دبلوماسيّة ترامب السّودانيّة: تهدئة صعبة وميدان مشتعل

مدة القراءة 5 د

بعد نجاحه النسبيّ في وضع الأزمة في قطاع غزّة على سكّة التهدئة، يسعى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى إدراج الحرب السودانيّة ضمن أولويّاته الجديدة لإخماد النزاعات في العالم، بعد تعثّر مساعيه في الملفّ الروسيّ – الأوكرانيّ.

 

في أوّل خطوة مباشرة تجاه الأزمة السودانيّة، استضافت واشنطن في حزيران الماضي اجتماعاً ضمّ نائب وزير الخارجيّة كريستوفر لاندو وسفراء السعوديّة ومصر والإمارات، ضمن ما يُعرف بـ”المجموعة الرباعيّة”. وكان من المفترض عقد لقاء آخر على مستوى وزراء الخارجيّة في نهاية تمّوز لصوغ مقترحٍ متكاملٍ للسلام، لكنّ تضارب المواقف داخل المجموعة أدّى إلى تأجيله ثمّ إلغائه.

خارطة طريق أوّليّة

غير أنّ التحرّك الأميركيّ لم يتوقّف. ففي تطوّر غير متوقّع، التقى المبعوث الرئاسيّ الأميركيّ لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، مسعد بولس، رئيس مجلس السيادة الانتقاليّ عبدالفتّاح البرهان، في منتجعٍ قرب زيورخ السويسريّة مطلع آب الماضي. وكشفت تقارير لاحقة عن لقاءٍ مماثلٍ جمع بولس بخصمه، قائد “قوّات الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي”، في موقعٍ سويسريّ آخر. وقد أحاطت اللقاءين سرّيّةٌ تامّة، ولم يُكشف عن نتائجهما رسميّاً.

في الوقت ذاته، تردّدت أنباءٌ عن مفاوضاتٍ غير مباشرةٍ بين وفدين من الجيش و”الدعم السريع” في واشنطن برعاية وزارة الخارجيّة الأميركيّة، تتناول مقترحاً لوقف النار وهدنةٍ إنسانيّة. وعلى الرغم من نفي مجلس السيادة وجود أيّ اتّصالاتٍ مباشرةٍ مع “الدعم السريع”، أكّدت مصادر دبلوماسيّة عقد اجتماعاتٍ تمهيديّة مع مسؤولين أميركيّين، على أن يُستكمل الحوار في لقاءٍ جديدٍ لـ”الرباعيّة الدوليّة” أواخر تشرين الأوّل الجاري.

يسعى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى إدراج الحرب السودانيّة ضمن أولويّاته الجديدة لإخماد النزاعات في العالم

طرحت المجموعة الرباعيّة الشهر الماضي خريطة طريقٍ أوليّة تتضمّن وقفاً إنسانيّاً للنار لمدّة ثلاثة أشهر، يتبعه وقفٌ دائمٌ لإطلاق النار وبدء عمليّةٍ سياسيّة تقود إلى تشكيل حكومةٍ مدنيّة مستقلّة خلال تسعة أشهر. وأكّد مجلس الأمن الدوليّ ضرورة تجنّب أيّ تدخّلٍ خارجيٍّ يُفاقم الأزمة، فيما أعلن مجلس السلم والأمن الإفريقيّ التمسّك بخريطة الطريق الإفريقيّة التي تدعو إلى عودة النظام الدستوريّ الديمقراطيّ عبر عمليّةٍ سياسيّةٍ شاملة يقودها السودانيّون أنفسهم.

ترامب يتوسّط والبرهان يتوجّس

لكنّ المسار التفاوضيّ يواجه عقباتٍ محلّية وإقليميّة عميقة. فالإرادة لإنهاء الحرب تبدو غائبة، والمفاوضات تُستخدم أحياناً للمناورة وكسب الوقت. وتُعرقل الانقسامات داخل المؤسّسة العسكريّة وبعض القوى السياسيّة اتّخاذ القرار. أمّا المسألة الأكثر تعقيداً فتتعلّق بمستقبل “قوّات الدعم السريع” كقوّةٍ عسكريّةٍ وسياسيّة، بعدما أفرزت الحرب واقعاً أمنيّاً تصعب السيطرة عليه.

الحرب

على الرغم من امتلاك واشنطن أوراق ضغطٍ مؤثّرة على طرفَي الصراع وعلى الأطراف الخارجيّة المتورّطة فيه، لا تزال رؤيتها للحلّ بعيدةً عن خطّة مجلس السيادة التي أعلنها البرهان مطلع العام الجاري. وتتجلّى نقاط الخلاف بين الجانبين في أربع قضايا أساسيّة:

1- الموقف من أطراف الصراع: تعتبر واشنطن الجيش و”الدعم السريع” طرفَين متساويَين في المسؤوليّة عن الحرب، فيما يرفض البرهان هذه المساواة ويتّهم قوّات “حميدتي” حصراً بارتكاب جرائم حرب في دارفور والجزيرة وسنار وكردفان.

2- التمثيل السياسيّ: تُصرّ الخطّة الأميركيّة على إشراك حميدتي ورئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك في أيّ تسويةٍ مقبلة، بينما يرفض الجيش أيّ دورٍ لهما في الحياة السياسيّة.

3- شروط وقف النار: تُطالب واشنطن بوقفٍ غير مشروطٍ لإطلاق النار مع بقاء القوّات في مواقعها، في حين يُصرّ الجيش على نزع سلاح “الدعم السريع” وإخلاء المناطق التي يسيطر عليها.

المسار التفاوضيّ يواجه عقباتٍ محلّية وإقليميّة عميقة فالإرادة لإنهاء الحرب تبدو غائبة، والمفاوضات تُستخدم أحياناً للمناورة

4- التدخّلات الخارجيّة: تتّهم حكومة البرهان واشنطن بالتساهل مع القوى الإقليميّة التي تدعم “الدعم السريع”، وتُطالبها بموقفٍ أكثر حزماً تجاه هذه الأطراف.

معركة الفاشر: العقدة والحلّ

في ظلّ استمرار المعارك في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، تزداد الأزمة الإنسانيّة تفاقماً مع حصارٍ خانقٍ يفرضه “الدعم السريع” على أكثر من مليون ونصف مليون مدنيّ. ومن شأن سيطرة “قوّات الدعم السريع” على المدينة إكمال سيطرتها على كامل دارفور، بوصفها آخر معاقل الجيش في الإقليم، بعد سيطرتها المبكّرة على ولايات غرب دارفور (عاصمتها زالنجي)، ووسط دارفور (الجنينة)، وجنوب دارفور (نيالا)، وشرق دارفور (الضعين).

إنّ مساحة إقليم دارفور التي تُعادل مساحة فرنسا، وغنى أرضه بالثروات المعدنيّة والنادرة، ومجاورته كلّاً من ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وعدم بُعده عن مصر والولاية الشماليّة وولاية نهر النيل، تجعل من يتحكّم بالفاشر والإقليم الكبير يمتلك ورقةً رابحةً يصعب التفريط فيها. تفتح سيطرة حميدتي على الإقليم أمامه طريق التحرّك شرقاً نحو كردفان والخرطوم، وربّما تمهّد لإعلان انفصال دارفور ككيانٍ مستقلٍّ، على غرار طلاق جوبا مع الخرطوم.

في المقابل، يرى الجيش أنّ فكّ الحصار عن الفاشر هو مفتاح قلب الموازين عسكريّاً، واستعادة السيطرة على دارفور قطعةً بعد قطعة. ولذا لا تُختزل معركة الفاشر في بعدها العسكريّ فقط، بل تمثّل معركةً رمزيّةً على مستقبل السودان نفسه.

إقرأ أيضاً: الاشتباك الباكستانيّ – الأفغانيّ: ابحث عن الهند!

مع غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين وتضارب المصالح الإقليميّة، تبدو فرص التوصّل إلى تسويةٍ سلميّةٍ في المدى القريب شبه مستحيلة. وبينما تحاول واشنطن إنقاذ مسارٍ تفاوضيٍّ هشّ، يبدو أنّ الميدان، لا طاولة المفاوضات، هو الذي سيحسم الوجهة المقبلة للأزمة السودانيّة إمّا نحو التهدئة وإمّا نحو تقسيمٍ جديدٍ لوطنٍ أنهكته الحروب.

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…