تتأرجح الصحف الإسرائيلية المتابعة لمواقف الحزب من قرار الحكومة اللبنانية بتجريده من السلاح وحصره في يد الدولة، بين قراءتين أساسيّتين: الأولى ترى أنّ الحزب دُفع إلى الزاوية ويجد صعوبة في الاعتراف بالهزيمة، والثانية تلمس حالة إحباط عميقة داخل صفوفه، تنعكس في خطابات قادته ومظاهر استعراض القوّة، كالمواكب الناريّة المنطلقة من ضاحية بيروت الجنوبية باتّجاه المطار.
يصرّ “الحزب” على رفض التخلّي عن السلاح، ما يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية: هل يدرك أنّه يعيش أزمة وظيفيّة غير مسبوقة بعد خسارة الجغرافيا السوريّة، وعجزه عن التحرّك عند ضرب إيران وتدمير برنامجها النووي؟ هل يعي أنّه انتقل داخليّاً من موقع صانع الرؤساء إلى موقع الدفاع عن سلاح فقد شرعيّته ووظيفته؟ وهل بات واضحاً له أنّ استعادة أدواره السابقة صارت مستحيلة في ظلّ نتائج حرب المساندة وانهيار سرديّات الردع والدفاع عن لبنان؟ بل هل يدرك أنّ الاختباء وراء شعار “المقاومة” لخدمة الأجندة الإيرانية صار مكشوفاً أمام الجميع؟ وهل بات “الحزب” في دائرة الأوهام، أم أُخضِعَ بالكامل لسلطة الحرس الثوري؟
ثلاثيّة بقاء بدل ثلاثيّة مقاومة
بعد سقوط شعار “جيش – شعب – مقاومة”، يسعى “الحزب” اليوم إلى صياغة ثلاثيّة بقاء جديدة: رفض تسليم السلاح، البقاء في الحكومة، وتجنّب الصدام الداخلي (حتّى الآن)، إلّا أنّ الجمع بين رفض القرارات الحكومية وشيطنتها، والاستمرار في الحكومة، يضعه أمام معادلة سياسية شديدة التعقيد.
تصريحات طهران الرافضة لقرارات الحكومة اللبنانية، والمشجّعة لـ”الحزب” على التشبّث بسلاحه، بدت تدخّلاً فاضحاً في الشأن الداخلي اللبناني
تتجلّى أولويّة البقاء أيضاً في زيارة الأمين العامّ لمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت، التي حملت جرعة دعم معنويّة لـ”الحزب” في معركته للإبقاء على سلاحه تحت عباءة “المقاومة”. وفي مقال بمركز القدس للشؤون العامّة والسياسية، كتب يوني بن مناحيم أنّ “الحزب” يحاول التكيّف مع واقع أمنيّ وسياسيّ جديد لضمان بقائه، لكنّه يواجه أزمة متصاعدة داخل “محور المقاومة”، حيث باتت “حماس” تحظى بتقدير أكبر، فيما هو يتعرّض لضربات متتالية وينضبط في عدم الردّ. ويشير الكاتب في مقاله إلى أنّ “الحزب” يشتري الوقت لإفشال قرار الحكومة بشأن نزع سلاحه، إذ يخشى من أن يؤدّي ذلك إلى الانتقام من الطائفة الشيعية، وتحوّله إلى حزب سياسي، من دون قوّة.
ويضيف: “بحسب التقديرات الأمنيّة، يخشى “الحزب” محوه من المشهد السياسي إذا نُزع سلاحه، وأن فتح الباب أمام تطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل، وهو سيناريو الرعب، بالنسبة إليه”.
لغة دبلوماسيّة… ونوايا خبيثة
تصريحات طهران الرافضة لقرارات الحكومة اللبنانية، والمشجّعة لـ”الحزب” على التشبّث بسلاحه، بدت تدخّلاً فاضحاً في الشأن الداخلي اللبناني، وإصراراً على سياسة إقليمية هدفها تعزيز النفوذ الإيراني من خلال أدوار الحوثيّين و”الحزب” والميليشيات العراقية وعلى حساب سيادة اليمن ولبنان والعراق.

لم تفلح اللغة الدبلوماسية التي استخدمها لاريجاني خلال زيارته في إخفاء الأهداف الحقيقية لطهران وهي: تعطيل تنفيذ القرارات الحكومية، والإبقاء على النفوذ الإيراني في السياستين الدفاعية والخارجية للبنان. الكلام الواضح والحازم الذي سمعه من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام، والمتعلّق بحصريّة السلاح وعدم جواز أيّ طرف داخلي حيازة السلاح والاستقواء بالخارج، حوّل جرعة الدعم الإيرانية لـ”الحزب” شيكاً بدون رصيد، وفرّغ ادّعاءاته في المحافظة على سلاحه من أيّ شرعية.
تتأرجح الصحف الإسرائيلية المتابعة لمواقف الحزب من قرار الحكومة اللبنانية بتجريده من السلاح وحصره في يد الدولة، بين قراءتين أساسيّتين
في المقابل، فإنّ زيارة لاريجاني إلى بيروت لا تحجب الارتباك الذي تعيشه طهران بعد الضربات التي تلقّتها وعجزها عن تقديم الدعم الفعلي لـ”الحزب” في لبنان. وفي هذا الإطار أشار الرئيس السابق لفرع الموساد التنفيذي في بيروت عام 1983 يائير رفيد رافيتس في مقالته في يديعوت أحرونوت بعنوان “نزْع سلاح الحزب”: بين الواقع اللبناني، والأوهام الإسرائيلية” بأنّ “إيران، المنشغلة حالياً بإصلاح الأضرار الجسيمة التي ألحقها بها الجيش الإسرائيلي، لن تستثمر في هذا الوقت أموالاً أو جهوداً لإعادة بناء أداتها الرئيسية التي أعدّتها لـ “يوم الأمر”، والتي خيَّبت الآمال ولم تحقق النتائج المرجوة. كما أنّ يقظة إسرائيل وردّها الحازم على أيّ محاولة من الحزب لإعادة بناء قوته أو التحرّك لا تبشر بالخير بالنسبة إلى “الحزب” الذي يلعق جروحه، ولا يستطيع أن يشير حتّى إلى إنجاز واحد في الجولة الأخيرة”.
معركة بقاء… بشروط متآكلة
الحزب، برفضه التحوّل إلى حزب سياسي والتشبث بسلاحه، يصرّ على خوض معركة بقاء داخل الدولة كـ”دولة موازية”. غير أنّ هذه المعركة مرشحة للفشل، مع تراجع شرعية السلاح وانفضاض معظم الحلفاء عنه، باستثناء حركة أمل لأسباب تتعلق بالطائفة الشيعية وليس بالسلاح.
إقرأأيضاً: لاريجاني: هل عرض “المشورة” للمساعدة في سحب السّلاح؟
سيناريوهات انهيار شروط بقاء السلاح ليست بعيدة: من اصرار الدولة على حصرية السلاح بيدها، والذي يحظى بشرعية داخلية وعربية ودولية كبيرة، إلى احتمال موافقة “حماس” على تسليم سلاحها مقابل وقف حرب غزة وانسحاب إسرائيلي تدريجي، وبالتالي قد نشهد لعبة تساقط أحجار الدومينو من غزة إلى بيروت ووصولاً إلى بغداد، إلى احتمال أن تضع المفاوضات الأميركية – الإيرانية المحتملة سلاح الحزب على طاولة المقايضات. ومن المهم التذكير بالمثل الإيراني: “حياكة السجادة تحتاج سنوات… أما بيعها فلا يحتاج إلا دقائق”. فهل يستفيق الحزب من دائرة الأوهام والرهانات الخاطئة قبل أن تلتهم الاحداث آخر اوراقه؟
د. وليد صافي، استاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية.
لمتابعة الكاتب على X:
