على الرغم من الجولات العلنيّة للموفدين الدوليّين، تشهد الساحة اللبنانيّة وساطات، أو محاولة وساطات، غير معلنة. بعضها مع الدولة اللبنانية ممثّلة برئيسها جوزف عون، وبعضها مباشرة مع “الحزب”.
زبدة الجولة: لقاء ثنائي مع عون
تمثّلت آخِرة هذه الوساطات في زيارة مدير المخابرات المصريّة حسن رشاد للبنان، حيث خصّ رئيس الجمهوريّة بلقاء ثنائيّ قبل الاجتماع الموسّع بين الوفدين اللبنانيّ والمصريّ. هنا بيت القصيد. لذلك، تحدثت مصادر دبلوماسية مصرية عن أهمية هذا اللقاء الثنائي الذي يهدف إلى تقديم المساعدة من الجانب المصري للرئيس عون. وفيها مبادرة مصرية لمساعدة عون. ماذا جاء في تفاصيل اللقاء؟
هل تنجح مصر في خرق الوساطات الدوليّة المختلفة والمتعدّدة لتسهيل التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل؟ هل من مصلحة لبنان استنساخ اتّفاق غزّة في بيروت؟
في معلومات “أساس” أنّ القاهرة لم تقطع يوماً اتّصالاتها ولقاءاتها مع “الحزب”. لطالما حافظت عبر موفديها ليس فقط على التواصل مع “الحزب”، بل على التنسيق معه، وتحديداً بعد الحرب. تدعم القاهرة مقاربة الرئيس عون لمعالجة إشكاليّة السلاح تحت عنوان التوافق الداخليّ وعدم تفجير الساحة الداخليّة وتحويلها إلى صراعات أهليّة، وتتفهّم موقف “الحزب” وخصوصيّة النظام الطائفيّ اللبنانيّ و”هواجس الطائفة الشيعيّة”.
لذلك جاءت زيارة مدير المخابرات العامّة المصريّة للبنان في توقيت دقيق إقليميّاً وداخليّاً، وسط تحوّلات متسارعة في مشهد الترتيبات السياسيّة والأمنيّة في المنطقة، وبعد انعقاد قمّة شرم الشيخ التي جمعت أطرافاً عربيّة ودوليّة لبحث مسار التسوية الإقليميّ في ضوء المستجدّات الأمنيّة في غزّة والجبهات المحيطة.
على الرغم من أنّ لبنان لم يُدعَ إلى القمّة ولم يشارك رسميّاً في أعمالها، تشير مصادر متابعة للزيارة إلى أنّ الظروف باتت ناضجة لعودة لبنان إلى طاولة الترتيبات الإقليميّة، وأنّ القاهرة تنظر إلى بيروت بوصفها حلقة لا يمكن تجاوزها في أيّ تسوية شاملة، سواء من زاوية موقعها الجغرافيّ أو من زاوية التوازنات الداخليّة التي تعكس خريطة المنطقة.
على الرغم من النوايا الإيجابيّة التي أتت بمدير المخابرات المصريّة إلى لبنان، تتّفق كلّ الخلاصات على أنّ لبنان لا يمكن أن يكون غزّة
قدّم نفسه مدير المخابرات المصريّة في لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيّين من منطلق أنّ تجربته في مفاوضات التحضير لاتّفاق غزّة جعلته صديقاً لستيف ويتكوف ولجاريد كوشنير، وهو ما يمكن أن يوظّفه لمصلحة الدخول في وساطة للتفاوض بين لبنان وإسرائيل.
بحسب أجواء الزيارة، لا يهمّ الشكل التفاوضيّ الذي قد يُعتمد لاحقاً، سواء عبر مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، إذ إنّ العبرة تكمن في دخول لبنان في صلب ترتيبات المنطقة وعدم بقائه في حالة الانتظار أو التجميد السياسي، خصوصاً مع تزايد الضغوط الاقتصاديّة والأمنيّة.
للخروج من المراوحة
قالت مصادر مطّلعة على الزيارة لـ”أساس” إنّ مصر متفهّمة خصوصيّة الموقف اللبنانيّ وتعقيدات المشهد الطائفيّ والسياسيّ فيه، بما في ذلك الدور الشيعيّ في المعادلة الوطنيّة والإقليميّة، لكنّها ترى أنّ الوقت حان لخروج لبنان من حالة المراوحة ووضع مطالبه الوطنيّة على طاولة عربيّة – دوليّة مشتركة، بعيداً عن ربطها بالمفاوضات الإيرانيّة – الأميركيّة أو انتظار نتائجها.
في المقابل، يعتمد موقف مصر من السلاح خلفيّةً مختلفة عن المقاربة الدوليّة لأنّ مصر تتحدّث عن وجود فارق جوهريّ بين مسألة نزع السلاح وبين تحديد دوره ونوعه، معتبرةً أنّ سلاح المقاومة في المبدأ هو سلاح دفاعيّ لا هجوميّ، ويأتي ضمن الأعراف الإقليميّة التي تميّز بين المقاومة المشروعة والعمل الهجوميّ، خصوصاً في ظلّ تراجع المحور الإيرانيّ وانحسار خطاب الممانعة.
بالتوازي، تتحدّث المصادر الدبلوماسيّة المصريّة عن أنّ الجانب المصريّ يرى أنّ إيران ليست بالضرورة مستبعَدة من مشهد التسويات المقبلة، بل يمكنها أن تلعب أدواراً إيجابيّة إذا أرادت أو استجابت للمنطق الجديد الذي يقوم على تبريد النزاعات وتبادل الضمانات الإقليميّة. ذلك لأنّ البديل عن الحراك السياسيّ الجاري ليس بالضرورة حرباً واسعة، بل قد يكون تسخيناً أمنيّاً متدرّجاً على بعض الجبهات، بهدف الضغط المتبادل وإعادة رسم خطوط التوازن قبل تثبيت صيغة الترتيبات النهائيّة في الإقليم.
تمثّلت آخِرة هذه الوساطات في زيارة مدير المخابرات المصريّة حسن رشاد للبنان، حيث خصّ رئيس الجمهوريّة بلقاء ثنائيّ
هل يمكن استنساخ اتّفاق غزّة في لبنان؟
على الرغم من النوايا الإيجابيّة التي أتت بمدير المخابرات المصريّة إلى لبنان، تتّفق كلّ الخلاصات على أنّ لبنان لا يمكن أن يكون غزّة، ولا مصلحة في إطالة مدى الحرب لأنّ نتائجها ستكون كارثيّة على البلد. في كلّ الحروب تحصل المفاوضات تحت النار، وهو ما حصل في حرب لبنان السابقة، ومرجّح حصوله في المرحلة المقبلة. لكنّ على المفاوض التوصّل إلى اتّفاق كما فعل آموس هوكستين. فهل تستطيع مصر وحدها إنجاز المهمّة؟
إقرأ أيضاً: طرح مصريّ أم عودة لخارطة أورتاغوس؟
لا يُرجَّح ذلك حتماً لأنّ واشنطن وتل أبيب والرياض لهم الكلمة الفصل في مشهد اليوم التالي في لبنان.
لمتابعة الكاتب على X: