على طريق فقدان السيادة في لبنان

مدة القراءة 3 د

كان السيد حسن نصر الله محقّاً في خطابه الأخير حين قال: “لتكن هناك دولة وليكن هناك بلد حتى يسلّم حزب الله سلاحه”.

هذا اعتراف علنيّ بأنّه ليست هناك دولة في لبنان، بل أنّ لبنان نفسه لم يعد بلداً. ولأنّ نصر الله ليس شخصاً عادياً فإنّ اعترافه ينطوي على حقائق ودلالات مضنية وجارحة كثيرة.

يعرف نصر الله أنّ الدولة التي وقفت معه وساندته مجروحة في حرب 2006 المشؤومة كانت قد هُزمت في ما بعد حين قرّر حزب الله أن يستولي على بيروت بمسلّحيه عام 2008.

كانت تلك بداية صريحة للفراق بين لبنان والمقاومة التي يُفترض أنّ دورها انتهى بتحرير الأراضي اللبنانية المحتلّة عام 2000.

ما يطرحه حسن نصر الله من حقائق واقعية تنذر بتبدّل جذري في المفاهيم الوطنية، وهو تحوّل ينذر بخطر عظيم على مستوى فقدان السيادة والاستقلال

أمّا أن تتحوّل المقاومة إلى قوّة احتلال إيرانية، وهو ما أكّده نصر الله بنفسه غير مرّة حين تحدّث عن التمويل والتبعيّة والانتماء والولاء، فإنّ ذلك يعني أنّ واحداً من اثنين ينبغي أن لا يظلّ موجوداً: إمّا لبنان أو المقاومة.

ولمّا كان نصر الله يرى أنّ لبنان لم يعد موجوداً فإنّ المقاومة التي انتصرت عليه هي المسؤولة عمّا وقع فيه من كوارث عبر السنوات الماضية على الأقلّ.

لم يكن لبنان موجوداً حين وقعت كارثة المرفأ.

وليس من باب الصدفة أن تتزامن تصريحات نصر الله مع مرحلة نيابية جديدة، سيواجه حزب الله فيها فائضاً واضحاً في عدد معارضيه داخل المجلس النيابي. وهو ما يستعدّ لمواجهته بإعلان عدم اكتراثه بالمؤسّسات الدستورية التي تمثّل من وجهة نظره دولة لا وجود لها.

وإذا ما كان اللبنانيون في هذا الوقت العصيب قد سعوا إلى فرض ديمقراطيّتهم التي خرجت بهم عن نطاق الفولكلور المحلّي في تداول التمثيل الشعبي، فإنّ سعيهم إلى استعادة الدولة سيصطدم بحقيقة أنّ الدولة التي اغتُصبت من قبل حزب الله قد تمّ إفراغها من محتواها. وهو ما يعني أنّ تلك المحاولة ستخون هدفها. فما من دولة يمكن استعادتها. وليس هناك ما يمكن فعله على مستوى نزع السلاح غير الشرعي الذي بات جزءاً من صراع إقليمي.

معادلة يضعها حزب الله على الطاولة باعتبارها الخيار الوحيد الذي يضمن للّبنانيين سلامتهم وكفاءة هروبهم ممّا لا بدّ منه.

 

التاريخ الجديد

تلك سلامة تقع على خيط رفيع يمكن أن ينقطع إذا ما أصرّ اللبنانيون على الإشارة بطريقة ملغّزة ومجازية إلى مسؤولية حزب الله عمّا انتهت إليه بلادهم من أوضاع كارثية تنذر بأن يحلّ سوء الفهم محلّ الحقيقة بحيث تكون المقاومة هي الاسم البديل للبنان الذي سيتمّ استعماله في الأوراق الرسمية فقط.

ذلك ما يمهّد لصناعة تاريخ جديد. هو التاريخ الموازي لتاريخ لبنان. لقد دأب حزب الله على خلق وجود موازٍ للوجود اللبناني بدءاً بالعسكرة وانتهاءً بالاقتصاد، مروراً بالخدمات الأساسية. لذلك ليس غريباً أن يستدعي حزب الله تاريخ المقاومة ليحلّ محلّ تاريخ لبنان.

إقرأ أيضاً: الحوار المعطّل

سيكون على اللبنانيين حينها أن ينظروا إلى مستقبلهم من جهة افتراضية، لأنّه زمن ضائع لن تتمكّن الأجيال المقبلة من المساهمة في صياغة مفرداته التي سيكون معظمها معلّباً بطريقة إيرانية بحيث يكون سلاح حزب الله هو الضابط لإيقاعات الحياة في بلد تعصف به الأزمات من كلّ جهة باعتباره ساحة حرب مؤجّلة.

ما يطرحه حسن نصر الله من حقائق واقعية تنذر بتبدّل جذري في المفاهيم الوطنية، وهو تحوّل ينذر بخطر عظيم على مستوى فقدان السيادة والاستقلال، لا تنفع معه أيّة محاولة للتغيير من الداخل.

 

*كاتب عراقي مقيم في السويد

مواضيع ذات صلة

الشّرع للجميّل: النّدّيّة والسّيادة صارتا وراءنا

ثلثا عمر سوريا المستقلّة حكمهما بيت الأسد وحدهم. بانتهاء عصرهم بات كلّ كلام عنها يسمّيها سوريا الجديدة. ما قبل بيت الأسد في حكمها، كان مألوفاً…

نتنياهو و”الحزب”: رفض فصل حرب لبنان عن إيران

احتاطت إسرائيل لإمكان أن يفاجئها دونالد ترامب بوقف الحرب على إيران، فأعلنت أنّ هذا الخيار لا ينطبق على لبنان، حيث ستواصل حملتها العسكريّة ضدّ “الحزب”….

مجتبى خامنئي وتموضع النظام ما بعد الحرب

تكشف الرسالة الأولى التي وجّهها المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، بعد انتظار سياسي وشعبي استمر ثلاثة عشر يومًا، أن الطابع العقائدي والأيديولوجي لا يزال مسيطرًا…

… إخت الصين

على مدى عقدين وأكثر، صدعوا رؤوسنا بفكرة صعود الشرق بوصفها التحول الأكبر في النظام الدولي. قيل إن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الصين بلا منازع،…