فريدمان: إسرائيل دولة منبوذة

مدة القراءة 5 د

يصف فريدمان ما ترتكبه الحكومة الإسرائيلية في غزّة بأنّه انتحار جيوسياسي، إلى جانب كونه جرائم انتحار واغتيال وقتل لأشقّاء، وهو ما يجعلها دولة منبوذة، معتبراً أنّ هناك شخصاً واحداً يمكنه إيقاف كلّ هذا الآن، وهو الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب.

 

 

يترك الكاتب والمحلّل السياسي الأميركي توماس فريدمان للمؤرّخين النقاش في ما إذا كانت حكومة بنيامين نتنياهو ترتكب إبادة جماعية في غزّة، لكنّه يعتبر أنّها “تدمّر مكانة إسرائيل في العالم، وتقتل المدنيين في غزّة دون أيّ اعتبار لحياة الأبرياء، وتمزّق المجتمع الإسرائيلي ويهود العالم، بين الذين يريدون الاستمرار في دعم إسرائيل مهما كان الأمر، وأولئك الذين لم يعودوا قادرين على تحمّل أو تفسير أو تبرير نهج هذه الحكومة ويريدون النأي بأنفسهم عنها”.

يسخر فريدمان من وصف نتنياهو للغارات الإسرائيلية على مستشفى ناصر في جنوب غزّة بـ”الحادث المأساويّ”. بينما هو النتيجة الحتميّة لسياسته المتمثّلة في إطالة أمد الحرب في غزّة للبقاء في السلطة، وتجنّب محاكماته الجنائيّة، وتجنّب أيّ لجنة تحقيق إسرائيلية في تورّطه العميق بالفشل في منع الهجوم المفاجئ الذي شنّته “حماس” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل.

يترك الكاتب والمحلّل السياسي الأميركي توماس فريدمان للمؤرّخين النقاش في ما إذا كانت حكومة بنيامين نتنياهو ترتكب إبادة جماعية في غزّة

حربٌ من أجل بقاء نتنياهو

يكتب في مقاله في صحيفة “نيويورك تامز”: “لكي يبقى نتنياهو في السلطة، فهو بحاجة إلى دعم وزراء اليمين المتطرّف، مثل سموتريتش، الذي يسعى جاهداً إلى إغراق الضفّة الغربية بأكبر قدر ممكن من المستوطنات اليهودية لمنع قيام أيّ دولة فلسطينية هناك، ويشجّع على إخلاء الفلسطينيّين من الضفّة الغربية وغزّة لتمهيد الطريق أمام إسرائيل لضمّ كلتا المنطقتين. لكنّ المشكلة تكمن في أنّ إسرائيل قد قضت على القوّة العسكريّة لـ”حماس”، وقتلت تقريباً جميع قادتها الكبار الذين خطّطوا لهجوم 7 أكتوبر. لذا عليها الآن استهداف القادة من الرتب الدنيا، الذين يعيشون ويختبئون بين المدنيّين، لتبرير استمرار المجهود الحربيّ.

يعتبر فريدمان أنّ “قتل وجرح العشرات من المدنيين في محاولة لقتل نائب قائد مثلاً، واستخدام جيش لنقل مئات الآلاف من المدنيين الغزّيّين من جزءٍ إلى آخر في غزّة، بحجّة إجلائهم من مناطق القتال، وهدم المنازل عمداً وتجويعهم دون أيّ سبب عسكري حقيقي، بل لإجبارهم على مغادرة المنطقة، ليس قتلاً عمداً وحسب، بل هو أيضاً انتحار وقتل للأشقّاء.

في رأيه أنّ “إسرائيل الآن في طريقها إلى جعل نفسها دولةً منبوذة، لدرجة أنّ الإسرائيليين سيفكّرون مرّتين قبل التحدّث بالعبريّة عند السفر إلى الخارج. ويورد أمثلة عن أحداث أخيرة حصلت في هذا السياق في جميع أنحاء العالم منها: “اعتقال مدير منتزه ترفيهيّ في جنوب فرنسا بزعم التمييز الديني بعد منع مجموعة من الأطفال الإسرائيليّين من الدخول، ومنع متظاهرين 1,600 إسرائيليّ تقطّعت بهم السبل على متن سفينة سياحية قبالة جزيرة سيروس اليونانية من دخول الجزيرة في تذكير صارخ بأنّ السيّاح الإسرائيليّين اليوم قد يواجهون العداء بسبب جوازات سفرهم”.

إسرائيل الآن في طريقها إلى جعل نفسها دولةً منبوذة، لدرجة أنّ الإسرائيليين سيفكّرون مرّتين قبل التحدّث بالعبريّة عند السفر إلى الخارج

لا أحد سوى ترامب

يرى فريدمان أنّ “العالم بات يميّز بين حرب تُشنّ من أجل بقاء الدولة اليهودية وحرب تُشنّ من أجل البقاء السياسي لرئيس وزرائها، ولم يعد يستطيع غضّ الطرف، كما فعل لأشهر، عن فقدان المدنيّين الفلسطينيّين حياتهم في غزّة، الذي هو نتيجة حتميّة لحرب كانت إسرائيل تحاول فيها طرد “حماس” من غزّة واستبدالها بقوّة حفظ سلام عربيّة بالشراكة مع السلطة الفلسطينية، سيما وقد اعترفت السلطة الفلسطينية بإسرائيل، ويمكنها، إذا ما أُصلحت، أن تكون شريكاً في حلّ الدولتين”.

ولأنّ نتنياهو يرفض أن تحكم “حماس” أو السلطة الفلسطينية غزّة، تبدو الحرب، وفقاً لفريدمان، “بشكل متزايد على ما هي عليه الآن: إنّها حرب لتوسيع احتلال إسرائيل من الضفّة الغربية إلى غزّة. وبات يدرك كثر في العالم أنّ قتل المدنيّين الفلسطينيّين بالعشرات يوميّاً تقريباً ليس نتيجة حتميّة لاستمرار الحرب من أجل بقاء إسرائيل ومحاولة إيجاد شريك فلسطيني أفضل في غزّة، بل نتيجة جهد لضمان عدم وجود شريك فلسطيني لإسرائيل في غزّة. فهل من عجب أن تفقد إسرائيل هذا العدد الكبير من الأصدقاء في العالم الذين أصبح هذا الأمر جليّاً لهم، بالإضافة إلى شركاء إقليميين محتملين؟”.

إقرأ أيضاً: بومبيو يطالب ترامب بتحرير بيروت عسكريّاً

يحذّر فريدمان من أنّه “إذا استمرّت هذه الحرب على هذا النحو، فستُمزّق العديد من المعابد اليهودية في العالم خلال الأعياد اليهودية الكبرى هذا العام بين أولئك الذين يشعرون بالحاجة إلى الوقوف إلى جانب إسرائيل، سواء كانوا على حقّ أو باطل، وأولئك الذين لم يعودوا قادرين على تحمّل سلوك الحكومة الإسرائيلية الرهيب في غزّة، خاصة عندما يرون مئات الآلاف من الإسرائيليين أنفسهم ينزلون إلى الشوارع ضدّ هذه الحكومة”.

سيؤدّي هذا أيضاً، في رأيه، إلى تمزيق الحزب الديمقراطي بين من يخشون تحدّي جماعة الضغط الإسرائيلية المؤثّرة “إيباك”، خوفاً من فقدان تمويل حملاتهم الانتخابية لمصلحة خصومهم الجمهوريّين، وبين من لم يعُد بإمكانهم تحمّل الأمر.

يخلص إلى القول: “للأسف، إذا كان هذا انتحاراً جيوسياسيّاً، فقد أصبح انتحاراً بمساعدة. وهناك شخص واحد يمكنه إيقاف كلّ هذا الآن، وهو الرئيس ترامب. لكنّني أخشى أنّه، تماماً كما خدع فلاديمير بوتين ترامب ليتخلّى عن وقف إطلاق النار في أوكرانيا ويختار بدلاً من ذلك وهم السلام الشامل، فقد خدع نتنياهو ترامب ليتخلّى عن وقف إطلاق النار في غزّة سعياً وراء وهم “النصر التامّ” لبيبي”.

لقراءة المقال بلغته الأصلية اضغط هنا

مواضيع ذات صلة

فريدمان من أميركا إلى غزّة “أطلق النّار أوّلاً ثمّ دقّق لاحقاً”

هل بات العنف خياراً سياسيّاً مفضّلاً؟ وكيف يمكن مقارنة ما يجري في مدينة أميركيّة بما يحدث في غزّة المحاصَرة؟ وهل تتحوّل القوّة العارية، حين تُستخدم…

فضائح إبستين: مواجهة قانونيّة بين الكونغرس وآل كلينتون

يبدو أنّ رفض كلّ من الرئيس الأميركيّ الأسبق بيل كلينتون ووزيرة الخارجيّة السابقة هيلاري كلينتون الامتثال لاستدعاء الكونغرس للمثول أمام لجنة الرقابة والإصلاح الحكوميّ في…

فريدمان عن ترامب: أنا أوّلاً

وصف الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بأنّه “أكثر الرؤساء لاأميركيّةً في تاريخ الولايات المتّحدة الأميركيّة”، معتبراً أنّ ما يصفه ترامب…

هل تعيد الأزمة الإيرانيّة تشكيل النّظام الإقليميّ؟

أعادت موجة الاحتجاجات التي تجتاح إيران إشعال النقاشات الإقليميّة والدوليّة في مستقبل الجمهوريّة الإسلاميّة، ودورها ونفوذها الواسع في الشرق الأوسط. في هذا السياق، يحلّل أربعة…