بارّاك “التّبشيريّ”: إسرائيل أسقطت “سايكس- بيكو”

مدة القراءة 6 د

في الزيارة الأخيرة لمبعوث الرئيس الأميركي توم بارّاك برفقة نائبته مورغان أورتاغوس ووفد أميركي من كونغرس واشنطن للبنان سال حبرٌ كثير بشأن ما قيل إنّه خيبات لبنانيّة من آمال كان يعوَّل على بارّاك تحقيقها. وفيما أفرج والوفد المرافق عن شروط على لبنان تنفيذها قبل أيّ التزامات إسرائيليّة، تركّز جدل إعلاميّي لبنان على ما اعتبروه إساءة إليهم في واقعة مشهد “تربية وتأديب” ارتكبه بارّاك بحقّ صحافيّي القصر الجمهوري. بدا أنّ المشكلة صارت ذلك المشهد بالذات أكثر ممّا قاله بعد ذلك.

 

اعتذر الرجل بعد أيّام. قال: “لم أكن أقصد ذلك”، وإن أقرّ بأنّ الأمر لم يكن مناسباً. أسرّ خلال 92 دقيقة في “بودكاست” مع الإعلاميّ الشابّ الشهير ماريو نوفل، بما يفهمه من منطقتنا وما يراه جيّداً للتعامل مع أزماتها. ويُسجّل للرجل الفخور بتحدّره من أصول لبنانيّة زحلاويّة أنّه على الرغم من تربيته الأميركية وانتمائه الكامل للولايات المتّحدة، يقدّم نفسه واحداً من أهل المنطقة فخوراً بما غرفه من معرفة بها خلال عمله في السعوديّة.

ليس الرجل دبلوماسيّاً بالمعنى النمطيّ المعهود، ولا يعتمد اللغة الباردة التي يجيدها السفراء. فهو يصوغ القول ممزوجاً بتوق إنسانيّ حقيقي إلى إنجاز أهداف يؤمن بها ويحبّ أن يراها مُحقّقة في المنطقة عامّة، وفي سوريا ولبنان خاصّة. وسواء صدّقت الرجل أو اعتبرته واجهة أميركية لا تختلف عن غيرها، فإنّه حريّ بالإصغاء جيّداً للمعادلات التي يجيد نظمها.

ورشة السّلام والازدهار

تتأسّس مهمّة بارّاك على صداقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وربّما تلك الصداقة كانت وراء متاعبه مع القضاء قبل أن تبرّئه المحاكم. يقول إنّ الرئيس سأله: “لمَ لا تأتي معي”. بدا أنّ بارّاك، رجل الأعمال الثريّ، زاهد بالمناصب، لكنّه متطوّع في ورشة يريدها ترامب من أجل “السلام والازدهار” في المنطقة. قد لا يبدو سلام ترامب منسجماً، على ما نراه من موقفه من فلسطين، مع مفهومنا للسلام، لكنّ بارّاك مؤمن بصديقه وجاء مسوِّقاً لرؤاه، على الأقلّ في سوريا ولبنان.

يتحدّث بارّاك بمودّة عن الرئيس السوري. يتفهّم برحابة مسيرة الرجل وعبوره 14 عاماً للوصول إلى السلطة في دمشق ويُظهر انحيازاً له

يتحدّث مع ماريو نوفل، من جديد، عن “سايكس- بيكو”. تراه يبالغ في تذكيرنا بخرائط وزيرَيْ فرنسا وبريطانيا لعام 1916، والتبشير بترياق ترامبيّ لطالما صاحَبه جدلٌ وسجال. وقد لا يكون في عرض خصال سياسة واشنطن بعدٌ عن واقع سوريا ولبنان. يشرّح بارّاك الحالة السوريّة في بُعدها الديمغرافيّ وفي واقع التعدّد المعقّد الذي يتّسم به المجتمع السوريّ. يتعامل مع واقع يفسّر ولا يبرّر المواجهات التي شهدتها منطقة الساحل ومحافظة السويداء. لكنّه لا يتشكّك لحظة في صحّة الخيارات التي اتّخذها رئيسه بـ”إعطاء فرصة لهذا الشابّ” ودعم التحوّل المفاجئ في سوريا. يقول بارّاك: “نعم أثق بالشرع وأصدّقه”.

واشنطن لم تفعلها

اكتنف غموضٌ سقوطَ نظام بشّار الأسد. منذ أيّام قالت باربرا ليف، أوّل دبلوماسية أميركية التقت الرئيس السوري أحمد الشرع بعد السقوط: “لسنا مَن فعلها”. وفي مقابلة بارّاك مع الزميل طاهر بركة على قناة “العربية” في حزيران الماضي، أكّد: “لسنا وراء الأمر”، مثنياً على الشرع، ذلك أنّ “تركيزه ومعرفته بالتاريخ يمكّنانه من الانتقال من مقاتل إلى رئيس دولة”. 

بارّاك

يتحدّث بارّاك بمودّة عن الرئيس السوري. يتفهّم برحابة مسيرة الرجل وعبوره 14 عاماً للوصول إلى السلطة في دمشق ويُظهر انحيازاً له. حتّى إنّ أكراد “قسد”، حلفاء الولايات المتّحدة في شمال شرق سوريا، صعقتهم تصريحات له بدت حاسمة في رفض فدراليّتهم واللامركزية الاستقلاليّة التي يطمعون بها. كان بارّاك يعلن لكلّ المعوّلين على انقلاب أميركيّ معادٍ للسلطة الجديدة أنّ “كلّ الطرق تصل إلى دمشق”.

أعاد بارّاك التطرّق إلى ما كان قاله في إطلالته الأخيرة في قصر بعبدا. بدا أنّه يحمل تحوّلاً لم يظهر قبل ذلك. ففيما خرج قبل أيّام مايك بومبيو، وزير خارجيّة ترامب في ولايته الأولى، ينصح ترامب بانتهاج “حلول عسكريّة” للتخلّص من “الحزب” في لبنان، ولوّح السناتور الجمهوري ليندسي غراهام في إسرائيل بعد زيارة لبنان بالخطّة “ب” لتحقيق الهدف نفسه، أسهب بارّاك في ذلك “البودكاست” بعرض اقتراحات لدمج “الحزب” في المؤسّسات اللبنانية الرسميّة.

تتأسّس مهمّة بارّاك على صداقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وربّما تلك الصداقة كانت وراء متاعبه مع القضاء

يذهب أكثر من ذلك ويحذّر من أنّ مقاربة “نزع السلاح بالقوّة” لن تنجح، ويصفها بالمستحيلة في ظلّ انتشار السلاح والتداخل بين الطوائف. وكما قال من على أبواب بعبدا يحتاج الأمر إلى حوافز اقتصادية واجتماعية تجعل المجتمع الشيعي نفسه يختار الانتقال التدريجي إلى مظلّة الدولة. يلتقي هذا الطرح الذي يتناقض تماماً مع اقتراحات بومبيو، مع مَن يدعو إلى معالجة الجانب الاقتصادي الماليّ الذي تحاصِر به إيران وحزبها في لبنان شيعة لبنان منذ منتصف الثمانينيّات.

غير أنّ الرجل ينتهي إلى التسليم بضرورات تمكين الجيش اللبناني وتنفيذ إصلاحات بنيويّة في الاقتصاد والقضاء، على أن يكون مدعوماً، وهنا بيت القصيد، من دول أساسيّة مثل الولايات المتّحدة وأوروبا ودول الخليج وتركيا ومصر.

كما حال منابر واشنطن، يظهر التلعثم وعدم الوضوح عند بارّاك في موقفه من إسرائيل. يعترف أنّ إسرائيل تغيّرت بعد “7 أكتوبر” بما يبرّر ما تفعله “للدفاع عن الوجود على جبهات متعدّدة”. يجنح إلى استنتاج خطير. يعتقد أنّه بعد “7 أكتوبر”، بات لا معنى لخطوط سايكس-بيكو لإسرائيل: “سيذهبون إلى حيث يريدون، متى يريدون، ويفعلون ما يريدون لحماية الإسرائيليّين وحدودهم”.

مهمّة تبشيريّة؟

لا يتحدّث عن “الخيبة” التي عاد بها من زيارته الأخيرة لإسرائيل وعدم استجابتها لِما طالبها به من بيروت من خطوات مقابل خطوات لبنان. يتجاوز هذا الفصل ليقنعنا مجدّداً أنّ هاجس “إسرائيل الكبرى” غير واقعيّ، وأن لا صحّة لطموحات إسرائيل الجغرافيّة، معتبراً أنّ الخوف المفرط منها يعيق التقدّم. يعيد ويكرّر أنّ إسرائيل “لا تنوي الاستيلاء على سوريا أو لبنان”، من دون أيّ تفسير أو حتّى خطّة طريق لوجودها المستجدّ في جنوبيّ لبنان وسوريا، مُقِرّاً بالحرف: “لا أحد في المنطقة يثق بإسرائيل”.

إقرأ أيضاً: “سايكس – بيكو” على محكّ “الشّرق الأوسط الجديد”

تخال أنّ بارّاك حالم بعالم أفضل يبشّر به من خلفيّات حكمة وتأمّل. لكنّ الرجل الذي التقى ساسة لبنان وسوريا وإسرائيل وسمع ما يمكن فهمه من سياسات البيت الأبيض ووزارة الخارجية في بلاده، عاشق لمهمّته التي يكاد يخالها تبشيريّة، فيروح يسير دون هوى بين الممكن والمستحيل لتسويق رواية يغيّر كلّ يوم نهايتها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

إيران… قبل خامنئي وبعده

كان مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي حدثاً يفوق الهزّة التي أحدثها مقتل حسن نصرالله. من هو خامنئي؟ لماذا أقدموا على قتله وتتبّع كلّ القيادة الإيرانيّة…

عقيدة نتنياهو– ترامب لحسم الصّراع: الرّأس أوّلاً

في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة، يتقدّم إلى الواجهة سؤال لم يعد نظريّاً: ماذا يعني أن تتحوّل فكرة استهداف القيادة العليا في إيران إلى خيار مطروح…

دولة الملالي: التّخصيب في الحقد على العرب

من المؤكّد أنّ نظام الملالي في طهران بذل جهده الأكبر في تخصيب الحقد والكراهية تجاه العرب بكلّ كياناتهم السياسيّة والجغرافيّة، وحواضرهم الضاربة في عمق التاريخ…

لبنان ضحيّة الصّراع على وراثة خامنئي؟

في لبنان كما في إيران مَن يستبق المحاولة الأميركيّة – الإسرائيليّة لتغيير النظام في طهران، سواء جاء من داخله أو من خارجه. تأتي في هذا…