لاريجاني يُهندس بغداد وبيروت: قاسم سليماني جديد؟

مدة القراءة 7 د

في أوّل جولة خارجية له منذ تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اختار علي لاريجاني أن يبدأ من بغداد وبيروت، في توقيت يواكب لحظات حاسمة: حسم قانون “الحشد الشعبي” في العراق، ومسعى حصر سلاح “الحزب” في لبنان. الملفّان يمسّان مباشرة ركائز النفوذ الإيراني في البلدين، ولذلك تتجاوز الزيارتان الإطار الدبلوماسي التقليدي إلى تحرّك استراتيجيّ لإعادة تثبيت الحضور الإيراني في ساحات تعتبرها طهران خطوط مواجهة مع واشنطن وتل أبيب.

 

 

تنبع أهميّة الزيارة من هويّة الموفد وموقعه. فلاريجاني ليس مسؤولاً إيرانيّاً وحسب، بل شخصيّة محوريّة راكمت خبرة سياسية ودبلوماسية واسعة: أدار مفاوضات الملفّ النووي، ورأس مجلس الشورى، وحافظ على حضوره في المشهد السياسي حتّى بعد استبعاده من سباق الرئاسة. واليوم يعود إلى موقعه الجديد أميناً وممثّلاً للمرشد علي خامنئي، متمتّعاً بثقة الرئاسة والحرس الثوري التي تمنحه حرّية حركة وصلاحيّات واسعة.

بفضل معرفته الدقيقة بملفّات المنطقة، قد يتحوّل لاريجاني إلى “قاسم سليماني سياسي” لمحور المقاومة. فالأوّل كان قائداً ميدانيّاً، وأمّا الثاني فقد يصبح مهندساً سياسيّاً لشبكة النفوذ، قادراً على المناورة على طاولات التفاوض كما كان سليماني يناور في ساحات القتال.

جاءت زيارة الموفد الإيراني لبغداد وبيروت في وقت تواجه فيه طهران وضعاً استراتيجيّاً صعباً بعد تراجع دورها في سوريا والخسائر الكبيرة التي مُني بها “الحزب” في لبنان خلال العدوان الإسرائيلي وحرب الأيّام الـ12، علاوة على الضغط الأميركي ـ الأطلسي ـ الإسرائيلي للوصول إلى شرق أوسط خالٍ من النفوذ الإيراني.

تناولت مقالات عدّة في “أساس” الشقّ اللبناني من الزيارة، فماذا عن محطّة بغداد التي لا تقلّ أهميّة، إذ يمثّل العراق أحد أهمّ الملفّات الجيو-أمنيّة وعمق إيران الاستراتيجي ومفتاحها نحو الشرق الأوسط. ويشكّل رئتها الاقتصادية وفق معادلة: “المصلحة لإيران، والدفع على العراق. أي العراقي يدفع، والإيراني يستفيد”. وتُمنّي النفس بأن يبقى العراق “حائط صدّ أمام أيّ تمدّد أميركي في المنطقة في ظلّ الحديث عن شرق أوسط جديد”. وتنظر إليه وفق معادلة عبّر عنها لاريجاني بقوله: “أمن إيران من أمن العراق، وتهديد إيران يعني تهديد العراق”.

في أوّل جولة خارجية له منذ تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اختار علي لاريجاني أن يبدأ من بغداد وبيروت، في توقيت يواكب لحظات حاسمة

العراق ساحة التّوازن أو الاضطراب

تدرك إيران أنّ الحرب مع إسرائيل لم تنتهِ بعد، وأنّ ثمّة احتمالاً لتجدّدها. ومن هنا، سيساعدها عقدُ العراق اتّفاقات أمنيّة مشتركة مع طهران في أيّ مواجهة مقبلة، بل يسعى لاريجاني، عبر بعض الحلفاء المحليّين العراقيين، إلى زجّ العراق في أيّ صراع محتمل مستقبلاً، على الرغم تكرار وتأكيد رئيس الوزراء محمّد شيّاع السوداني رفضه لذلك.

العراق بالنسبة الى طهران هو ساحة توازن أو اضطراب. إذا ضمنت استقراره تحت نفوذها، تستطيع احتواء ارتدادات الحرب عليها في المنطقة. هكذا تبدو الزيارة خطوة دفاعية هجومية: دفاعية لحماية ما بقي من النفوذ الإيراني بعد ضربات الصيف، وهجومية لإعادة تثبيت قواعد اللعبة في العراق قبل أن تستغلّ القوى الأخرى أيّ فراغ.

إلى ذلك تزامنت مع بدء العدّ التنازلي لإنهاء مهمّة التحالف الدولي في العراق بحلول أيلول 2025، وهو ما يعني تحوّل ملفّ الأمن الداخلي والحدودي إلى قضيّة سياديّة حسّاسة. وفي شقّها المعلن، تناولت الزيارة توقيع مذكّرة تفاهم أمنيّة بين إيران والعراق تركّز رسميّاً على:

  • تعزيز تنسيق الأمن الحدودي.
  • منع تسلّل الجماعات المسلّحة أو استخدام أراضي أيّ طرف لتهديد الطرف الآخر.
  • آليّات تبادل المعلومات الاستخباريّة.
  • تأكيد دور العراق في “حفظ استقرار المنطقة” في إطار يرضي بغداد، إذ يقدّمها وسيطاً لا تابعاً.

حذّر المسؤول الإيراني من أنّ تفكيك “الحشد الشعبي” سيؤثّر بشدّة على الأمن القومي العراقي، وسينعكس على طبيعة العلاقات بين البلدين وأمن إيران القومي

إعادة ترتيب شبكة دعم “الحشد” وتمويله

أمّا خلف الكواليس، فقد جاء لاريجاني بتفويض مباشر من طهران لإعادة ترتيب شبكة التمويل والدعم اللوجستي للفصائل المسلّحة في “الحشد الشعبي” المرتبطة بإيران، ولا سيما “حزب الله العراقي”، بعد تضييق الخناق على طرق الإمداد التقليدية بسبب العقوبات، وفقدان إيران بعض قنواتها الإقليمية بفعل التطوّرات الأخيرة في القوقاز والخليج.

تناول البحث مستقبل هذه الفصائل في ظلّ تصاعد الضغط الأميركي لتقليص نشاطها بعد انسحاب القوّات الأجنبية، مع التركيز على إعادة هيكلة القيادة الميدانية، وتوفير غطاء ماليّ عبر واجهات اقتصادية وتجارية في بغداد والبصرة، ونقل جزء من العمليات التمويلية إلى قنوات رسمية عراقية لتفادي الملاحقة الدولية.

حذّر المسؤول الإيراني من أنّ تفكيك “الحشد الشعبي” سيؤثّر بشدّة على الأمن القومي العراقي، وسينعكس على طبيعة العلاقات بين البلدين وأمن إيران القومي. واعتبر أنّ عدم إقرار قانون “الحشد” يعني انتصار الإرادة الأميركية على الجميع، بما يحمله ذلك من تهديد للأمن المشترك.

من رعاية الفصائل إلى الشّراكة المؤسّساتيّة

بحسب مصادر عراقية، هذا ما أرادته طهران من خلال الزيارة:

  • توجيه رسالة واضحة لواشنطن وتل أبيب بأنّها شريك أمنيّ شرعيّ لبغداد، وليست داعمةً لمجموعات مسلّحة وحسب، خصوصاً مع اقتراب ترتيبات ما بعد التحالف الدولي.
  • إعادة تعريف العلاقة الأمنيّة مع حلفائها العراقيين من “رعاية فصائل” إلى “شراكة مؤسّساتيّة”.
  • إظهار وحدة القوّة الشيعية السياسية عبر لقاءات شملت طيفاً واسعاً من القيادات، حتّى تلك غير المحسوبة كليّاً على طهران.
  • التأكيد للحكومة العراقية أنّ “الحشد الشعبي” الذي بات دولة ضمن الدولة وأغنى منها، خطّ أحمر بالنسبة لطهران، وأيّ مساس به سيقابل بخيارات تصعيديّة.

جاء لاريجاني بتفويض مباشر من طهران لإعادة ترتيب شبكة التمويل والدعم اللوجستي للفصائل المسلّحة في “الحشد الشعبي” المرتبطة بإيران

تأتي هذه الجولة بعد زيارة لقائد “فيلق القدس” الجنرال إسماعيل قاآني، في سياق ترتيبات أمنيّة وسياسية حسّاسة قبل استحقاق أيلول 2025، لضمان استمرار النفوذ الإيراني عبر المال والسلاح، حتّى لو تغيّرت الظروف السياسية أو تزايد الضغط الدولي. وتهدف إلى وقف مسار “فكّ الارتباط الاستراتيجيّ” بين العراق وإيران، الذي تعمل عليه واشنطن عبر العقوبات والضغط الدبلوماسي، والتلويح بتشريع قانون في الكونغرس بعنوان “تحرير العراق من إيران”.

لكنّ هذه الزيارة ستستفزّ الولايات المتّحدة لما تحمله من دلالات على وجود تحدٍّ عراقي ميليشياوي ـ إيراني مشترك لإرادتها في المنطقة. فعلى الرغم من أنّ من حقّ العراق الانضمام إلى اتّفاقات أمنيّة مع دول الجوار، لا تنظر واشنطن إلى المسألة من هذا المنظار، بل تراها مؤشّراً إلى سلوك سيقابل بردّ أميركي حازم تجاه بغداد، خاصة في ظلّ النقاش الدائر داخل الإدارة الأميركية حول قانون “تحرير العراق من نفوذ إيران”.

إقرأ أيضاً: لاريجاني في بيروت: هجمةٌ مُرتدّة على القمة الأميركية – الروسية

يضاف إلى ذلك تنامي المزاج الشعبي الرافض للتدخّل الخارجي في العراق، والذي ظهر بوضوح في احتجاجات 2019 وما بعدها، وهو ما قد يجعل النفوذ الإيراني عرضة لهزّات مستقبلية. وقد يضع ملفّ الحدود إيران في مواجهة مع القوى الكرديّة أو السنّيّة إذا رأت أنّ المذكّرة الأمنيّة تُستخدم لتكريس هيمنة فصائل مرتبطة بها.

هكذا، إذا واصلت طهران التعامل مع العراق كساحة نفوذ أمنيّ بدلاً من شريك سياديّ، فستحصد تراكم عوامل النفور الشعبي وتغذّي مشاريع المنافسين الإقليميّين.

مواضيع ذات صلة

غزّة: “مجلس” ترامب بديل “الصّفقة” ولجنة تكنوقراط بديلة للفصائل

تلقى العاهل الأردني والرئيسان المصري والتركي دعوات للانضمام إلى “مجلس السلم” لإنهاء حرب غزّة، والذي ما زال قيد التشكل.  شيء ما ما زال غامضاً في…

الشّعور الأقلّويّ… عدوّ سوريا الأكبر !

أصعب ما يمكن للشعوب الخارجة من الحروب أن تكتشفه هو أنّ كبرى معاركها ليست مع الركام ولا مع الاقتصاد المنهَك ولا حتّى مع السياسة المعقّدة،…

تعيين غراسيا القزّي: الدّولة تُكافئ الاشتباه وتُقيل المسؤوليّة

استولت على عهد الرئيس اللبنانيّ جوزف عون فكرة التعثّر السياسيّ والإداريّ وفقدان أدوات الدولة لـ”صوابها العدليّ”، بعدما عيّن مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة السيّدة غراسيا…

برّي لـ”أساس”: السّعوديّة مع القرار للدّولة وهذا موقفنا

يؤكّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لـ”أساس” أنّ “السعوديّين يشدّدون على أن يكون القرار للدولة اللبنانيّة (تمكينها)، أي على تنفيذ خطاب القسم والبيان الوزاريّ، ونحن…