انتخابات عراقيّة في ظلّ تراجع إيرانيّ…

مدة القراءة 5 د

قبل أيّام  من الانتخابات النيابيّة العراقيّة، لا بدّ من تسجيل أنّها الانتخابات الأولى التي تجري في ظلّ تراجع إيرانيّ في المنطقة. لا يمكن لمثل هذا التراجع، الأوّل من نوعه منذ عام 2003، إلّا أن يترك بصماته على العراق. يعود هذا التراجع الإيرانيّ إلى عوامل عدّة من بينها خسارة “الجمهوريّة الإسلاميّة” أوراقها الإقليميّة باستثناء العراق. خسرت سوريا وخسرت لبنان وفي طريقها إلى خسارة اليمن. خسرت خصوصاً “حماس” التي وفّرت لإيران فرصة “طوفان الأقصى”، وقد استغلّتها من أجل إثبات أنّها تمتلك مفتاح توسيع حرب غزّة أو حصرها.

 

 

انتهى الأمر بفشل إيرانيّ في لبنان وسوريا، حيث رفعت إسرائيل الغطاء عن النظام العلويّ، وفي اليمن حيث يعاني الحوثيّون من أزمة داخليّة عميقة لا مفرّ من ظهورها إلى العلن عاجلاً أم آجلاً.

لم يبقَ لإيران غير العراق في ضوء خروجها إلى غير رجعة من سوريا. في لبنان، لم يعُد بعيداً اليوم الذي يستوعب فيه “الحزب” معنى التغيير السوريّ وأبعاده ومعنى سقوط حلف الأقلّيّات الذي عمل من أجله، بغطاء إسرائيليّ، النظام العلويّ منذ احتكار حافظ الأسد للسلطة في تشرين الثاني 1970.

قبل أيّام  من الانتخابات النيابيّة العراقيّة، لا بدّ من تسجيل أنّها الانتخابات الأولى التي تجري في ظلّ تراجع إيرانيّ في المنطقة

أهمّيّة خاصّة

الأهمّ من ذلك كلّه أنّ نظام “الجمهوريّة الإسلاميّة” يدافع عن نفسه في داخل حدود إيران نفسها. للمرّة الأولى منذ قيامه في عام 1979، تعرّضت إيران لحرب استهدفت منشآتها الحيويّة ومنشآت نوويّة. كذلك، قُتل عدد لا بأس به من قادة الجيش و”الحرس الثوري” والعلماء النوويّين. كان ذلك في حزيران الماضي حين هاجمت إسرائيل إيران قبل أن تهاجمها الولايات المتّحدة التي اعتبرت، بلسان الرئيس دونالد ترامب، أنّها قضت على البرنامج النوويّ لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة”.

ترتدي الانتخابات العراقيّة أهمّيّة خاصّة نظراً إلى أنّها ستثبت مدى تحكّم إيران بنتائجها وما إذا كان محمّد شيّاع السوداني سيتمكّن من العودة إلى موقع رئيس الوزراء. لا يمكن القول إنّ السوداني رجل إيران في العراق على الرغم من الدور الذي لعبته “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيصاله إلى رئاسة الحكومة في تشرين الأوّل من عام 2022. وقتذاك، كان مطلوباً التخلّص من مصطفى الكاظمي الذي راهن في حينه على رجل الدين مقتدى الصدر. استطاع  الصدر الوصول إلى جمع أكبر كتلة نيابيّة كان مفترضاً أن تدعم عودة الكاظمي إلى موقع رئيس الوزراء، لكنّ الضغوط الإيرانيّة جعلته يطلب من نوّابه الاستقالة فاتحاً بذلك المجال لتولّي محمّد شيّاع السوداني رئاسة الحكومة بدعم من كتل شيعيّة موالية لإيران.

في 2025، لم يعُد السوداني يتمتّع بالدعم الشيعيّ الذي كان يتمتّع به في 2022. على العكس من ذلك، بات خصمه الأوّل نوري المالكي الذي أصرّت إيران، ممثّلة بالراحل قاسم سليماني، على فرضه رئيساً للوزراء في عام 2010 على حساب أياد علّاوي الذي حصل على أكبر كتلة نيابيّة في الانتخابات التي أُجريت في آذار من ذلك العام. كان ذلك بتفاهم أميركيّ – إيرانيّ في وقت كان الرئيس باراك أوباما يبحث عن تفادي أيّ استفزاز لإيران من أجل ضمان التوصّل إلى اتّفاق قي شأن ملفّها النوويّ. حصل ذلك بالفعل صيف عام 2015، قبل أشهر قليلة من مغادرة أوباما البيت الأبيض.

يبدو المسرح العراقي مختلفاً في 2025. لم تعُد إيران تتحكّم بالعراق بشكل كامل. لن تكون قادرة على فرض شخص تابع لها كلّيّاً في موقع رئيس الوزراء واستبعاد من تعتقد أنّ له مصلحة في إيجاد توازن بين النفوذين العربيّ والإيرانيّ في البلد. أكثر من ذلك، لم تعُد طهران قادرة على ضبط شيعة العراق ضبطاً كاملاً. يوجد توجّه لدى النخبة الشيعيّة في تأكيد أن لا مصلحة لدى العراق في صدام مع إيران، لكن لا مصلحة لديه أيضاً في أن يكون تابعاً لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة”، أي أن يُحكم من طهران.

في 2025، لم يعُد السوداني يتمتّع بالدعم الشيعيّ الذي كان يتمتّع به في 2022. على العكس من ذلك، بات خصمه الأوّل نوري المالكي الذي أصرّت إيران، ممثّلة بالراحل قاسم سليماني، على فرضه رئيساً

مؤشّرات الهزيمة

يظلّ السؤال الذي سيفرض نفسه، في ضوء الانتخابات العراقيّة، هل ينجح نوري المالكي في التخلّص سياسيّاً من محمّد شيّاع السوداني؟ بات هذا السؤال مطروحاً بعدما كشف المالكي أنّه على استعداد للذهاب بعيداً من أجل منع عودة رئيس الحكومة الحاليّ إلى موقعه. يشمل ذلك إيصال شخصيّة قد لا تكون موالية لإيران بنسبة مئة في المئة، بل شخصيّة ترتبط بعلاقات قويّة مع دول عربيّة معيّنة في الخليج.

ثمّة سؤال آخر يبدو ملحّاً. يتعلّق هذا السؤال بمدى قدرة إيران على التحكّم بالقوى السياسيّة العراقيّة. صحيح أنّ معظم ميليشيات “الحشد الشعبيّ” تابعة لـ”الحرس الثوريّ”، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ الرأي العامّ العراقيّ السنّيّ والشيعيّ لم يعُد مقتنعاً بما فرضته عليه إدارة جورج بوش الابن في عام 2003، تلك الإدارة التي أسقطت نظام صدّام حسين البعثيّ – العائليّ من أجل تسليم العراق على صحن فضّة إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة”.

إقرأ أيضاً: الانتخابات العراقية: احتدام شيعي وصراع سنيّ على الزعامة

منذ نيسان من عام 2003 تاريخ دخول القوّات الأميركيّة إلى العاصمة العراقيّة… وتاريخ عودة الميليشيات المذهبيّة العراقيّة، التي كانت تحارب العراق إلى جانب إيران، إلى بغداد على ظهر دبّابة أميركيّة، كان المشروع التوسّعيّ الإيرانيّ في صعود مستمرّ. أزاح كلّ رمز أو زعامة كانت تعترض طريقه في سوريا ولبنان والعراق نفسه. لم يتردّد في التخلّص من رفيق الحريري، رمز عودة لبنان إلى إيجاد مكان له على خريطة المنطقة، في 14 شباط 2005.

لم يبقَ لإيران في المنطقة كلّها غير العراق. يفترض في الانتخابات العراقيّة إعطاء فكرة عن حجم هزيمة المشروع التوسّعي الإيرانيّ من خلال هذا البلد المهمّ.

منه كانت عودة الحياة إلى هذا المشروع في 2003 ومنه سيظهر مدى تراجعه في 2025!

مواضيع ذات صلة

في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

تزداد القناعة بأنّ “الحزب” في لبنان بات “حزبين”، لكلّ منهما توجّهه حيال تحوّلات المنطقة، واستطراداً حيال خطّة الحكومة لحصر سلاحه بيد الدولة. يوازي ذلك الانطباع…

بعد إيران: تركيا وإسرائيل بين التّحدّي والتّوازن

لن يترك أيّ تحوّل جذريّ في موقع إيران، سواء أكان ضعفاً أو احتواءً، فراغاً محايداً في الشرق الأوسط، بل سيقود إلى إعادة توزيع الثقل الاستراتيجيّ…

إيران بين اللّاءات الإسرائيليّة ودبلوماسيّة واشنطن؟

في اللحظة التي أعلن فيها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو “لاءاته الثلاث” الحاسمة بشأن أيّ اتّفاق محتمل مع إيران، بدا المشهد وكأنّه يعود إلى نقطة…

انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة على وضع قانون انتخاب يُقدِّم…