الأصعب منذ 30 عاماً: إسرائيل تحاصر “السلطة” مالياً..

مدة القراءة 6 د

تُضيّق إسرائيل الخناق على السلطة الفلسطينية، مضاعِفةً أزماتها المؤدّية للانهيار، وتتصدّر أزمتها الماليّة، جرّاء استمرار إسرائيل باحتجاز أموال ضرائب “المقاصّة” الفلسطينية، المشهد السياسي والاقتصادي.

 

يزداد عجز السلطة يوماً بعد آخر عن الإيفاء بالتزاماتها الماليّة، وتحديداً تجاه موظّفي القطاع العامّ والخدمات الرسميّة، إذ اضطرّت الحكومة بداية أيلول إلى تأجيل بدء الفصل الدراسي الجديد وتقليص دوام الموظّفين، وتدنّي الخدمات الصحّية، فتزايد الإحباط والفقر لدى عشرات آلاف الموظّفين العموميّين، بسبب الخشية من إمكان انهيار السلطة.

تحذير “الشاباك”

أطلق جهاز الأمن العامّ الإسرائيلي “الشاباك”، الذي يراقب ما يجري في الضفّة الغربية، في الرابع من أيلول تحذيراً للحكومة الإسرائيلية من أنّ السلطة الفلسطينية “بدأت تُظهر مؤشّرات إلى الانهيار” نتيجة الأزمة الاقتصاديّة التي تمرّ بها، وأنّه ستكون لذلك انعكاسات على الاستقرار الأمنيّ.

قال “الشاباك” إنّ “الوضع الاقتصادي المتدهور للسلطة وارتفاع نسب البطالة وعدم تلقّي عناصر أجهزتها الأمنيّة رواتبهم عوامل قد تؤدّي إلى مزيد من التصعيد” في الضفّة الغربية، وإنّه رصد أخيراً “إشارات إلى هشاشة الوضع الداخلي”، محذّراً من انعكاسات ذلك على الاستقرار الأمنيّ.

تتقاطع تقديرات “الشاباك” مع التقارير الأميركية بشأن وضع السلطة، فقد حذّر السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي قبل أيّام من أنّ الضفّة الغربية تقف على حافة انهيار اقتصاديّ قد يؤدّي إلى تصعيد خطير في المنطقة، وأنّ استمرار الأزمة الماليّة ينذر بعواقب أمنيّة واسعة، مضيفاً في مقابلة مع موقع “أكسيوس” أنّه “إذا انهار الاقتصاد الفلسطيني بشكل كامل، فلن يكون ذلك مكسباً لأيّ طرف. وسيؤدّي الأمر إلى تصعيد ومزيد من اليأس… الناس اليائسون يفعلون أشياء يائسة”.

أكّد الخبير الاقتصادي مؤيّد عفانة لـ”أساس ميديا” أنّ الأزمة الماليّة هي الأشدّ منذ تأسيس السلطة قبل 30 عاماً، وقد تؤدّي إلى انهيار بنيويّ

لا تُبدي حكومة نتنياهو اكتراثاً، بل يدفع وزراؤها لتحقيق ذلك، وقد وجدوا في ملفّ فرض السيادة على الضفّة الغربية وضمّها إلى إسرائيل ضالّتهم للتنافس فيما بينهم. فقد عرض وزير المالية بتسلئيل سموتريتش خلال مؤتمر صحافي مع قادة مجالس المستوطنات خطّة تضمّنت الاستيلاء على 82% من الضفّة الغربية وتهجير سكّانها إلى مراكز المدن.  أمّا الوزير الذي يحظى بمكانة ونفوذ في الحكومة حاييم كاتس فقد طالب في 4 أيلول بنيامين نتنياهو بفرض سيادة إسرائيلية على 100% من الضفّة الغربية، بينما دعا وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير في 4 أيلول إلى ضرورة “تفكيك السلطة الفلسطينية حتّى لو كان الثمن عدم التطبيع مع السعوديّة”.

مزيد من القرارات العقابيّة

من المتوقّع أن تتّخذ إسرائيل خلال الأيّام المقبلة جملة قرارات وإجراءات عقابيّة ضدّ السلطة على خلفيّة قرار بعض الدول الاعتراف بدولة فلسطين، وقد ناقش نتنياهو في اجتماع أمنيّ مصغّر عقده مساء 4 أيلول بحضور بعض الوزراء وقادة المؤسّسة الأمنيّة “احتمالات التصعيد الأمنيّ في الضفّة الغربية على خلفيّة الاعترافات بالدولة الفلسطينية في اجتماع الهيئة العامّة للأمم المتّحدة”.

ذكرت القناة 13 الإسرائيلية أنّ “الخيارات المطروحة أمام الحكومة هي فرض سيادة جزئيّة على الضفّة الغربية، وعقوبات إضافية على السلطة الفلسطينية، واستمرار الوقف الكامل لتحويل أموال الضرائب للسلطة الفلسطينية، لكن ليس بالحجم الذي سيؤدّي لسقوط السلطة، فهذا ما لا تريده الإدارة الأميركية”.

السلطة

فلسطينيّاً، تبدو الأزمة الماليّة للسلطة واضحة على كلّذ القطاعات التي أكثر ما تكون مشلولة، وسط حالة ترقّب وخشية ممّا هو قادم، خاصّة مع عدم وضوح رؤية سياسية لكيفيّة مواجهة المخطّطات الإسرائيلية المتعلّقة بالضمّ وفرض السيادة على الضفّة.

يزداد عجز السلطة يوماً بعد آخر عن الإيفاء بالتزاماتها الماليّة، وتحديداً تجاه موظّفي القطاع العامّ والخدمات الرسميّة

تهديد بإقفال البنوك الفلسطينيّة

في الأوّل من أيلول، أثار مقطع صوتيّ مسجّل جرى تداوله على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي حالة قلق في أوساط الفلسطينيّين، يتحدّث فيه شخص يرجَّح أنّه موظّف ذو رتبة عالية عن إبلاغه من قبل أحد الوزراء بانهيار وشيك للسلطة الوطنيّة، واتّخاذ إسرائيل قراراً حاسماً بحلّها خلال الأيّام القليلة المقبلة، وأنّ سموتريتش قد أبلغ الحكومة الفلسطينية قطع العلاقات الاقتصادية معها، وتهديده البنوك الفلسطينية بالإغلاق في حال أقدمت على تقديم قروض ماليّة للسلطة، وهو ما نفته الحكومة الفلسطينية لاحقاً واعتقلت أصحاب التسجيل.

أكّد عضو اللجنة التنفيذية لمنظّمة التحرير د. أحمد مجدلاني، المقرّب من الرئيس محمود عبّاس، لــ”أساس ميديا” أنّ تداعيات الأزمة الماليّة للسلطة خطيرة على كلّ المستويات، والهدف الرئيس للحصار الماليّ والاقتصادي الذي تمارسه إسرائيل، ومعه ضغط الولايات المتّحدة، هو تقويض السلطة الفلسطينية، وشلّ الحكومة ومنعها من القيام بمسؤوليّاتها، موضحاً أنّ تداعيات الأزمة ستكون كبيرة، خاصّة مع تراكم الديون وتراجع الإمكانات، وعدم القدرة على توفير النفقات والمصاريف لقطاع الصحّة والأمن والتعليم، الأمر الذي ستكون له تأثيرات كبيرة.

تعيش السلطة الفلسطينية حاليّاً مرحلة محاولة البقاء على قيد الحياة، وفق مجدلاني الذي قال، “كم نستطيع التحمّل؟ هذا ما نحاول قدر الإمكان أن نفعله بتوفير ما نستطيع لاستمرار الخدمات الأساسيّة للمواطنين”، معرباً عن اعتقاده أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل لا تريدان كياناً فلسطينيّاً سياسيّاً، وإنّما حكم ذاتيّ إجباري يرعى شؤون الإدارة الذاتيّة لبعض المناطق من دون أن تكون له هويّة سياسية.

أكّد الخبير الاقتصادي مؤيّد عفانة لـ”أساس ميديا” أنّ الأزمة الماليّة هي الأشدّ منذ تأسيس السلطة قبل 30 عاماً، وقد تؤدّي إلى انهيار بنيويّ، على طريقة “تأثير الدومينوز”، فتحدث انهيارات منتظمة ومتلاحقة.

تُضيّق إسرائيل الخناق على السلطة الفلسطينية، مضاعِفةً أزماتها المؤدّية للانهيار، وتتصدّر أزمتها الماليّة

أوضح عفانة أنّ “السلطة اضطرّت إلى تأجيل المدارس لأسبوع، والتعليم سينتظم بشكل محدود وليس بشكل كامل، ويعمل قطاع الصحّة يومين فقط في الأسبوع، وهذا يُعدّ انهياراً بنيويّاً، سيتفاقم ويتدحرج إذا لم تتمّ معالجة الأزمة”.

أضاف أنّ “المقاصّة التي تجبيها إسرائيل تشكّل 68% من إيرادات السلطة، وبالتالي هي مصدر مهمّ للحياة، ومنذ تأسيس السلطة لم تحتجزها إسرائيل بشكل كامل، حتّى في السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل، لكنّ سموتريتش قرّر في شهر أيّار وقف تحويل كلّ أموال المقاصّة للسلطة”.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تطلق الرّصاصة الأخيرة على الدّولة الفلسطينيّة

لفت عفانة إلى أنّ الإيرادات المحلّية للسلطة تراجعت كثيراً، وكذلك الدعم الخارجي الذي بلغ معدّلاً هو الأسوأ في تاريخ السلطة، وتمثّل بـ30 مليون دولار من السعوديّة فقط، ودفعة 152 مليون يورو من الأوروبيّين، بينما بلغ الدعم الخارجي للسلطة عام 2008 نحو 1.9 مليار دولار. وأشار إلى أنّ إجمالي الديون والالتزامات على السلطة بلغت قرابة 45 مليار شيكل (13.2 مليار دولار).

مواضيع ذات صلة

إسرائيل تستنجد بواشنطن: أوقفوا “الحملة السّعوديّة”

فقدت إسرائيل الأمل في الحصول على تطبيع لعلاقاتها الدبلوماسيّة مع السعوديّة. وصل اليأس إلى درجة سقوط الرماديّة في لهجة ساسة إسرائيل وإعلامها، والتحوّل من الغمز…

حروب الادامةالاستراتيجية:كيف تدار الصراعات حين لايكون الحسم هدفاً؟

من سؤال: من يُضرَب؟ إلى سؤال: من يتحمّل كلفة الزمن… ولماذا؟ حين لا تعود الحرب حدثاً بل نظام تشغيل: تُخطئ التحليلات التقليديّة حين تُقارب الصراعات…

يا حامل المطرقة: لا تسمح للشيعة بالانتحار

العقل هو الفيصل يا دولة الرئيس. لا العواطف ولا العصبيات ولا الردح فوق المنابر وفوق الشرفات. العقل هو الميزان يا دولة الرئيس. لا الصراخ ولا…

من باب المندب إلى دارفور: السّعوديّة ومصر تكسران الأطواق

لم تُعلن مصر رسميّاً مشاركتها في الاتّفاقيّة الأمنيّة السعوديّة–الباكستانيّة التي أُبرمت العام الماضي، غير أنّها باتت في الواقع شريكاً أساسيّاً في هذا التحالف، الذي يضمّ…