إسرائيل تطلق الرّصاصة الأخيرة على الدّولة الفلسطينيّة

مدة القراءة 6 د

هل تنفّذ حكومة نتنياهو مخطّطاً ممنهجاً لإعادة المستوطنات المخلاة في شمال الضفّة الغربية وتحويلها إلى جدار يفصل جغرافيا الضفّة ويقضي على حلم الدولة الفلسطينيّة؟

 

من بين الجدران المهترئة القديمة في مستوطنة “صانور” المخلاة منذ عام 2005 قرب مدينة جنين شمال الضفّة الغربية، اختار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش “عموداً” كُتب عليه “الموت للعرب” ليلتقط صورة تذكارية برفقة رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفّة الغربية يوسي داغان.

لم تكن زيارة المكان المهجور من أجل التنزّه والتقاط الصور، بل خطوة ضمن مخطّط الحكومة الإسرائيلية لعودة الاستيطان إلى شمال الضفّة الغربية، من خلال المستوطنات التي أُخليت في منطقة جنين، بموجب قانون فكّ الارتباط عام 2005.

بين أنصاره المستوطنين، جدّد سموتريتش اليمينيّ “عزم إسرائيل على فرض السيادة على الضفّة الغربية”، وأكّد أنّ زيارته للمستوطنة المخلاة تهدف إلى التمهيد لإعادة بنائها من جديد

فرض السّيادة على الضّفّة

بين أنصاره المستوطنين، جدّد سموتريتش اليمينيّ “عزم إسرائيل على فرض السيادة على الضفّة الغربية”، وأكّد أنّ زيارته للمستوطنة المخلاة تهدف إلى التمهيد لإعادة بنائها من جديد، قائلاً إنّ “تل أبيب تعمل على تصحيح الأخطاء” بإشارة إلى خطوة فكّ الارتباط عام 2005.

انسحبت إسرائيل عام 2005 من عدّة مستوطنات في منطقة جنين هي صانور وغانيم وكاديم وحومش، بالتزامن مع انسحابها من قطاع غزّة. لكن مع تشكيل الحكومة اليمينيّة الحالية، تعهّد أركانها ووزراؤها، وتحديداً بن غفير وسموتريتش، بالعودة للمستوطنات. وتنفيذاً لتلك السياسة ألغت الحكومة الإسرائيلية في أيّار الماضي “قانون فكّ الارتباط” بشمال الضفّة الغربية المحتلّة، وسمحت بعودة المستوطنين إلى مستوطنات صانور وغانيم وكاديم، التي كان يحظر عليهم دخولها.

قال سموتريتش أمام المستوطنين: “سنعود إلى الأماكن التي أخليناها في الضفّة الغربية وفي قطاع غزّة”، مضيفاً: “إسرائيل تسعى إلى فرض السيادة على كامل أراضي الضفّة، في أعقاب تأييد الكنيست الشهر الماضي مقترحاً يقضي بضمّ الضفّة الغربية، وذلك بأغلبيّة 71 نائباً من إجمالي 120”.

رافق سموتريتش في اقتحامه للمكان عددٌ من عائلات المستوطنين التي شرعت في إعادة تأهيل الموقع من أجل عودتهم، مستندين إلى مصادقة الحكومة الإسرائيلية في أيّار الماضي على إقامة 22 نقطة استيطانية جديدة، من بينها مستوطنة صانور.

قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان “رسمية” لـ”أساس” إنّ حكومة نتنياهو عدّلت قانون فكّ الارتباط قبل شهور، بهدف عودة الاستيطان إلى شمال الضفّة الغربية، وتحديداً إلى منطقة جنين.

قال مدير التوثيق في الهيئة أمير داوود إنّ منطقة جنين كانت شبه خالية من الاستيطان خلال العشرين عاماً الأخيرة، لكنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية اتّخذت جملة قرارات لتغيير ذلك الوضع، من خلال قرار السماح للمستوطنين بالعودة إلى مستوطنة حومش، ثمّ بناء 22 مستوطنة في الضفّة، من بينها مستوطنة صانور، الذي بات بحاجة إلى إجراءات تنفيذية.

تعدّ منطقة شمال الضفّة الغربية مقطعاً واسعاً ومتواصلاً جغرافيّاً، وخالياً من الاستيطان إلى حدّ ما طوال 20 عاماً، وعودة الاستيطان إلى تلك المنطقة سيفتّتها إلى مناطق معزولة، ويكرّسها منطقة كانتونات على غرار النموذج الذي تكرّس في منطقة جنوب الضفّة الغربية.

أكّد داوود أنّ “ما ستفعله إسرائيل في شمال الضفّة، وكلّ ما تفعله هدفه إعدام إمكان إقامة دولة فلسطينية مستقبليّة”.

لا يقتصر الأمر على بناء المستوطنات، فقد أعلنت سلطات الاحتلال أخيراً نحو 1,800 دونم من أراضي بلدة سبسطية، أي نحو 40% من مساحتها، منطقة أثريّة إسرائيليّة، ضمن مخطّط أوسع للاستيلاء على البلدة الأثريّة، بحيث ستصنّف تلك المنطقة أراضي تابعة لدائرة الآثار الإسرائيلية.

الخبير في شؤون الاستيطان سهيل خليلية لـ”أساس”: إعلان إسرائيل عودة الاستيطان إلى شمال الضفّة الغربية يعني تخلّيها عن قانون فكّ الارتباط الذي أُعلن في 2005

900 حاجز عسكري في الضفة

قبل شهور وضعت إسرائيل يدها على 1,300 متر مربّع، لإقامة منشأة عسكرية في قلب المنطقة الأثرية، وخصّصت 33 مليون شيكل (نحو 9.5 ملايين دولار) لتنفيذ أعمال تطوير للمنطقة الأثريّة وتنقيبات من أجل إقامة “حديقة السامرة”، التي يدفع مجلس المستوطنات لإقامتها في سبسطية بدعم من وزارة التراث الإسرائيلية.

لفت داوود إلى أنّ ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية هو سياسة متدحرجة وسريعة لعودة الاستيطان إلى شمال الضفّة الغربية، ستنتج عنها تداعيات خطيرة وكبيرة، منها تفتيت منطقة شمال الضفّة الغربية، وفصلها عن وسطها وجنوبها، من خلال منظومة عسكرية متكاملة.

النموذج الذي نجحت إسرائيل في إقامته في جنوب الضفّة الغربية يبدو أنّه سينسحب على شمالها، وهذا سيعني إقامة إسرائيل تكتّلات استيطانية كبيرة وسط التجمّعات الفلسطينية، ومصادرة الأراضي، وهو ما سينجم عنه تحويل تلك القرى والبلدات إلى “كانتونات” معزولة.

أشار داوود إلى أنّ إسرائيل باتت تملك منظومة عسكرية مرعبة في الضفّة الغربية، قوامها الجدار الفاصل، الذي يلتهم الأرض الفلسطينية ويقسمها، وأكثر من 900 حاجز عسكري وبوّابة تفتّت الجغرافيا وتحاصر التجمّعات السكّانية، بحيث يستطيع أيّ جنديّ إسرائيلي إقفالها على السكّان وتحويل قراهم إلى سجون كبيرة.

أكّد الخبير في شؤون الاستيطان سهيل خليلية لـ”أساس” أنّ إعلان إسرائيل عودة الاستيطان إلى شمال الضفّة الغربية يعني تخلّيها عن قانون فكّ الارتباط الذي أُعلن في 2005، والمجاهرة بأجندتها الاستيطانية على الملأ والعمل على تنفيذها.

كشف خليلية أنّ الحكومة الإسرائيلية منذ تشكيلها سمحت بشرعنة أكثر من 70 بؤرة استيطانية تمّت إقامتها، وعملت على تغيير جغرافية الضفّة الغربية من خلال رزمة مشاريع استيطانية من شبكات طرق وبؤر ومستوطنات جديدة وإقامة 42 ألف وحدة استيطانية جديدة.

إقرأ أيضاً: سلاح عرفات… وسلاح “حماس”

أكّد خليلية أنّ الخطط التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية الحالية ليست قصيرة الأمد، بل تمتدّ لسنوات كثيرة، أي أنّها تضع خططاً استيطانية استراتيجيّة للحكومات المقبلة، موضحاً أنّ استهداف إسرائيل لمنطقة شمال الضفّة الغربية سيفتّتها بالكامل، وسيضرب جغرافية المنطقة التي تعدّ أكبر مساحة جغرافيّة متواصلة تمتدّ من مدينة نابلس إلى جنين ومن طولكرم إلى الأغوار.

لفت خليلية إلى أنّ المستوطنات ستقام في وسط هذه المنطقة الجغرافيّة، وهو ما يعني ضربها في الصميم بنواة استيطانية ستتّسع مع مرور الوقت والزمن عبر التهام المزيد من الأراضي، وتعدّ ترجمة فعليّة وحقيقيّة لتصريحات سموتريتش وبن غفير بأنّ الاستيطان في شمال الضفّة سيضرب أيّ أمل بإقامة دولة فلسطينية مستقبلية في الضفّة الغربية.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…