إيران تسابق الوقت: التنازل أو الحرب

مدة القراءة 6 د

قد يكون “سباق مع الزمن” التوصيف الأقرب إلى الدقّة لما تعيشه إيران في هذه الأيّام، والذي قد يرسم مستقبلها وعلاقاتها مع المجتمع الدولي وحتّى الإقليمي.

 

ينشغل النظام، سواء على مستوى منظومة السلطة أو الدولة والحكومة، بإعادة ترميم ما تعرّضت له قدراته العسكرية من ضربات، إلى جانب معالجة التصدّعات التي تكشّفت أو انفجرت في وجهه جرّاء الحجم الكبير للتراكم السلبي للأحداث والخلافات والتباينات على المستوى الداخلي في العلاقة مع المكوّنات السياسية والفكرية والاجتماعية في إيران. وذلك من خلال السعي إلى جسر الهوّة القائمة بين مؤسّسات النظام السلطوية والرسمية وبين الشعب الإيراني، والعمل للاستثمار الإيجابي في حالة التضامن التي برزت أثناء وبعد الهجوم الإسرائيلي الأميركي المركّب.

تعيش إيران بمستوياتها السياسية والعسكرية والشعبية حالة انتظار وتوقّع لإمكان نشوب حرب جديدة أكثر قسوة وأوسع تدميراً وأبعد أثراً قد تطال استمراريّة النظام وبقاءه. لذلك تنشغل بالعمل على تعزيز القدرات العسكرية، تحت قيادة وتوجيه هادئ من كبار ضبّاط الجيش الذين باتوا يمسكون بمفاصل القرار العسكري والأمنيّ لأوّل مرّة من خلال وزارة الدفاع وقيادة الأركان المشتركة للقوّات المسلّحة التي تضمّ الجيش والحرس والتعبئة.

قد يكون “سباق مع الزمن” التوصيف الأقرب إلى الدقّة لما تعيشه إيران في هذه الأيّام، والذي قد يرسم مستقبلها وعلاقاتها مع المجتمع الدولي وحتّى الإقليمي

ترميم من دون عنتريّات

الملاحظ أنّ هذا الترميم يجري بعيداً عن “العنتريّات” التي سيطرت على المشهد العسكري في السنوات الأخيرة، وكان أبطالها قادة حرس الثورة الذين ملؤوا المشهد الإعلامي والسياسي على حساب الدولة الرسمية، وقدّموا روايات وسرديّات عن قدرات واستعدادات وتحضيرات قادرة على قلب المعادلات، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل أيضاً على المستوى الدولي، في ساعات معدودات. يبدو أنّ النظام والدولة في إيران يعملان هذه المرّة بكثير من الواقعية من دون مبالغات أو استعراض إعلامي.

ربّما المؤشّر الأبرز إلى هذا التحوّل المناورات الأخيرة التي أعلنتها قيادة الجيش للوقوف على التحديثات التي أدخلت على سلاح الصواريخ، بما فيها التلويح بإدخال أنواع جديدة أكثر فعّالية الخدمة في حال تعرّضت إيران لأيّ اعتداء جديد. وقد تولّى مهمّة الكشف عن ذلك وزير الدفاع العميد عزيز نصير زاده وليس قائد الجوفضاء في حرس الثورة كما كان سائداً.

إعادة تعريف منظومة العلاقات

من ناحية أخرى، تحاول إيران أن تعيد تعريف حدود وأبعاد علاقتها مع المجتمع الدولي، ومن ضمنها إعادة تعريف مستوى العلاقة الجديدة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرّية وآليّاتها، بالإضافة إلى تعريف دور الترويكا الأوروبية في الأزمة النووية، وصولاً إلى الآليّات والمعادلات التي تسمح أو تساعد في العودة إلى طاولة التفاوض مع الولايات المتّحدة الأميركية.

قد تكون المساعي والجهود الإيرانية محكومة بسقف زمني لا يتعدّى نهاية الشهر الجاري (آب). وهو الموعد الذي حدّدته دول الترويكا الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) لإحالة الملفّ النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، والدفع من أجل تفعيل “آليّة الزناد”، التي تسمح بإعادة العمل بقرارات مجلس الأمن التسعة التي فرضت عقوبات اقتصادية على إيران، وأعادتها إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة، وما يعنيه ذلك من توفير غطاء دوليّ لأيّ عملية عسكرية قد تلجأ إليها مستقبلاً الولايات المتّحدة الأميركية، التي لن تكون منفردة، بل وبمشاركة فاعلة وعمليّة من دول الناتو، باعتبار أنّ الحالة الإيرانية باتت تشكّل تهديداً للأمن والاستقرار الدوليَّين.

يبدو أنّ النظام والدولة في إيران يعملان هذه المرّة بكثير من الواقعية من دون مبالغات أو استعراض إعلامي

المفاوضات الهاتفيّة الخماسية التي جرت بين إيران من جهة، والترويكا الأوروبية من جهة أخرى، ومعهما الاتّحاد الأوروبي من جهة ثالثة، لم تخرج بالنتائج التي تحدّ من اندفاعة الطرف الأوروبي إلى استخدام ورقة مجلس الأمن، ويقابلها موقف إيراني متشدّد يرفض هذه الضغوط، ويعتبر أنّ مثل هذه الخطوة ستسقط أو ستحرم أوروبا من دور الوسيط في هذه الأزمة. في حين أنّ ممثّلي الترويكا قد اشترطوا على الجانب الإيراني القيام بخطوات عمليّة وجديّة في ما يتعلّق بالتعاون مع الوكالة الدولية وأنشطتها الرقابية، والعودة إلى طاولة التفاوض مع واشنطن مقابل التخلّي عن هذه الورقة أو تأجيل العمل بها، في ظلّ رفض إيران حتّى الآن مبدأ تمديد مهلة تفعيل هذه الآليّة لمدّة ستّة أشهر جديدة.

محاولات لكسر الجمود

أمام تمسّك كلّ الأطراف بمواقفها التصعيدية، وعلى الرغم من التشدّد الإيراني الذي عبّر عنه وزير الخارجية عبّاس عراقجي بقوله إنّ الوقت ليس للمفاوضات في ظلّ ما تمارسه الأطراف الأخرى من ضغوط وما تضعه من شروط، تكشف المؤشّرات أنّ جهوداً تجري من أجل الوصول إلى نقطة توازن بين مواقف جميع الأطراف تسمح بإعادة ترميم التصدّعات التي حصلت، إن كان في علاقة إيران مع الوكالة الدولية، أو في العلاقة مع الترويكا الأوروبية ودورها، أو في إمكان العودة إلى طاولة التفاوض.

إقرأ أيضاً: من “أميركا أوّلاً” إلى مواجهة دوليّة

بالتزامن مع الحوار الهاتفي بين عراقجي ونظرائه في الترويكا الأوروبية، عُقد لقاء حواريّ بين ممثّلين عن إيران والوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية، في خطوة تصبّ في إطار استكمال المفاوضات التي أجراها مساعد مدير الوكالة ماسيمو أبّارو قبل أسبوع في طهران، وتسبق زيارةً سيقوم بها مدير الوكالة رافائيل غروسي للولايات المتّحدة الأميركية، ثمّ أخرى لإيران، تعتبر خرقاً في الموقف الإيراني الذي اتّهم غروسي بالتواطؤ مع واشنطن وتل أبيب في التمهيد للضربة العسكرية التي تعرّضت لها المنشآت النووية الخاضعة لإشراف ومراقبة الوكالة الدولية.

شدّ حبال بين إيران من جهة، وواشنطن ومعها الترويكا الأوروبية من جهة أخرى، بلغ مستويات متقدّمة مع تسارع العدّ التنازليّ لأيّ خطوة تصعيديّة، سواء في مجلس الأمن أو في الخيار العسكري. وكلاهما خياران لا أحد من الطرفين يرغب في الوصول إليهما، لأنّ ذلك قد ينسف أيّ إمكان للعودة إلى طاولة التفاوض من جديد، وينسف أيضاً ما كشف عنه مساعد وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده عن تواصل مباشر وغير مباشر بين عراقجي والمندوب الخاصّ للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، وقد يدفع إلى خيار الحرب، الذي سيضع النظام في إيران أمام خيار مغادرة التفاوض، وأيضاً الانسحاب من معاهدة الحدّ من انتشار أسلحة الدمار الشامل.

مواضيع ذات صلة

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…

أردوغان في الرّياض والقاهرة: توازن إقليميّ جديد؟

لم تأتِ فكرة التحالف الثلاثيّ التركيّ – السعوديّ – المصريّ صدفة، بل هي نتاج سنوات من التوتّرات والتحدّيات المشتركة والفرص الضائعة في المنطقة. ويبرز التعاون…