي تُوّج بالإشكال الدموي في القرنة السوداء ووقوع قتيلين سقط أحدهما برصاص الجيش بالخطأ.

سبق ذلك إعداد الحزب للمناورة العسكرية في عرمتى على أبواب العيشيّة مسقط رأس قائد الجيش. اعتُبرت المناورة الأكبر والأكثر إتقاناً أمام وسائل إعلام عربية وأجنبية ومحلّية، وتخلّلتها مناورة لاقتحام الجليل ومحاكاة معسكر عرمتى لحرب حقيقية مع العدوّ الإسرائيلي استُخدمت فيها أسلحة ثقيلة سُمع دويّها في كلّ الجنوب مع استعراض لسلاح نوعيّ لاستهداف الـ “درون”، ثمّ تَبع ذلك بعد أسابيع إسقاط مسيّرة إسرائيلية فوق الجنوب.

تكلّم كثيرون عن الإحراج الذي سبّبته هذه المناورة لقائد الجيش وعن “الاستفزاز” المستمرّ من خلال محاولة خلق وضعيّات قتالية مموّهة على الحدود تُبقي الجنوب على كفّ عفريت انفلات الأمور وتُقحِم الجيش في معادلات حسّاسة لا تستقيم مع خطورة الوضع السياسي والجهود المبذولة محلّياً ودولياً لالتقاط طرف خيط الحلّ.

إقرأ أيضاً: “مَشكَل” قائد الجيش وباسيل “يبجّ” المجلس العسكريّ

الأهمّ أنّ كلّ سياق أداء الحزب الرئاسي يوحي بنظرة سلبية لاحتمال تكرار تجربة “العسكر في السلطة” مع تشكيك مستمرّ في برنامج عمل وفريق عمل قائد الجيش في عدّة ملفّات، منها ملفّ المقاومة في حال انتخابه رئيساً للجمهورية.

كانت لافتةً أمس الزيارة الثانية في غضون نحو شهر التي قام بها قائد الجيش لعين التينة حيث التقى الرئيس نبيه برّي. يؤكّد مطّلعون أنّ الاجتماع تركّز بشكل أساس على تعيينات المجلس العسكري التي يضغط عون لإجرائها، إذ يصرّ قائد الجيش على تعيين رئيس الأركان، وإن أمكن الأمر ملء الشغور في المجلس العسكري بتعيين ثلاثة من أعضائه. وتناول اللقاء أيضاً عدّة مسائل، منها ما حدث في القرنة السوداء والوضع جنوباً.

لمتابعة الكاتب على تويتر: MalakAkil@

مواضيع ذات صلة

لا مبادرة تعلو فوق صوت هدير الغارات

في معظم الاستحقاقات التي فرضتها الحرب على الجبهة الجنوبية، بدا القرار اللبناني وكأنه يلحق بالأحداث بدل أن يسبقها. حصل ذلك في آلية الـMechanism التي تأخر…

هل وافق رئيس الجمهوريّة على بيان الجيش؟

اقتحم المشهدَ الداخليَّ المتأزّمَ، بفعل دخول “الحزب” على خطّ الحرب، عنصر إضافي زاد من منسوب الاحتقان، ووضع الجيش في “بوز” مدفع الاتّهامات بعدم تنفيذ قرارات…

برّي: هذه المرّة غير كلّ المرّات

قُضي الأمر. ربح برلمان 2022 عامين إضافيَّين، والحبل على الجرّار. فعلت الحرب ما خجلت القوى السياسيّة من فعله بتقديم الأسباب الموجبة لتأجيل الاستحقاق النيابيّ، فكان…

حفيد الخمينيّ أوّل المرشحين لخلافة المرشد

من سيخلف علي خامنئي على كُرسيّ الإرشاد والقيادة في إيران؟ سُؤال وتبحثُ دائر القرار عن جوابه. إذ سيُحدّد المسار الذي ستنتهجه إيران بعد تعرّضها لأقسى…