لم تكن محافظة جنين، شمال الضفة الغربية، خلال العقدين الماضيين ضمن الخارطة الاستيطانية الإسرائيلية الأكثر نشاطاً، إذ شكل إخلاء المستوطنات الأربع عام 2005 نقطة تحول فارقة، منحتها خصوصية جغرافية ووطنية جعلتها واحدة من أكثر المحافظات تماسكاً من حيث الامتداد العمراني والديمغرافي.
لكن جنين ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، شهدت تحولاً جذرياً جراء السياسات الإسرائيلية، وباتت تتصدر أولويات المشروع الاستيطاني، وسط خطوات متسارعة تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الجغرافي والديمغرافي والسياسي في شمال الضفة الغربية.
تعيش محافظة جنين اليوم واحدة من أكثر مراحلها خطورة منذ احتلال الضفة الغربية، مع تصاعد عمليات مصادرة الأراضي، وشق الطرق الاستيطانية، وإقامة البؤر الرعوية، وإنشاء المواقع العسكرية، وإعادة تأهيل المستوطنات التي أُخليت قبل نحو عشرين عاماً، في إطار مشروع متكامل يهدف إلى تحويل شمال الضفة الغربية إلى جزء من المنظومة الاستيطانية.
تكتسب جنين أهمية استثنائية في الحسابات الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء. فالمحافظة التي يضم سهلها الممتد أجزاء واسعة من مرج ابن عامر تُعد من أهم المناطق الزراعية، كما تشكل موقعاً استراتيجياً يربط شمال الضفة الغربية بالوسط والجنوب، لذلك فإن السيطرة عليها أو إعادة تشكيل واقعها الجغرافي يمثل هدفاً مركزياً في أي مشروع يسعى إلى فرض وقائع دائمة على الأرض.
مليون في الضفة؟
خلال الأشهر الماضية، تصاعدت المؤشرات الدالة على وجود استراتيجية إسرائيلية شاملة لإعادة الاستيطان إلى شمال الضفة الغربية. فقد أعلن رئيس مجلس المستوطنات يوسي داغان عما أسماه “خطة إعادة التواصل”، وهي خطة تستهدف إعادة بناء المستوطنات التي أُخليت عام 2005 وإنشاء مستوطنات جديدة في المنطقة.
تنص الخطة على إقامة 18 مستوطنة في شمال الضفة الغربية، تشمل إعادة إحياء المستوطنات الأربع التي أُخليت سابقاً، وهي “حومش” و”صانور” و”جانيم” و”كاديم”، إضافة إلى إنشاء 14 مستوطنة جديدة في مناطق مختلفة من محافظة جنين ومحيطها، حصلت بعض هذه المشاريع على موافقات حكومية أولية، فيما ينتظر بعضها الآخر قرارات إضافية من الحكومة الإسرائيلية. كما بدأت المؤسسات الاستيطانية بالفعل بتجهيز نوى استيطانية وعائلات مرشحة للانتقال إلى المواقع الجديدة فور استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
تعيش محافظة جنين اليوم واحدة من أكثر مراحلها خطورة منذ احتلال الضفة الغربية، مع تصاعد عمليات مصادرة الأراضي، وشق الطرق الاستيطانية، وإقامة البؤر الرعوية، وإنشاء المواقع العسكرية
يأتي هذا التوجه ضمن الخطة الاستراتيجية التي تعرف باسم “مليون في الضفة”، والتي يقودها مجلس المستوطنات بهدف مضاعفة أعداد المستوطنين في الضفة الغربية وتوسيع رقعة الاستيطان في مختلف المناطق.
في هذا السياق، قال رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان لـ”أساس” إن الحكومة الإسرائيلية كثفت بصورة غير مسبوقة مشاريعها الاستيطانية في محافظة جنين، مستغلة انشغال العالم بالحرب على غزة، موضحًا أن الكنيست الإسرائيلي ألغى قبل نحو عام ونصف قانون فك الارتباط الذي كان يمنع العودة إلى المستوطنات التي أُخليت عام 2005، ما أتاح المجال أمام الحكومة الإسرائيلية لإعادة إحياء هذه المستوطنات والبدء بمشاريع جديدة في المنطقة.
أشار شعبان إلى أن الحكومة الإسرائيلية خصصت مليارات الدولارات لإعادة تأهيل المستوطنات السابقة وشق الطرق الاستيطانية وتطوير البنى التحتية اللازمة لإعادة الاستيطان، مؤكداً أن أكثر من 15 موقعاً استيطانياً يجري العمل على تطويرها أو إنشائها في محافظة جنين وحدها.
أضاف: “لا تقتصر التحركات الإسرائيلية على إعادة بناء المستوطنات السابقة، بل تشمل كذلك إنشاء شبكة طرق استيطانية واسعة تربط المواقع الجديدة بالمستوطنات القائمة داخل الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر”، مؤكدًا أن النشاط الاستيطاني يمتد من قرى الفندقومية وسيلة الظهر وجبع وصولاً إلى صانور، إضافة إلى بلدتي عرابة ويعبد وغيرها من المواقع التي تشهد أعمال بنية تحتية وتوسعات استيطانية متسارعة.
في موازاة التوسع الاستيطاني، تشهد محافظة جنين تصاعداً في النشاط العسكري الإسرائيلي. فخلال الأسابيع الأخيرة، دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات عسكرية إلى مناطق مرتفعة ومشرفة على المدينة ومخيمها، مثل محيط قرية حداد السياحية جنوب شرق جنين، ومنطقة الجابريات، تمهيداً لإقامة نقطة أو معسكر عسكري دائم، في خطوة تعكس تحولاً من العمليات العسكرية المؤقتة إلى تثبيت وجود عسكري طويل الأمد في محيط المدينة.
ما يجري حالياً يمثل جزءاً من مشروع “الضم الزاحف” الذي تنفذه الحكومة الإسرائيلية، ويهدف لتقسيم الضفة الغربية إلى معازل و”كانتونات” منفصلة عبر شبكة من الطرق والحواجز والمستوطنات والمواقع العسكرية
مشروع استعماري متكامل؟
من جهته، أكد مسؤول وحدة مقاومة الجدار والاستيطان في محافظة جنين طارق غباري لـ”أساس” أن المدينة تعيش حالياً مرحلة خطيرة وغير مسبوقة من عودة الاستيطان، موضحًا أن الاحتلال أعاد بالفعل النشاط الاستيطاني إلى عدد من المواقع التي أُخليت عام 2005، ومنها منطقة صانور، حيث تم وضع كرافانات جديدة وإيصال الكهرباء إليها وشق طرق تخدم المستوطنين.
أضاف غباري أن التوسع الاستيطاني يشمل كذلك مناطق دوتان قرب يعبد وعرابة، ورابية جبل السالمة، والسويط غرب اليامون، ومحيط قرية حداد السياحية، ما يعكس انتشار النشاط الاستيطاني في أكثر من محور داخل المحافظة.
هذه التحركات لا يمكن فصلها عن المشروع السياسي الذي تتبناه الحكومة الإسرائيلية الحالية، والذي يقوم على فرض وقائع ميدانية تجعل أي حديث مستقبلي عن دولة فلسطينية مستقلة أمراً شديد الصعوبة.
تعزز هذه القراءة تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم. فقد قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إن مشاريع الاستيطان الجديدة من شأنها “دفن مشروع الدولة الفلسطينية”، فيما أكد وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن شرعنة البؤر والمزارع الاستيطانية تمثل خطوة إضافية لتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية.
إقرأ أيضاً: كيف استدرج تشرشل ونتنياهو أميركا إلى الحرب؟
بحسب غباري، فإن ما يجري حالياً يمثل جزءاً من مشروع “الضم الزاحف” الذي تنفذه الحكومة الإسرائيلية بصورة متدرجة، ويهدف إلى تقسيم الضفة الغربية إلى معازل و”كانتونات” منفصلة عبر شبكة من الطرق والحواجز والمستوطنات والمواقع العسكرية، مشيرًا إلى أن هذا المشروع يتكامل مع مخططات أخرى في القدس ومحيطها، بما في ذلك مشروع “E1” شرقي القدس، الذي يستهدف فصل شمال الضفة الغربية عن وسطها وجنوبها، وخلق واقع جغرافي جديد يجعل التواصل الفلسطيني أمراً بالغ الصعوبة.
في الوقت الذي تتسارع فيه هذه المشاريع، يحذر مختصون من أن جنين قد تكون أمام مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن العقود السابقة، حيث لم تعد المحافظة تواجه مجرد اقتحامات عسكرية أو إجراءات أمنية مؤقتة، بل مشروعاً استعمارياً متكاملاً يسعى إلى إعادة صياغة الجغرافيا والديموغرافيا والسيطرة على الأرض بصورة دائمة.
