تتراكم المفارقات على طريق رسم المعادلات الجيوسياسيّة في المنطقة. تستبق واشنطن استقبالها أحمد الشرع الإثنين بالتحضير لاستخدام طائراتها لقاعدة جوّيّة جنوب دمشق. قبل ثلاثة أيّام اشترط المرشد الإيرانيّ علي خامنئي سحب أميركا قواعدها من المنطقة للتعاون معها. ترفع الأمم المتّحدة العقوبات عن الشرع ووزير داخليّته، وتفرض الخزانة الأميركيّة عقوبات جديدة على مموّلين لـ”الحزب”، وتقصف مواقع مزعومة له، وتتهيّأ لحملة جديدة ضدّ الحوثيّين وميليشيات ولائيّة في العراق…
بصرف النظر عن التدقيق في أسبقيّة هذا الحدث على ذاك، تعمّ مظاهر الصراع الإيرانيّ الأميركيّ الخريطة الإقليميّة فتمتدّ من المشرق العربي حتّى آسيا الوسطى.
يزيد إعلان انضمام كازاخستان إلى الاتّفاقات الإبراهيميّة من الطوق الأميركيّ على بلاد فارس وطموحات قادتها الإقليميّة. ولهذا الانضمام أبعاد أخرى ترسّخ النفوذ الأميركيّ في بلد حدوده مع الصين، التي يُخشى من نفوذها، طولها 1,460 كيلومتراً، علاوة على أنّ طول حدوده مع روسيا يناهز 7,598.6 كيلومتراً.
لنا أن نتصوّر كيف يمكن لضمّ هذا البلد الهائل الإمكانات والموارد إلى منظومة النفوذ الأميركيّ أن يُضعف موقع إيران الحليفة للصين وروسيا في تلك الخريطة، فإدارة ترامب توسّع وظيفة الاتّفاقات الإبراهيميّة مع إسرائيل، ليس فقط من أجل حماية الدولة الحليفة لها، بل من أجل تعزيز موقعها في الصراع مع بكين. جاء كلّ ذلك في خضمّ التسريبات عن أنّ مشروع ترامب لتشكيل قوّة دوليّة لحفظ استقرار غزّة، بقيادة أميركيّة، يشمل ضمّ قوّات من أذربيجان، الدولة الحدوديّة اللدودة مع إيران.
العراق… واشتراط خامنئي انسحاب أميركا
قد يساعد الذهاب بعيداً في تفسير بعض الخطوات الأميركيّة الإسرائيليّة على فهم مواقف “الحزب” وبعض ما يحصل في لبنان وفي المجال الحيويّ القريب:
1- لا بدّ من العودة أربعة أيّام إلى الوراء حين تحدّث خامنئي أثناء إحياء ذكرى اقتحام مقرّ السفارة الأميركيّة في طهران في 4 تشرين الثاني 1979 من قبل الطلاب آنذاك. تطرّق إلى الحديث الأميركيّ عن “التعاون” مع إيران، فقال: “إنْ تخلّت أميركا تماماً عن دعم الكيان الصهيونيّ، وسحبت قواعدها العسكريّة من هذه المنطقة، وكفّت عن التدخّل في شؤونها، عندئذ يمكن بحث الأمر”.
بصرف النظر عن التدقيق في أسبقيّة هذا الحدث على ذاك، تعمّ مظاهر الصراع الإيرانيّ الأميركيّ الخريطة الإقليميّة فتمتدّ من المشرق العربي حتّى آسيا الوسطى
2- قبل أيّام قليلة قال رئيس الحكومة العراقيّ الذي يمثّل جوهر النفوذ الإيرانيّ في بغداد، تعليقاً على تكرار واشنطن مطلب نزع سلاح الميليشيات الموالية لطهران، إنّ هذا أمر لا يتمّ قبل الانسحاب الأميركيّ من العراق. وهو أمر لن يحصل قبل نهاية 2026.
سوريا تحتمي من إسرائيل وإيران؟
بالمقابل، شكّل الإعلان في سوريا عن تفاهم سوريّ أميركيّ على استخدام الطائرات الحربيّة الأميركيّة لمدارج قاعدة عسكريّة سوريّة جنوب دمشق نقيضاً لوجهة الأمور في بلاد الرافدين. ومع أنّ واشنطن والخارجيّة السوريّة أصدرتا نفياً للأخبار عن إقامة قاعدة أميركيّة جديدة في سوريا، إضافةً إلى وجود القوّات الخاصّة الأميركيّة في مواقع عدّة في شمال شرق سوريا، فإنّ هذا لا ينفي توسّع الدور العسكريّ لواشنطن في بلاد الشام. ولهذا التطوّر أبعاد سوريّة وإسرائيليّة:
- يشكّل تطميناً لإسرائيل إلى أنّ توسّع القدرة الأميركيّة على الحركة نحو الجنوب السوريّ يتعامل مع مخاوفها من تحوّل النظام السوري مستقبلاً إلى ساحة لتهديد أمن حدودها الشماليّة. فهذه حجّتها لتوسيع توغّلها في الأراضي السوريّة، تضاف إليها الحجّة القائلة بإمكان عودة إيران إلى جنوب سوريا، مع التسريبات عن محاولاتها في هذا المجال وعن استخدامها الأراضي السوريّة لتهريب أسلحة إلى “الحزب” في لبنان.
- تلجأ القيادة السوريّة الجديدة إلى التعاون الأمنيّ والعسكريّ مع أميركا لتوفّر على نفسها التنازلات التي تطلبها منها تل أبيب في أيّ تفاهم أمنيّ يتردّد أنّ التوقيع عليه بات قريباً. فهذه القيادة لا تستطيع القبول بالشروط الإسرائيليّة بالتخلّي عن الجولان، وأن تسلّم بقيام الحزام الأمنيّ الذي رسمته إسرائيل على امتداد الحدود مع سوريا.
من جهتها، سعت الخارجيّة السوريّة إلى التخفيف من وقع موافقتها على هذا الوجود الأميركيّ. وقال المعلّقون الموالون للشرع إنّ إعطاء القوّات الأميركيّة حقّ استخدام ذلك المطار يهدف لتسهيل هبوط الطائرات لأسباب لوجستيّة في إطار محاربة “داعش”، وأخرى تتعلّق بتدفّق المساعدات الإنسانيّة. لكنّ سبباً آخر يبرّر القبول بهذا الوجود الأميركيّ هو الخشية السوريّة من استخدام إيران ما بقي لها من نفوذ في بعض المكوّنات السوريّة للتخريب على النظام الجديد.
بات أمام أركان الحكم الاختيار بين الإقبال على التفاوض لتفادي تصعيد وتوسيع إسرائيل ضرباتها، وبين الانصياع للغة الأوامر التي اعتمدها بيانه القريب من التخوين
الدّوافع الإيرانيّة تعلو على ضمانة برّي؟
في لبنان، حيث يملأ الفضاء السياسيّ حديث سحب سلاح “الحزب”، لا يفارق المواطن العاديّ السؤال عمّا إذا كانت الحرب ستقع أم لا، بفعل تعثّر سحب هذا السلاح شمال نهر الليطاني. يبدو بعضهم متيقّناً من أنّها ستقع من كثرة التهديدات الإسرائيليّة، فيسأل: لماذا تأخّرت؟ والبعض الآخر يراها حتميّة ويرسم سيناريوهات للمناطق المستهدَفة، فيستبعد قصف بيروت بحجّة أنّها بحماية أميركيّة. وهناك من يطرح السؤال ولا ينتظر الجواب، فيدلي به بنفسه، سواء كان يرجّح الحرب أو ينفيها.
لا يلبث مراقبون أن يستدركوا: ولماذا تجيز إدارة دونالد ترامب الحرب على “الحزب” ولبنان، إذا كان باستطاعتها خوضها بالتعاون مع إسرائيل ضدّ مصدر قرار “الحزب” إيران مباشرة، كما فعلت في 22 حزيران الماضي؟
إقرأ أيضاً: نتنياهو يتّكل على تشدّد “الحزب” لإفشال التّفاوض؟
يصعب فهم بيان “الحزب” الرافض للمفاوضات مع إسرائيل، برعاية أميركيّة، بعدما كان الرئيسان جوزف عون ونبيه برّي انتزعا موافقة قيادته على أن تكون غير مباشرة وفي إطار لجنة “الميكانيزم”. ولا تفسير لهذه العودة عن هذه الموافقة سوى “الأسباب القاهرة” جرّاء تعليمات إيرانيّة، حتّى لو سبّبت خذلان “الأخ الأكبر” رئيس البرلمان. فمواكبة “الحزب” لموقف إيران تعلو على ضمانة برّي وتشدّده الحاسم في استبعاد التفاوض المباشر. ويتضمّن البيان اتّهاماً مبطّناً للرؤساء الثلاثة بـ”التورّط والانزلاق إلى فِخاخ تفاوضيّة”.
بات أمام أركان الحكم الاختيار بين الإقبال على التفاوض لتفادي تصعيد وتوسيع إسرائيل ضرباتها، وبين الانصياع للغة الأوامر التي اعتمدها بيانه القريب من التخوين. ولهذا عواقب ستحمل لبنان على تنازلات أكبر لاحقاً.
لمتابعة الكاتب على X:
