نتنياهو و”الحزب”: رفض فصل حرب لبنان عن إيران

مدة القراءة 6 د

احتاطت إسرائيل لإمكان أن يفاجئها دونالد ترامب بوقف الحرب على إيران، فأعلنت أنّ هذا الخيار لا ينطبق على لبنان، حيث ستواصل حملتها العسكريّة ضدّ “الحزب”. بينما ترمي جهود دوليّة وإقليميّة ولبنانيّة إلى فصل البلد الصغير عن الحرب الدائرة على إيران بعدما أقحمه “الحزب” فيها، لدى تل أبيب فهم آخر للفصل، وهو عدم إنهاء الحرب فيه إذا توقّفت في إيران. ما يسعى إليه الحراك الدبلوماسيّ واتّصالات إيمانويل ماكرون هو خفض خسائر البلد الهشّ.

 

يقع لبنان بين “مطرقة” إيران التي تربطه بالحرب الدائرة ضدّها، وبين “سندان” إسرائيل، التي تفصل وقف الحرب في إيران عن مواصلة حملتها العسكريّة على “الحزب”. هذا ما أسفرت عنه جهود الفصل بين الحربين، الذي يبدو متعذّراً، إذا لم يكن مستحيلاً.

عن الرّبط والفصل بين إيران ولبنان

تربط إيران مصير لبنان بالحرب عليها، وهو ما أكّده المرشد الجديد مجتبى خامنئي حين امتدح “الحزب” على مواصلة الدفاع عن طهران في بيانه الذي أذاعه أوّل من أمس. بل هو أعاد ربط الساحات بعد انفصالها بفعل الحرب السابقة، وصولاً إلى ما يشبه أمر عمليّات بإشراك “الحوثيّين” في اليمن، إضافة إلى العراق و”الحزب”.

مقابل هذا الربط، تعمل تل أبيب وفق قاعدة ثابتة هي رفض أيّ محاولة لوقف الحرب ضدّ لبنان حتّى لو كان هناك احتمال لوقفها ضدّ إيران. الإصرار الإسرائيليّ على تدمير لبنان في ظلّ شعار “إنهاء الحزب”، الذي أيّده ترامب، منفصل تماماً عن المتطلّبات الداخليّة والاقتصاديّة لإنهاء حملته على بلاد الفرس.

بات خيار البيت الأبيض أن يعلن “إنجاز” المهمّة في إيران قريباً، بحجّة ما يردّده عن تدمير بحريّتها وقدراتها الجويّة واستهداف قادتها واغتيال خامنئي الأب وقيادات عسكريّة، مطروحاً بقوّة على الطاولة.

احتاطت إسرائيل لإمكان أن يفاجئها دونالد ترامب بوقف الحرب على إيران، فأعلنت أنّ هذا الخيار لا ينطبق على لبنان، حيث ستواصل حملتها العسكريّة ضدّ “الحزب”

وقف ترامب الحرب: نتنياهو يواصلها بلبنان

خشية ترامب من ارتفاع كلفة استمرار الحرب في الداخل الأميركيّ، جرّاء تأثير الإنفاق وارتفاع أسعار النفط العالميّة، وحسابات ازدياد القتلى الأميركيّين، ستقوده إلى الاكتفاء بما حقّقته آلته العسكريّة منذ 28 شباط الماضي. وستزيد دعوة مجتبى خامنئي إلى مواصلة إغلاق مضيق هرمز من وطأة أزمة الطاقة على شعبيّة ترامب، على الرغم من الاكتفاء الذاتيّ الأميركيّ بالاحتياطيّ العالي من الذهب الأسود، قبيل الانتخابات النصفيّة المنتظرة بعد 7 أشهر.

بدا أنّ ترامب سلّم بفشله في تعيين قيادة إيرانيّة جديدة “بموافقتي”. وباتّجاهه إلى “التروّي” في الحملة العسكريّة قريباً، يكتفي بما ألحقه بإيران من أضرار ميدانيّة وفي القيادة، بما يسمح له الادّعاء أنّه ينتظر تداعياتها السياسيّة على موقعها التفاوضيّ. هذا علاوة على تركها تتخبّط بسقوط علاقتها بجيرانها العرب والخليجيّين جرّاء قصفها لهم إلى الحضيض.

أخذ نتنياهو يمهّد للانسجام مع هذا الخيار، بتراجعه عن هدف إسقاط النظام الإيرانيّ. قال في مؤتمره الصحافيّ ليل الخميس إنّه حتّى لو لم يسقط فقد “بات ضعيفاً”، وإنّ إسرائيل تعمل على “توفير الظروف للشعب الإيرانيّ من أجل طرد النظام”، وإنّ “إيران لم تعد كما كانت بعد الهجوم الأميركيّ الإسرائيليّ عليها”.

أمّا في شأن لبنان فكرّر دعوة الحكومة إلى نزع سلاح “الحزب”، محذّراً إيّاها من “أن تلعب بالنار” في تلكّئها بذلك. رمى رئيس الوزراء الإسرائيليّ وزر إصابة بعض صواريخ “الحزب” مواقع في وسط إسرائيل وشمالها وتسبُّبها بأضرار كبيرة على الحكومة. يبرّر بذلك لنفسه البدء باستهداف البنية التحتيّة اللبنانيّة، كما فعل بتدمير جسر الزراريّة على نهر الليطاني، أحد المعابر بين شمال النهر وجنوبه.

تسليم لبنان لإسرائيل

لكنّ قرار واشنطن تسليم جبهة لبنان بالكامل لنتنياهو، الذي يستند إلى ما سمّاه التحالف غير المسبوق بينه وبين ترامب، يعيق حتّى إشعار آخر أيّ محاولة لاستباق تصعيد الضغط التدميريّ في الميدان اللبنانيّ.

جاء تحرّك ماكرون لوقف النار في لبنان عبر تغليب التفاوض، مع التزام لبنان سحب سلاح “الحزب”، وللبحث في ترتيبات أمنيّة حدوديّة. تدرك الدبلوماسيّة الفرنسيّة، حسب قول مصادرها لـ”أساس”، أنّ الأمر يحتاج إلى انخراط أميركيّ لا يبدو متوافراً. فواشنطن منشغلة بأسعار النفط وتأثيراتها الداخليّة، وإسرائيل تمارس وحشيّة غير مسبوقة بالاستناد إلى شراكة استثنائيّة مع أميركا.

ليس “الحزب” في وارد وقف القتال لمساندة مرجعيّته العليا، وتتمسّك إسرائيل بمواصلة الحرب لتنفيذ بنك الأهداف الذي بحوزتها، سواء توقّفت في إيران أم استمرّت. وتجعل هذه العوامل السقوف عاليةً من الأطراف المعنيّة.

قرار واشنطن تسليم جبهة لبنان بالكامل لنتنياهو، الذي يستند إلى ما سمّاه التحالف غير المسبوق بينه وبين ترامب، يعيق حتّى إشعار آخر أيّ محاولة لاستباق تصعيد الضغط التدميريّ في الميدان اللبنانيّ

تحرّك ماكرون بانتظار الانخراط الأميركيّ

في تصوّر الجانب الفرنسيّ أنّ الإصرار على محاولات خفض خسائر لبنان يمكن أن يتواصل، لعلّه يخفّف من المنحى الإسرائيليّ التدميريّ، في انتظار أن تنضج ظروف تؤدّي إلى الانخراط الأميركيّ، كما حصل حين أوكلت إدارة الرئيس السابق جو بايدن إلى آموس هوكستين التوصّل إلى اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في 26 تشرين الثاني عام 2024.

من لقاء الرئيس عون الافتراضيّ مع قادة الاتّحاد الأوروبيّ، الذي اقترح فيه مبادرته للتفاوض المباشر ولقي تعاطفاً مع البلد، إلى اجتماع مجلس الأمن حول لبنان، إلى زيارة الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش أمس، مروراً باللقاءات مع السفير الأميركيّ ميشال عيسى، إلى وصول الطائرات المحمّلة بالمساعدات الإنسانيّة، يراهن الجانب الفرنسيّ على تراكم الوقائع التي توفّر نوعاً من الصيانة لهشاشة لبنان.

إقرأ أيضاً: موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

بين المساعدات الفرنسيّة، التي لم تُعلن، طائرة حملت معدّات للجيش لتسهيل تنقّله وتمركزه وانتشاره.

يشمل التجييش الفرنسيّ لصيانة لبنان المجتمع الدوليّ، في انتظار التوقيت المناسب لوقف الحملة العسكريّة الإسرائيليّة المتصاعدة عليه. وتتفهّم باريس محدوديّة قدرة سلطاته على سحب سلاح “الحزب” وفكّ ارتباطه بإيران بالسرعة التي تعتقدها إسرائيل وبعض الإدارة الأميركيّة.

في السياق تهيّئ الوضع اللبنانيّ لأرضيّة التفاوض على إنهاء الحرب عندما يحين وقته، فقبول لبنان بالتفاوض المباشر يكسر عقبة تحريم التفاهم مع إسرائيل، على الأقلّ في شأن ترتيبات أمنيّة على الحدود.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

الشّرع للجميّل: النّدّيّة والسّيادة صارتا وراءنا

ثلثا عمر سوريا المستقلّة حكمهما بيت الأسد وحدهم. بانتهاء عصرهم بات كلّ كلام عنها يسمّيها سوريا الجديدة. ما قبل بيت الأسد في حكمها، كان مألوفاً…

مجتبى خامنئي وتموضع النظام ما بعد الحرب

تكشف الرسالة الأولى التي وجّهها المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، بعد انتظار سياسي وشعبي استمر ثلاثة عشر يومًا، أن الطابع العقائدي والأيديولوجي لا يزال مسيطرًا…

… إخت الصين

على مدى عقدين وأكثر، صدعوا رؤوسنا بفكرة صعود الشرق بوصفها التحول الأكبر في النظام الدولي. قيل إن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الصين بلا منازع،…

اجتياح 2026: بين منطق شارون وعقيدة شمشون

على مدى خمسة عشر شهراً كان بنيامين نتنياهو يقول إنّ “الحزب” يعيد بناء قدراته، وإنّ الدولة اللبنانيّة لم تقم بواجباتها لنزع سلاحه. وعلى مدى خمسة…