إيران بعد الحرب: العقلانيّة تحاصر الراديكاليّين؟

مدة القراءة 7 د

الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برفقة أعضاء لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان، لمبنى التلفزيون الإيراني الذي تعرّض خلال الحرب بين تل أبيب وطهران لنحو 11 صاروخاً إسرائيليّاً أدّت إلى تدميره، ليست زيارة بروتوكولية. فهي تأتي بعدما رفضت إدارة مؤسّسة الإذاعة والتلفزيون بثّ لقاء مسجّل مع الوزير تحدّث فيه عن تفاصيل حرب الأيّام الاثني عشر، التي لا تنسجم مع ذائقة وتوجّهات بعض الذين يتحكّمون بالإعلام الرسمي في إيران.

 

 

لا يمكن فصل هذه الزيارة عن التطوّرات التي حصلت في هيكلية الإدارة الاستراتيجيّة للنظام والدولة، فهي مرتبطة بشكل واضح وكبير بالتغيير الذي أجراه رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان على تركيبة المجلس الأعلى للأمن القومي، وعيّن بموجبه رئيس البرلمان وكبير المفاوضين السابق والمستشار السياسي للمرشد الأعلى علي لاريجاني أميناً جديداً للمجلس الأعلى للأمن القومي.

لم يُخرج التغيير الجديد أمين المجلس الأعلى السابق علي أكبر حمديان الذي يمثّل المرشد الأعلى في المجلس من دائرة القرار، فقد أسند إليه بزشكيان إدارة “مجلس الدفاع” المستحدَث في الأمن القومي، الذي حُدّدت مهامّه بوضع السياسات الاستراتيجية الجديدة للدولة والنظام وآليّات تعاطيها مع المطالب الشعبية، سواء في الداخل الإيراني أو الخارج المنتشر في العالم، بالإضافة إلى وضع استراتيجيات تساعد على جذب الاستثمارات وتعزيز الجانب الاقتصادي، ورسم خطط تواكب الأنواع المركّبة والجديدة للحروب الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

عودة لاريجاني إلى قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي للمرّة الثانية (الأولى بين 2005 و2007)، يمكن اعتبارها نهاية مرحلة وبداية أخرى جديدة

إعادة إنتاج منظومة السّلطة

كشفت هذه التحوّلات في هرميّة القرار الاستراتيجي بوضوح عن وجود توجّهات جديدة داخل النظام لإعادة إنتاج منظومة السلطة والقرار على أسس مختلفة. ذلك لأنّ تعيين لاريجاني في هذا الموقع يستوجب حتماً أن يكون ممثّلاً للمرشد الأعلى للنظام في الأمن القومي، فيما يرجّح احتفاظ أحمديان بعضويّته في هذا المجلس كفّة الاعتدال في الكوتا المباشرة للمرشد من أعضائه. وبالتالي، يعني هذا التعديل أنّ تأثيرات الممثّل الثاني للمرشد، أي سعيد جليلي، يجب أن تتراجع لمصلحة الاعتدال داخل دائرة القرار.

إضعاف تأثيرات جليلي، ما لم تنتهِ هذه التغييرات بخروجه بالكامل من المجلس الأعلى للأمن القوميّ، لا يمكن أن يكون تفصيلاً عابراً أو إجراءً روتينيّاً وإداريّاً. فهو يحمل الكثير من الدلالات على حصول تحوُّل في خطاب النظام على مستويَين:

  • الموقف من التفاوض مع المجتمع الدولي، إن كان مع الجانب الأميركي أو الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لأنّ القانون الذي أقرّه البرلمان قبل نحو شهر، ربط أيّ تفاوض، خاصة مع الوكالة الدولية، بتقديرات المجلس الأعلى للأمن القومي.
  • خطاب النظام المرتبط بعلاقته مع القوى التي تشكّل مكوّنات المشهد السياسي في إيران، ومن المفترض أن تستبعه إجراءات وتحوُّلات أخرى قد تشمل وتطال العديد من المواقع، وربّما أبرزها ما يتعلّق بآليّات عمل وتوجّهات الإعلام الرسمي الذي يخضع مباشرة لإشراف من المرشد الأعلى للنظام.

لاريجاني الذي يصفه معارضوه قبل مؤيّديه بأنّه لا يترك ملفّات مفتوحة أمامه أو وراءه، قد تشكّل عودته إلى موقع القرار اختباراً حقيقياً لوعود بزشكيان

التّغيير يطال الإعلام

من هنا كلام عراقجي أمام المبنى المدمّر للتلفزيون الإيراني عن أهمّية التنسيق بين الدبلوماسية والميدان والإعلام، باعتبارها ثلاثيّة استراتيجيّة في مواجهة الاعتداءات الخارجية ومخطّطات النيل من إيران والجمهورية الإسلامية، يعني أنّ التغيير لا بدّ أن يشمل أيضاً هذه المؤسّسة التي يشغل رئيسها بيمان جبلي مقعداً في الحكومة بصفته عضواً مستمعاً. وقد تكون الخطوة الأولى تغيير توجّهات هذه المؤسّسة التي يسيطر عليها خطاب التيّار الراديكاليّ المقرّب من جبهة الصمود “بايداري”.

بالتالي على رئيس هذه المؤسّسة أن يفصل حساباته عن حسابات الراديكاليّين، خاصّة مع نائبه وحيد جليلي شقيق سعيد جليلي الذي قد يكون أحد أثمان هذا التغيير في خطاب مؤسّسة الإذاعة والتلفزيون، بعدما حوّلها إلى منصّة للنيل من كلّ الحكومات والإدارات والمؤسّسات التي تتعارض في توجّهاتها مع توجّهات الجهة الراديكالية التي يمثّلها، ولم تسلم من نيرانه شخصيّات أساسيّة داخل مكتب المرشد الأعلى.

عودة لاريجاني إلى قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي للمرّة الثانية (الأولى بين 2005 و2007)، يمكن اعتبارها نهاية مرحلة وبداية أخرى جديدة، وعودة إلى الخطاب الأكثر عقلانيّة في التعامل مع الملفّات الاستراتيجيّة، وتحديداً الملفّ النوويّ، خاصّة أنّ لاريجاني لعب دوراً محوريّاً وأساسيّاً في إدارة هذا الملفّ، سواء عندما كان في منصب كبير المفاوضين، وكان قريباً من التوصّل إلى تفاهم مع الترويكا الأوروبية حينها. إلّا أنّ التخريب الذي لجأ إليه رئيس الجمهورية حينها محمود أحمدي نجاد أفشل هذا التفاهم، وأدخل إيران مع تولّي سعيد جليلي مهمّة التفاوض تحت سلسلة من عقوبات دولية صدرت عن مجلس الأمن الدولي كان أكثرها خطورة القرار رقم 1929 الذي جاء تحت البند السابع.

أبدى لاريجاني عندما كان على رأس السلطة التشريعية الكثير من المرونة التي كشفت عن انتقاله من موقع التشدّد إلى موقع الاعتدال، من خلال الدور الذي لعبه في تمرير الاتّفاق النووي عام 2015 والدعم الذي قدّمه لحكومة الرئيس حسن روحاني في رؤيتها الاقتصادية والسياسية، والتي وضعته في دائرة استهداف الجماعات الراديكالية المقرّبة من سعيد جليلي في جبهة الصمود “بايداري”.

لاريجاني الذي يصفه معارضوه قبل مؤيّديه بأنّه لا يترك ملفّات مفتوحة أمامه أو وراءه، قد تشكّل عودته إلى موقع القرار اختباراً حقيقياً لوعود بزشكيان بإحداثه تغييراً وتحوُّلاً في آليّات الحكم مدعوماً هذه المرّة من المرشد الاعلى، بعدما شعر الأخير بجدّية المخاطر التي تحيط بإيران والنظام خلال وبعد الحرب التي شنّتها إسرائيل في شهر حزيران الماضي.

إقرأ أيضاً: قطار المنطقة يتوقّف في محطّة جديدة.. اسمها بيروت

أضرار الحرب على النّظام

يبدو أنّ مسار إحداث تغيير في هرميّة النظام وإعادة إنتاجه وفق معطيات جديدة، لم يكن ليحصل لو لم تقُم إسرائيل بهجومها الكبير الذي خلّف أضراراً في جسد النظام قبل الخسائر في المنشآت العسكرية والنووية والاقتصادية. وقد تكون هذه الحرب قد أسهمت في إحداث نقلة نوعية، حيث ساعدت في فتح آفاق أمام السلطة التنفيذية لتأخذ موقعها ودورها الحقيقي في معادلة القرار داخل تركيبة النظام، خاصّة أنّ الجهات التي كانت تشكّل عوائق وعراقيل أمام هذا الدور قد خرجت من واجهة المشهد، أو هي في طور الخروج أو لجأت إلى إعادة النظر في آليّات تعاملها وخطابها الذي لم ينتج سوى المزيد من الأزمات لإيران.

مسار التغيير الذي بدأ من المجلس الأعلى للأمن القومي، من المفترض أن يطال نمط التعامل الذي اتّبعته المؤسّسة العسكرية لحرس الثورة مع المعادلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية والخارجية، خاصة أنّ القيادات التي كانت تتحكّم بتوجّهات وسياسات هذه المؤسّسة قد خرجت من المشهد اليومي نتيجة الضربات الإسرائيلية. من هنا يمكن فهم إشارة الرئيس بزشكيان في قرار تكليف علي أكبر أحمديان بمسؤوليّة “مجلس الدفاع”، إلى أنّ عليه العمل على ترميم الثقة بين النظام ومؤسّساته من جهة، والشعب من جهة أخرى، في الداخل والخارج.

مواضيع ذات صلة

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟   حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ…

رفيق الحريري… قراءة في المسار لا في الحدث

تمرّ إحدى وعشرون سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا يزال ذلك اليوم من شباط 2005 يبدو كأنّه اللحظة الفاصلة التي انكسر عندها إيقاع لبنان…