حقيقة ينبغي أن يدركها “الحزب” وقيادته، في بيروت كما في طهران، أنّ “الحزب” خسر ثلاثة أثلاث كانت تشكّل ركائز نفوذه وهيمنته على الساحة السياسيّة في لبنان:
- الثلث المعطّل في مجلس النوّاب.
- الثلث المعطّل في الحكومة.
- والثلث المعطّل في القرار السّياسيّ العامّ.
للمرّة الأولى، تعزف ترويكا الحكم على إيقاع واحد، كفرقة موسيقيّة تقرأ نوتة موحّدة، لكلّ آلة فيها دورها ووقعها. تخلّى أركان السلطة عن العزف المنفرد، وقرّروا أداء “مقطوعة الدولة” بكلّ انسجام، في مواجهة الرسالة التي وجّهها “الحزب” إليهم عشيّة جلسة مجلس الوزراء الأخيرة.
اختار الرئيس جوزف عون التجاهل التامّ، رافضاً قراءة الرسالة أو مناقشتها، ومؤكّداً أنّ “التفاوض يكون مع الأعداء لا مع الخصوم”.
أمّا نبيه برّي فمارس التغافل عن سابق إصرار، متجاهلاً أنّ عنوان عين التينة كان مدرجاً بين المرسَل إليهم، فالتزم الصمت والمراقبة دون تعليق.
في المقابل، تمسّك نوّاف سلام بالدستور، مذكّراً بأنّ رئيس الحكومة هو الناطق باسمها، وقال بوضوح على شاشة “العربيّة”: “قرار الحرب والسلم استعادته هذه الحكومة بيدها، ولا كلام لأحد فيهما غيرها”.
بهذه المواقف، بدا وكأنّ الترويكا الحاكمة وجّهت رسالة معاكسة إلى “الحزب”: “زمن الثلث المعطّل ولّى، والدولة استعادت قرارها”.
للمرّة الأولى، تعزف ترويكا الحكم على إيقاع واحد، كفرقة موسيقيّة تقرأ نوتة موحّدة، لكلّ آلة فيها دورها ووقعها
قراءة مضلّلة في التّاريخ
على الرغم من أنّ “الحزب” يبني خطابه الأيديولوجيّ على وقائع تاريخيّة تُقدَّم ضمن سرديّة “المظلوميّة الكبرى”، تثبت التجارب أنّه قارئ سيّئ للتاريخ، أو أنّه ببساطة لا يحبّ قراءة التاريخ خارج مظلوميّته.
لم يقرأ “الحزب” التجربة المصريّة كما يجب. فبعد هزيمة 1967، أعاد جمال عبدالناصر بناء الجيش المصريّ وهيكلته، واضعاً خطّة لاستعادة الأراضي المحتلّة. وبعد وفاته عام 1970، استكمل أنور السادات تلك الخطّة، فكانت حرب أكتوبر 1973 علامة الانتصار والعبور. ستّ سنوات فقط احتاجت إليها مصر لتردّ على الهزيمة، بما تمتلكه من إمكانات بشريّة وعسكريّة ضخمة.
أمّا “الحزب”، الذي فقد معظم قياداته العسكريّة والأمنيّة، وأمينه العامّ وخليفته، والأهمّ العمق السوريّ الذي وصفه نصرالله يوماً بأنّه “ظهر المقاومة”، فكيف له أن يردّ على هزيمة كبرى في أقلّ من عام؟
أليس بين صفوفه من يجرؤ على رفع الصوت، داعياً إلى مراجعة شجاعة تمدّ اليد للّبنانيين بلغة الدولة لا الحرب، وبروح الشراكة لا الاستقواء؟
أخطر ما في رسالة “الحزب” إلى الرؤساء الثلاثة أنّها اختصرت الطائفة الشيعيّة في “الحزب” ذاته، حين قال: “بصفتنا نكوّن مؤسّساً للبنان الذي التزمناه وطناً نهائيّاً لجميع أبنائه، نؤكّد حقّنا المشروع في مقاومة الاحتلال والعدوان… ولا يندرج الدفاع المشروع تحت عنوان قرار السلم أو الحرب”.
بهذا المنطق، ربط “الحزب” مصير الشيعة بمصيره، وهزيمتهم بهزيمته، ووجودهم بوجوده.
لكنّ المعادلة لا تستقيم مع تاريخ الطائفة المؤسّسة، التي كانت جزءاً فاعلاً من قيام لبنان وستبقى كذلك، بـ”الحزب” أو بدونه. فلبنان وطنٌ نهائيٌّ لكلّ مكوّناته، لا يُختصر في حزب أو زعيم أو تيّار.
إقرأ أيضاً: رئيسٌ ووطنٌ بين تعهّدَين
بين البصر والصّبر
تبدو قيادة “الحزب” اليوم كما لو أنّها فقدت البصيرة التي تحدّث عنها الإمام عليّ بن أبي طالب في معركة صفّين، حين قال: “وقد فُتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة، ولا يحمل هذا العلَم إلّا أهل البصر والصبر”.
في هذا الربط بين البصر والصبر تكمن حكمة القيادة الرشيدة. فحين يفقد “الحزب” بصيرته، يفقد صبره، وتضيع بوصلته، كما جاء في قوله تعالى: }وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إنّ الله مع الصابرين{ (سورة الأنفال – 46).
لقد آن لـ”الحزب” أن يبصر قبل أن يفقد ما بقي من صبر اللبنانيّين عليه.
لمتابعة الكاتب على X:
