لا يريد بنيامين نتنياهو وقف الحرب. يرى في مواصلتها فرصة لا تتكرّر، ليس فقط لتصفية القضيّة الفلسطينية، بل لبناء إمبراطوريّة صهيونية تتحكّم بالشرق الأوسط ومصائر شعوبه. لن يستجيب للنداءات والمناشدات الدوليّة ما لم ترفَق بعقوبات جديدة ومواقف صارمة وإجراءات فعّالة. لن يستكين ولن يُلجم ما دامت راعيته الأميركيّة تطلق يده لارتكاب المزيد من الفظائع. المهمّ أن يبقى جالساً على كرسي السلطة وأن لا يُجرّ إلى قوس المحكمة والمحاسبة الداخلية.
جديده هو اتّخاذه القرار بإعادة احتلال (أو السيطرة على) قطاع غزّة المدمّر، متذرّعاً بفشل المفاوضات في شأن إبرام صفقة تهدئة والحاجة إلى حماية مستوطنات الغلاف. وفّرت له “الكابينت” ما يريد. أقرّت خطّته الخاصّة بذلك، ومنحت الجيش مهلة شهرين للاستعداد للتنفيذ وسنتين لإحكام السيطرة. لم تأبه لتحذيرات الضبّاط الميدانيّين ولا لمخاوفهم من الثمن الباهظ الذي يحمله الاحتلال من خسائر في الأرواح والاقتصاد، ولا لردّ فعل أهالي المخطوفين والرافضين لمواصلة القتال ولا لردّ الفعل العربي والدولي.
خطّة الاحتلال والخلاف مع العسكر
ليست هذه المرّة الأولى التي تُطرح فيها فكرة احتلال غزّة بالكامل، لكنّها الأولى التي تُقرّ فيها الحكومة الإسرائيلية رسميّاً خطّة من هذا النوع.
تقضي الخطّة بإطلاق الجيش الإسرائيلي تحرّكاً عسكرياً نحو مناطق لم يدخلها سابقاً، بهدف السيطرة عليها وسط القطاع ومدينة غزّة، وتهدف إلى:
– نزع سلاح “حماس” والفصائل الأخرى.
– إعادة جميع الأسرى أحياء وأمواتاً.
– السيطرة الأمنيّة الإسرائيلية على القطاع بدءاً باحتلال مدينة غزّة وترحيل سكّانها قسراً نحو الجنوب، وتحديداً إلى منطقة المواصي الساحليّة، على أن تتولّى الولايات المتّحدة تقديم دعم “لوجستي وإنساني” عبر بنية تحتية مدنية مؤقّتة.
– إقامة إدارة مدنية بديلة لا تتبع لـ”حماس” ولا للسلطة الفلسطينية.
لا يريد بنيامين نتنياهو وقف الحرب يرى في مواصلتها فرصة لا تتكرّر، ليس فقط لتصفية القضيّة الفلسطينية
في الشكل أظهرت الخطّة خلافاً جديداً بين المستويَين السياسي والعسكري في إسرائيل. احتلال القطاع يعني إقامة حكم عسكري فيه، والجيش الإسرائيلي لا يعارض ذلك، لأنه يحتاج إلى حشد قوّات كبيرة جدّاً في القطاع على حساب مناطق وجبهات أخرى تشنّ فيها إسرائيل عمليّات عسكرية، مثل الضفّة الغربية وجنوب لبنان وجنوب سوريا، وعلى حساب حرب محتملة ضدّ إيران.
تعارض قيادة الأركان الخطّة ليس لأنّها ستوقع مجازر خطيرة وكبيرة في صفوف المدنيين الفلسطينيين، كما جرت العادة، ولا لعدم وجود مكان يتّجه إليه سكّان المناطق التي يريد الاحتلال العمل فيها برّياً، ومنها مناطق وسط القطاع ومدينة غزّة، لكن لتكلفتها الحربية الباهظة على الجيش، من ناحية العتاد والخسائر البشرية، وبسبب وجود خطر شديد على الأسرى الإسرائيليين في القطاع.
يقول رئيس الأركان إيال زامير إنّ القوّات مرهقة وتفتقر إلى العتاد والجنود اللازمين، ويتطلّب تنفيذ الخطّة تعبئة واسعة للاحتياط، وسط رفض شعبي متزايد لاستمرار الحرب. يريد استبدال الخطّة بأخرى تشمل حصار مدينة غزّة ومخيّمات الوسط في القطاع. وكجزء من الحصار، سيتمّ تفعيل أكبر لسلاح الجوّ وتنفيذ غارات مستهدفة لضرب “حماس”، وتالياً الضغط عليها للتوقيع على صفقة لإطلاق الأسرى.
يخشى الضبّاط الكبار من أنّ خطّة احتلال القطاع، التي ستسبّب المزيد من المجازر، وستعمِّق التجويع وتفاقِمه، ستؤدّي إلى ملاحقتهم في العالم بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
المعارضة غير مقتنعة
أحزاب المعارضة أيضاً يعارضون الخطّة. يعتبر يائير لابيد احتلال غزّة “فكرة سيّئة جدّاً”، ويرى أنّ إقرار “الكابينت” لها يمثّل “كارثة ستؤدّي إلى كوارث كبيرة” وإلى انهيار سياسي وغرق إسرائيل في غزّة من دون هدف أو خطّة لليوم التالي.
أحزاب المعارضة أيضاً يعارضون الخطّة. يعتبر يائير لابيد احتلال غزّة “فكرة سيّئة جدّاً”
يخشى الجسم الدبلوماسي أن تفضي الخطّة إلى تعميق عزلة إسرائيل الدوليّة وإلى صدام مع الاتّحاد الأوروبي سيشمل عقوبات ضدّ إسرائيل، بينها إلغاء اتّفاق الشراكة مع إسرائيل الذي سيُلحق أضراراً اقتصادية هائلة بها، ومنع مسؤولين إسرائيليين من دخول أراضي الدول الأوروبية ودول أخرى. لكنّ نتنياهو لا يهمّه سوى السند الأميركي. إدارة دونالد ترامب وفّرت له ما أراد من دعم سياسي. لكنّها تريد أن تكون العملية مقيّدة زمنيّاً، ومشروطة بالتعامل الإنساني مع المدنيين. وتتشكّك في قدرة إسرائيل على نقل مليون مدني بأمان، وتأهيل مساحات كافية لاستيعابهم، ومنْع الكارثة الإنسانية المرتقبة.
الأهداف الخاصّة بنتنياهو
في المقابل، إصرار نتنياهو على خطّة الاحتلال الكامل يظهره مظهر “القائد القويّ الصارم”. رفضه لاحتجاجات الضبّاط المستائين من مواصلة القتال بلا جدوى غير الدمار، يرضي غرائز عشّاق الدم أمثال بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير. يؤكّد أنّ الأمر النهائي هو للسياسيين وليس للعسكر. يقيّد الدولة العميقة الليبرالية. يضعف خصومه في السلطة القضائية. يطيل عمر حكومته عبر تأجيل الانتخابات بذريعة الاستعداد للمعركة الفاصلة والعمل على إنجاز “النصر النهائي”.
قبل شهر، أوعز نتنياهو إلى الجيش بوضع خطّة لإقامة ما وصفه بأنّه “مدينة إنسانية” على أنقاض مدينة رفح المُدمّرة بالكامل، وتجميع مئات آلاف الغزّيّين فيها، تمهيداً لطردهم من القطاع، وهو ما يعني أنّ هذه “المدينة” ستكون عبارة عن معسكر ترانسفير. القاسم المشترك بين خطّتَي نتنياهو بإقامة “المدينة الإنسانية” واحتلال قطاع غزّة بالكامل هو تجميع الغزّيين جنوب القطاع تمهيداً أيضاً لطردهم النهائي. هذا هو “الحلّ النهائي” الذي يريده سفّاح تل أبيب. كلتا الخطّتين تُشكّلان جريمة حرب وجريمة ضدّ الإنسانية، تُضافان إلى جريمة تجويع الغزّيّين المتعمّد.
إعلان إعادة احتلال غزّة يعني دفن الحديث عن “اليوم التالي” ومن سيحكم القطاع. لا بل أكثر من ذلك، يعني تهشيم أيّ إمكان للحلّ السياسي
في الواقع لا خلاف جدّيّاً بين نتنياهو وزامير. الطرفان يؤيّدان استمرار الحرب لكن كلٌّ بطريقته. لا يوجد أيّ حديث في الحكومة والجيش عن إنهاء الحرب باتّفاق وقف نار وتبادل أسرى أو بأيّ اتّفاق آخر.
لا يوجد أصلاً في القطاع أراضٍ محرّرة حتّى يعاد احتلالها. كلّها محتلّة ومدمّرة. الجيش الإسرائيلي توغّل وانسحب وتوغّل مجدّداً مرّات عدّة في بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا في الشمال، وخان يونس ورفح في الجنوب، وهجّر السكان أكثر من مرّة، ثمّ أعادهم إلى مناطقهم. وهو اليوم يريد تهجيرهم مرّة أخرى إلى الجنوب. احتلال القطاع حاصل فعليّاً، والمحتلّ ينتشر في معظم أرجائه. ومع ذلك المقاومة باقية والعمليات المسلّحة مستمرّة وتقتل عشرات الجنود أسبوعياً ولا تزال تحتجز 50 أسيراً إسرائيلياً، حيّاً وميتاً. والضغوط الاستثنائية والعبء البشري والإنساني الكبير لم يدفعها بعد إلى الاستسلام وتسليم السلاح.
تغيير المشهد برمّته
وُضعت أهداف الخطّة الجديدة قبل 22 شهراً من بدء العدوان، ولم يتحقّق منها أيّ هدف سوى النكبة الإنسانية والإبادة البشرية، فكيف لها أن تحقّق الآن ما عجزت عنه طوال سنتين من التدمير والسبي المتواصل؟
يبدو نتنياهو كمن ينطح الحائط في خطّته. تؤكّد إعادة الاحتلال التحوّل في العقيدة الاستراتيجيّة الإسرائيليّة. لن تكتفي تل أبيب بالعمليّات العسكرية المحدودة لفرض تنازلات سياسية على الطرف الآخر. تريد إعادة تشكيل المشهد أمنيّاً وسياسيّاً بشكل جذري ليس في فلسطين وحدها بل في كلّ الإقليم. هذا لا ينطبق فقط على غزّة بل أيضاً على الضفّة الغربية ولبنان وسوريا وإيران إذا استطاعت.
إقرأ أيضاً: مؤامرة تستهدف مصر.. حلف إسرائيليّ – إخوانيّ
إعلان إعادة احتلال غزّة يعني دفن الحديث عن “اليوم التالي” ومن سيحكم القطاع. لا بل أكثر من ذلك، يعني تهشيم أيّ إمكان للحلّ السياسي والقضاء على حلّ الدولتين. وهذا من شأنه أن يضع المنطقة على طريق حرب أبديّة، تهدأ حيناً وتستعر أحياناً أخرى.