“اقطعوا رأس شيخ الأزهر” دعوة خرجت بها صحيفة معاريف الإسرائيلية تطالب فيها بقتل شيخ الأزهر الكتور أحمد الطيب والاقتصاص منه. فما هي الأسباب؟
أثار نداء الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر من أجل غزّة الصادر في 22 تمّوز الماضي، والمحذوف بعد وقت قليل،الغضب الشديد في إسرائيل، إلى حدّ صدور دعوة من خلال صحيفة “معاريف” إلى قطع رأس شيخ الأزهر بوصفه “رأس الأفعى”. لكنّ ما الذي يميّز هذا البيان عمّا سبقه في الشأن الفلسطيني، وفي غزّة تحديداً؟ وهل للتوقيت معنى خاصّ؟ وهل حذف البيان أضرّ بانتشار المضمون أم العكس؟ البيان حَدَث كبير، وحذفه حَدَث أعظم، لفت الانتباه ليس إلى الإبادة الجارية، بل إلى ما هو أسوأ، وهو الصمت العالمي أو التواطؤ بعبارة أوضح.
أثار نداء الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر من أجل غزّة الصادر في 22 تمّوز الماضي، والمحذوف بعد وقت قليل،الغضب الشديد في إسرائيل
من أجل إدراك أهميّة البيان المحذوف لشيخ الأزهر، لا بدّ من إلقاء نظرة أوّلاً على الظروف التي صدر البيان-النداء في ظلالها. فهي كانت لحظة تصاعد الاعتراضات والإدانات الدولية إلى الذروة، بسبب استعمال التجويع أداة لتركيع غزة، وفرض الاستسلام عليها، في وقت اقترب فيه إعلان المنظّمة الدولية المعنيّة برصد الأمن الغذائي”Integrated Food Security Phase Classification (IPC)” وجود مجاعة في القطاع. هذا الإعلان الذي تأخّر كثيراً، علاوة على تأخّر بل تلكّؤ الدول الغربية بالدرجة الأولى، عن إدانة التجويع المتعمَّد لسكّان غزّة، لا سيما الأطفال الذين هم أوّل الضحايا. أمّا لماذا الصمت العالمي الذي أشار إليه شيخ الأزهر؟ فالجواب ببساطة هو كما يلي: إنّ الولايات المتّحدة ومعها حلفاؤها تتّفق تماماً على الهدف الإسرائيلي المعلن، وهو إلحاق الهزيمة الكاملة بحركة حماس. هم كلّهم متّفقون على الهدف، لكنّهم يختلفون مع إسرائيل على الوسيلة لتحقيق هذا النصر. وكان نتنياهو ومعه حكومة المتطرّفين يريدون تجويع غزة كي يستسلم المقاومون، منذ أيّام الرئيس السابق جو بايدن. رفض بايدن هذه الوسيلة، وهو ما أشار إليه نتنياهو لاحقاً. فلمّا فاز دونالد ترامب بالرئاسة، أقنعه نتنياهو بجدوى التجويع، تحت غطاء أنّ “حماس” تسرق المساعدات، مع تولّي شركة أميركية توزيع الغذاء على السكّان. وافق ترامب، الطامح إلى نيل جائزة نوبل للسلام، وأعطى نتنياهو مهلة زمنية محدّدة لتنفيذ السيناريو. وكما فعل الثنائي ترامب – نتنياهو في إيران، ولاحقاً في سوريا، من خداع وتمويه، قام به أوّلاً في غزّة، إبّان الهدنة الأخيرة ابتداء من 19 كانون الثاني المنصرم، التي شهدت تفاؤلاً كاذباً بإنهاء الحرب، من أجل استدراج قادة “حماس”، وإخراجهم من مخابئهمِ لاصطيادهم. وهو ما حدث حرفيّاً في هجوم مباغت يوم 18 آذار الماضي. أمّا السماح بإدخال شاحنات الغذاء والموادّ الأخرى في بدايات الهدنة، فكان تمهيداً لنقض الهدنة نفسها، وبدء أقسى مرحلة في الحرب، وهي إدخال غزّة في طور المجاعة فعليّاً مع استعمال كلّ أساليب الإنكار، ومنها تولّي “مؤسّسة غزّة الإنسانية” توزيع حصص الغذاء، فيتعذّر على الأمم المتّحدة إعلان دخول القطاع طور المجاعة. وفي الوقت نفسه، إطلاق النار عشوائياً على طوابير الجائعين، بحجّة منع أنصار “حماس” من الاستئثار بالمساعدات، وحظر دخول الصحافيين الأجانب لتوثيق ما يحدث. كان ذلك سيناريو التجويع المقنّع كما هو مفترض لولا أنّ الكاميرات كانت هناك لتصوير الفظائع. ولم تتمكّن إسرائيل من ردع الصحافيين في غزّة عن نقل الصورة الحقيقية، على الرغم من كلّ الاغتيالات الجماعية لهم ولأُسرهم. هذا السيناريو ليس بخافٍ على استخبارات الدول الغربية، لكنّها كانت تنتظر الراية البيضاء للاحتفال بالنصر. ومع مرور الأسابيع والأشهر، وثوران الرأي العامّ الغربي، راحت هذه الدول تضغط على إسرائيل، وتهدّد بالاعتراف بدولة فلسطين في أوّل أيلول المقبل، إن لم تتوقّف الإبادة. أمّا ترامب الحريص على جائزة نوبل، والذي يستقي معلوماته من قنوات تلفزيونية مؤيّدة لإسرائيل، لا من تقارير الاستخبارات، فتلقّى الاتّصالات من كلّ حدب وصوب. وعندها أدرك فقط خديعة نتنياهو له، قائلاً له: “ليست صوراً زائفة. إنّه تجويع”.
البيان الأخير للأزهر الشريف، المحذوف لاحقاً، وهو يعبّر طبعاً عن شيخ الأزهر نفسه، فتضمّن نداء عالميّاً لإيقاف المجاعة، وموقفاً قويّاً من كلّ من يساهم في دعم إسرائيل
البيان المحذوف
عقب عمليّة طوفان الأقصى، علّق شيخ الأزهر عليها قائلاً إنّ “الشعب الفلسطيني الأبيّ أعاد لنا الثقة وبثّ فينا الروح، وأعاد لنا الحياة بعدما ظننّا أنّها لن تعود مرّة أخرى”. وطالب الطيّب “العالم المتحضّر والمجتمع الدولي بالنظر بعين العقل والحكمة في أطول احتلال عرفه التاريخ الحديث، احتلال الصهاينة لفلسطين”، مؤكّداً أنّ “هذا الاحتلال هو وصمة عار على جبين الإنسانية والمجتمع الدولي الذي يكيل بمكيالين ولا يعرف سوى الازدواجية في المعايير حينما يتعلّق الأمر بالقضيّة الفلسطينية”. إلى ذلك، توالت المواقف عن مشيخة الأزهر. وفي الدورة الـ55 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، بين 25 كانون الثاني و6 شباط عام 2024، قدّم جناح الأزهر كتاب “الإمام وردّ المزاعم الصهيونية”. وفيه رصد لردود الشيخ الطيّب على جملة من المزاعم الصهيونية، ومنها الزعم بأن لا سبيل لإنهاء الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، وبأنّ المسلمين ليسوا دعاة سلام، وأنّ ما يقوم به الفلسطينيون من أعمال عنف وشغب هو من الإرهاب والتخريب، وأنّ اختيار فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود جاء لاعتبارات دينية، وأنّ لجميع اليهود حقّاً دينيّاً وتاريخيّاً في فلسطين، وأنّ الفلسطينيّين هم الذين باعوا أرضهم لليهود، وأنّ السلام هو قبول الآخر (وإن كان محتلّاً) والتسليم بالأمر الواقع وإظهار سماحة الأديان.
أمّا البيان الأخير للأزهر الشريف، المحذوف لاحقاً، وهو يعبّر طبعاً عن شيخ الأزهر نفسه، فتضمّن نداء عالميّاً لإيقاف المجاعة، وموقفاً قويّاً من كلّ من يساهم في دعم إسرائيل: “من يمدّ هذا الكيان بالسلاح، أو يشجّعه بالقرارات أو الكلمات المنافقة، فهو شريك له في هذه الإبادة، وسوف يحاسبهم الحَكَم العدل، والمنتقم الجبّار، يوم لا ينفع مال ولا بنون، وعلى هؤلاء الذين يساندونهم أن يتذكّروا جيّداً الحكمة الخالدة التي تقول: أُكلنا يوم أُكِل الثور الأبيض”. و تبّرأ أمام الله “من هذا الصمت العالمي المُريب، ومن تقاعس دوليّ مُخزٍ لنصرة هذا الشعب الأعزل، ومن أيّ دعوة لتهجير أهل غزّة من أرضهم، ومن كلّ مَن يقبل بهذه الدعوات أو يتجاوب معها”. وحمَّل الأزهر “كلّ داعم لهذا العدوان مسؤوليّة الدماء التي تُسفك، والأرواح التي تُزهق، والبطون التي تتضوّر جوعاً في غزّة الجريحة”.
إقرأ أيضاً: منظور ابن خلدون: سقوط الأسد وصعود الشّرع
لما حُذف البيان من موقع الأزهر، تكاثرت الانتقادات الشديدة لهذا، فكان ردٌّ من المركز الإعلامي للأزهر على ما أُثير من تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، أوضح أنّ هذا القرار (الحذف) جاء انطلاقاً من المسؤولية التي يتحمّلها الأزهر الشريف أمام الله عزّ وجلّ. وقد بادر بسحب بيانه حين أدرك أنّ هذا البيان قد يؤثّر على المفاوضات الجارية بشأن إقرار هدنة إنسانية في غزة لإنقاذ الأبرياء، وحتّى لا يُتّخذ من هذا البيان ذريعة للتراجع عن التفاوض أو المساومة فيها.
الحذف خدم مقصود البيان، بخلاف ما يعتقده المنتقدون. وهو وإن حُذف، لكنّه يبقى النداء الأخير قبل الكارثة التي لا يعرف أحد كيف ستكون عواقبها.
لمتابعة الكاتب على X:
