محمد السادس: لا غالب ولامغلوب مع الجزائر

مدة القراءة 6 د

صار الاحتفال بذكرى اعتلاء الملك محمد السادس العرش المغربي في 30 تموز من كل سنة، يتزامن مع المزيد من الاعترافات الدولية بانتماء الأقاليم الصحراوية إلى المملكة، في الصراع مع الجزائر وبوليساريو عليها. لكنها محطة على طريق رؤية عملية للنهوض الاقتصادي والعلمي بوتيرة استثنائية.

البارز هو القفزات النوعية والكمية في التصدي للصعوبات الداخلية، ما يحصّن دور المغرب ليتحول تدريجاً إلى لاعب رئيسي في الاستقرار الإقليمي. 

 

 

خطاب الملك محمد السادس في الذكرى الـ26 لاعتلائه العرش قبل يومين، لم يكن مجرد مناسبة احتفالية، بل لحظة تثبِّت القاعدة القائلة بأن التصدي لهموم الـ34 مليون مغربي بإنجازات ملموسة هو نقطة ارتكاز لقوة الدولة في الداخل والخارج. باتت “دبلوماسية الصبر” والمبادرات السلمية والاقتصادية تجاه الصحراء المغربية المتنازع عليها مع الجزائر، منذ انسحاب إسبانيا منها عام 1975، تقطف كل سنة، ثمار عمل دؤوب وطويل النفس. فالجزائر تدعم جبهة بوليساريو على مدى عقود، ما تسبب بتوتر مزمن بين الدولتين.

خطاب الملك محمد السادس في الذكرى الـ26 لاعتلائه العرش قبل يومين، كان لحظة تثبِّت القاعدة القائلة بأن التصدي لهموم الـ34 مليون مغربي بإنجازات ملموسة هو نقطة ارتكاز لقوة الدولة في الداخل والخارج

من مظاهر الانفتاح الخارجي

عام 2025 شهد إضافة إلى الدور النشط للمغرب بعد عودته إلى الاتحاد الأفريقي، ودعوته لإحياء الاتحاد المغربي، استعادة المغرب حضوره المشرقي. فبعد سقوط نظام بشار الأسد أقفل حكام سوريا الجدد مكتب جبهة بوليساريو في دمشق، ما دفع الرباط إلى إعادة فتح سفارتها.

في لبنان حيث كانت الرباط تمارس سياسة حذرة بفعل دور إيران و”الحزب” في دعم “بوليساريو، ينتظر أن تكون أولى الإشارات الإيجابية لمظهر سفارته النشطة في البلد الصغير، عودة الخطوط الجوية المغربية إلى تسيير رحلاتها قريباً جداً إلى بيروت…وتسهيل الحصول على تأشيرات السفر.

فلسطينياً نشطت الرباط بدعم حل الدولتين وشاركت في دعم وقف الحرب على غزة بمبادرات كثيرة بلا ضجيج…

حل “اللاغالب ولا مغلوب”  

بموازاة سحب العديد من الدول اعترافاتها ب “الجمهورية الصحراوية” المدعومة من الجار الجزائري، جدد العاهل المغربي ” مد اليد لأشقائنا في الجزائر”. عبّر في خطابه الأخير عن “استعداد المغرب لحوار صريح ومسؤول، أخوي وصادق، حول مختلف القضايا العالقة بين البلدين”. خاطب الجزائريين بترفع قائلاً: “الشعب الجزائري شعب شقيق، تجمعه بالشعب المغربي علاقات إنسانية وتاريخية عريقة، وتربطهما أواصر اللغة والدين، والجغرافيا والمصير المشترك”. وأخذ على نفسه مرة أخرى أن يكون انفتاحه هذا “التزاماً راسخاً”. إذ أكد “حرصنا على إيجاد حل توافقي، لا غالب فيه ولا مغلوب، يحفظ ماء وجه جميع الأطراف”. وفي هذا درجة عالية من الترفع.

يستند محمد السادس في “الالتزام الراسخ” بإنهاء الخصومة مع الدولة الجارة والتي تخللتها جولات سياسية وعسكرية، إلى تحقيق الرباط اختراقات دبلوماسية جديدة لمصلحتها. المزيد من  الدول تبنت مبادرته منذ عام 2007 بإجراء استفتاء في المناطق الصحراوية على قيام حكم ذاتي فيها تحت السيادة المغربية. أدى ارتفاع الدول الداعمة لتلك المبادرة إلى 116 دولة، إلى زخم دولي لمصلحة مغربية الصحراء الجنوبية، تتقدمها الولايات المتحدة الأميركية (منذ 2020) ومعظم الدول الأوروبية والأفريقية فضلاً عن تأييد دول مجلس التعاون الخليجي لها.

  • دخلت التكنولوجيا الاقتصاد المغربي بعد بناء بنية تحتية جامعية ومراكز أبحاث، رفدت صعود المغرب

الطموح الأطلسي: دور جيو اقتصادي سياسي محوري

لا يتوقف الدعم الدولي والأفريقي لاعتبار الأقاليم الصحراوية جزءاً من الوحدة الترابية للمغرب على حراك الرباط لهذا الغرض.

قام المغرب بمبادرات تتعدى مفاعيلها ذلك نحو صناعة دور اقتصادي استثماري تتقاطع فيه واجهته على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي مع دول عدة، وتتلاقى مصالح سكانه مع الموقع التجاري لجيرانه الأوروبيين من البوابة الإسبانية، ومع دول القارة الأفريقية التي ينتمي إليها، من بوابة المحيط الأطلسي. تشكل الأقاليم الصحراوية جزءاً من رؤية تنموية اقتصادية جيو اقتصادية وسياسية فذة.

من المبادرات التي أطلقها العاهل المغربي، إعلانه في 26  نيسان 2023  المبادرة الملكية الأطلسية، تحت عنوان “رؤية الملك: أفريقيا الأطلسية، من أجل منطقة قارية متكاملة ومزدهرة”. تقوم خريطة الطريق لهذه المبادرة على بناء ميناء الداخلة المسمى على إسم المدينة الواقعة في الأقاليم الصحراوية، والذي يفترض إنجازه في 2028، وعلى إنشاء الطريق السريع بين مدينتي تزنيت والداخلة في العمق الصحراوي، بهدف ربط الميناء بالعمق الأفريقي عبر موريتانيا التي تستفيد منه إضافة إليها على الساحل الإفريقي: السنغال، مالي، النيجر، بوركينا فاسو وتشاد. يؤهل هذا المشروع المزدوج وعماده المرفأ، المغرب لتكون واجهته البحرية الأطلسية، محطة للنقل البحري التجاري للمسافات الطويلة عبر المحيط الأطلسي نحو أفريقيا، الهند، أميركا وأستراليا… يضاف إلى هذا المشروع الواسع الأفق مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي من نيجيريا إلى المغرب…

ترفد هذه المبادرة مشاريع قريبة ومتوسطة المدى لتنمية اقتصاد الصحراء الغربية.

القفزات الإنمائية السريعة

كيف يستفيد المغرب من مشاريع كهذه بتكيف بنيته الاقتصادية وطاقاته البشرية معها؟.

الجواب عن هذا السؤال في وقائع النمو الاقتصادي المتسارع.

  • مما قاله محمد الخامس في خطابه إن “التراجع الكبير في مستوى الفقر متعدد الأبعاد، على الصعيد الوطني، من 11,9 في المائة سنة 2014، إلى 6,8 سنة 2024. غير أنه مع الأسف، ما تزال هناك بعض المناطق، لاسيما بالعالم القروي، تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة. لكنه قال أيضاً: “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”، قاصداً وجوب الاهتمام بالريف بالوتيرة نفسها في المدن، من زاوية البنى التحتية والتعليم وسائر المجالات.

إقرأ أيضاً: تغيير في المزاجين الأميركيّ والعربيّ

  • زائر المغرب يلمس ورشة تطور صناعي مذهل. بات بعض أصناف السيارات الخارجة من المصانع المحلية يصنّع بالكامل على أرضه ولا يقتصر على تركيب أجزائها المستوردة. أما صناعة الطيران فقد بلغت حداً أن ما من طائرة تخرج من المصانع الأميركية والأوروبية إلا وتحتوي على أحد أجزائها من الصناعة المغربية. وانطلاق تصنيع الطائرات المسيّرة لأغراض عسكرية ومدنية سيرفع عدد المستهلكين لصناعاته البالغ حالياً 3 مليارات حول العالم… خفّض ذلك مع مشاريع أخرى نسبة البطالة بقوة.
  • بات الذكاء الاصطناعي جزءاً رئيساً من تفعيل قطاعات صناعية لا حصر لها، إضافة إلى بدء تعميمه في المجال الطبي. دخلت التكنولوجيا الاقتصاد المغربي بعد بناء بنية تحتية جامعية ومراكز أبحاث، رفدت صعود المغرب.

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…

أردوغان في الرّياض والقاهرة: توازن إقليميّ جديد؟

لم تأتِ فكرة التحالف الثلاثيّ التركيّ – السعوديّ – المصريّ صدفة، بل هي نتاج سنوات من التوتّرات والتحدّيات المشتركة والفرص الضائعة في المنطقة. ويبرز التعاون…