كان المرحوم يوسف جبران*، وهو من أبرز رجال القانون في لبنان، يعلّم طلّابه في كليّة الحقوق أنّ الإنسان يربح الدعوى مرّتين: مرّة عند صدور الحكم ومرّة عند التنفيذ. المعترضون على سلاح “الحزب” ربحوا الحكم في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة وبقي أمامهم أن يربحوا التنفيذ.
أمامنا مسافة زمنية تمتدّ حتّى آخر العام قبل معرفة النتيجة. لكنّ التصريحات الأولى لـ”الحزب” توحي بأنّه متصلّب ولن يسلّم سلاحه بسهولة بعدما أدخل عنصراً جديداً، ومستغرباً، في الجدال في هذه المسألة، بادّعائه أنّ سلاحه مشرّع باتّفاق الطائف. بتصلّبه هذا بات “الحزب” في مواجهة مع مذكّرة بارّاك وقرار الحكومة اللبنانية، وإذا لم يغيّر موقفه في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة فذلك يعني أنّ لبنان دخل أزمة مستعصية من شأنها أن تكرّس الانقسام السياسي في البلاد.
ظروف غير مناسبة
هبطت علينا هذه الأزمة في ظروف غير مناسبة لأنّ شلل عمل الحكومة والمجلس النيابي في المرحلة الراهنة يلحق أفدح الأضرار بمجموع الشعب اللبناني بما فيه بيئة “الحزب” وجماهيره. يكفينا هنا أن نلقي نظرة سريعة على أهمّ المسائل الاقتصادية التي تتطلّب قرارات ملحّة لانتشال لبنان من الدرَك الذي وصل إليه.
ينتظر المودعون في المصارف اللبنانية منذ ستّ سنوات أن تتقدّم الحكومة من مجلس النوّاب بمشروع قانون يوضح مصير ودائعهم. خلال السنوات الماضية اعتمدت الحكومة أسلوب التسويف والتأجيل والوعود الوهمية، بل الكاذبة، حتّى لا ينكشف أنّها لا تملك خطّة لإعادة الودائع كاملة لأصحابها. وفي الأسابيع الأخيرة أقرّ مجلس النوّاب مشروع قانون لا يفي بالغرض ولا يخدم قضيّة المودعين لأنّ تنفيذه معلّق على إصدار قانون معالجة الفجوة الماليّة.
لبنان بحاجة إلى حضور الدولة وعزمها لتحقيق نهضة اقتصادية بغية تعويض التراجع الاقتصادي في السنوات الماضية
الآن ينتظر المودعون صدور قانون معالجة الفجوة الماليّة على الرغم من الشكّ في نوايا الحكومة، التي ربّما تتهرّب من التقدّم بقانون سيكشف المستور ويبيّن أنّ الدولة لا تملك خطّة حقيقية لإعادة الودائع، وليس في جعبتها إلّا الشعارات. فإذا تعطّلت قدرة الحكومة على اتّخاذ القرارات وإعداد القوانين بفعل الخلاف على موضوع السلاح، فذلك يعني أنّ حقوق المودعين لا تزال في مهبّ الريح.
الموازنة والدّقّة المفقودة
أمام الحكومة مهلة خمسين يوماً تقريباً لكي تنجز مشروع موازنة 2026 وتحيله إلى مجلس النوّاب، إذا أرادت التزام المهلة المحدّدة في الدستور. والموازنة تتطلّب ورشة إصلاحية كبيرة لكي تقترب تقديراتها من الواقع لأنّ الموازنة الحاليّة أرقامها خياليّة وغير واقعيّة. فهي تلحظ عجزاً طفيفاً يبلغ حوالي 4.11 في المئة من النفقات المقدّرة وفائضاً أوّليّاً بحدود 1.3 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي. وللوصول إلى هذه الأرقام تتجاهل الموازنة نسبة كبيرة من خدمة الدين العامّ بحجّة أنّ لبنان متوقّف عن دفع ديونه بالعملات الأجنبية. والشفافية تقضي باحتساب فوائد الدين كلّها ولو بشكل مؤونات وليس تجاهلها، لأنّ الفوائد هي حقّ للدائنين ومن المحتّم أنّهم سيطالبون بها في المستقبل. وتتجاهل الموازنة مطالب الزيادات على رواتب موظّفي القطاع العامّ.

إنّ الدقّة المفقودة في تقديرات الإيرادات والنفقات هي عنصر بالغ الأهمّية لمعرفة الوضع الماليّ للدولة وتأكيد صدقيّتها تجاه الأسواق والمؤسّسات الخارجية، ولكي تستطيع الحكومة أن تبني سياساتها الاقتصادية والاجتماعية على أسس صحيحة.
أمامنا مسافة زمنية تمتدّ حتّى آخر العام قبل معرفة النتيجة. لكنّ التصريحات الأولى لـ”الحزب” توحي بأنّه متصلّب
لبنان بحاجة إلى حضور الدولة وعزمها لتحقيق نهضة اقتصادية بغية تعويض التراجع الاقتصادي في السنوات الماضية، حيث تفيد تقديرات المؤسّسات الدولية بأنّ الاقتصاد اللبناني شهد انخفاضاً تراكميّاً بنسبة 40 في المئة منذ سنة 2019. من جهة أخرى، لبنان على موعد مع استحقاق مهمّ في تشرين الثاني المقبل هو مراجعة مجموعة العمل الماليّ وضع لبنان على اللائحة الرمادية، وعدم إعادتها له إلى اللائحة البيضاء إلّا إذا حقّق شروطاً إصلاحية تتطلّب جهوداً كبيرة. في الانتظار وضعت أوروبا لبنان على لائحة البلدان العالية المخاطر، وهو ما يضع عراقيل أمام علاقاته التجارية مع البلدان الأوروبية ويحظر تعامله باليورو.
إقرأ أيضاً: الاقتصاد السّوريّ يسابق الاقتصاد اللّبنانيّ؟
هذه عناوين موجزة ومختارة للمهامّ المطلوبة من الحكومة والمجلس النيابي تعطي فكرة عن الدرَك الذي سيهبط إليه الاقتصاد اللبناني والمجتمع اللبناني إذا توقّفت السلطتان التشريعية والتنفيذية عن الاهتمام بهذه المسائل الحيوية لكي تنصرف إلى إدارة الصراع على مصير السلاح.
*يوسف جبران: قاضٍ ومحام ٍ ووزير لبناني راحل من مواليد مزرعة المطحنة عام 1919. رئيس محكمة التمييز ومجلس القضاء الأعلى سنة 1978. تولّى وزارة العدل والإعلام سنة 1997. توفّي عام 1999.
