مؤتمر حلّ الدّولتين: السعودية تُقلق إسرائيل

مدة القراءة 6 د

ما هي أهميّة مؤتمر حلّ الدولتين الجوهرية؟ هل هو المعبور الوحيد لتسوية القضيّة الفلسطينية؟ هل ينظّم مسوّدة واضحة عبر آليّات تنفيذية أممية بدون ثغرات؟ وهل تنجح الدعوات المفتوحة لأوسع اعتراف بالدولة الفلسطينية؟

 

 

انطلقت بالأمس مسيرة حلّ الدولتين مع مشاركة دولية واسعة وحازمة. ينعقد المؤتمر والعالم على شفير الفوضى والانهيار. إنّه الاختبار الصريح لأخلاقيّات وملاءة قوانين النظام الدولي والأممي. يعدّ بشكل حقيقي درب جلجلة ويعكف على تصحيح تقويم المسالك القديمة. سينقسم إلى مراحل متّصلة ومتراصّة. وتنبثق عنه حلقات عصف ذهني وفرق أعمال دوليّة، إضافة إلى ورش دبلوماسية استشارية وإنفاذيّة دائمة ودوريّة، وتضمّ خبراء وسياسيّين مخوّلين متابعة تفاصيله ومندرجاته، من أجل صياغة وسبك آليّات تنفيذية تتّصف بالمناعة الكافية للتحقيق وعدم الإفشال.

لا تشبه هذه الفعّاليّة كلّ سابقاتها، التي عُنيت مباشرة بالقضيّة الفلسطينية. تختلف كليّاً عن كلّ المبادرات والمساعي، إن من جهة طريقة طرح الفكرة إلى الخطوات العملية، التي يصار إلى التركيز عليها واتّباعها بطريقة دبلوماسية وتحفيزية مغايرة عن رتابة الواقع التقليدي. تهدف جميعها إلى نقل الفعّالية من تبديل في مرحلة رؤية الاجتماع الدولي من الصوريّة إلى مرتبة التوافق الدولي الشامل والقادرعلى تحويل مبدأ حلّ الدولتين إلى واقع ملموس.

لا يرتاح الكيان المحتلّ إلى مؤتمر حلّ الدولتين أبداً. يقلقه بالعمق. يعرف جوهريّاً أنّها مبادرة حقيقية واستثنائية. ستحاصره وستحاول أن تضع حدّاً لكلّ أخطاء ومغالطات المرحلة السابقة

قلق الكيان الإسرائيليّ

لا يرتاح الكيان المحتلّ إلى مؤتمر حلّ الدولتين أبداً. يقلقه بالعمق. يعرف جوهريّاً أنّها مبادرة حقيقية واستثنائية. ستحاصره وستحاول أن تضع حدّاً لكلّ أخطاء ومغالطات المرحلة السابقة، من إيقاف فترة الثمانين سنة الآفلة والحافلة بالصراعات والحروب، إلى القرارات والمبادرات الدولية التي نشف حبرها قبل التوقيع على الورق، واستُثمرت خطأ في القضيّة الفلسطينية، ولم تعطِ للشعب الفلسطيني حقّه الشرعي والقانوني والتاريخي. يستشيط الكيان الإسرائيلي غضباً، وممّا لا شكّ فيه أنّه يخطّط للقيام بردّة فعل جديدة، على شكل جولة عسكرية شرسة قد تكون داخل فلسطين المحتلّة أو لبنان أو في مكان آخر. لكن لن يتمّ تأجيله أو إلغاؤه هذه المرّة.

تتشارك المملكة العربية السعودية مع فرنسا في رئاسة هذا المؤتمر. يؤسّس لبرنامج متواتر ومستمرّ من أجل تحقيق هدفه النهائي. تنطلق المرحلة العمليّة الثانية منه في أيلول المقبل مع فاتحة الاعترافات الدولية، ومع إقرار فرنسا التاريخي والاستثنائي من على منبر الأمم المتّحدة بأحقّية وشرعيّة وقانونيّة الدولة الفلسطينية. ستتبعها العديد من الدول الأوروبية الكبرى مع دول من أميركا الجنوبية.

تقود المملكة العربية السعودية العالم في هذه المبادرة. تحاصر الكيان الإسرائيلي بالدبلوماسية والقانون وقوّة العقل. تواجه الولايات المتّحدة الأميركية بندّيّة فائقة. تكسر كلّ الخطط وتعيد رسمها وصوغها بما يتناسب مع المصلحة العربية وبما يخدم القضيّة الفلسطينية. صرّحت بتحذير دبلوماسي بأنّه ما من حلّ ولا سلام من دون دولة فلسطينية. وتتزعّم المملكة السعودية الريادة والقيادة في المنطقة العربية في محاولة لاسترجاع قوّة القانون والمواثيق الدولية، من فوهة التعنّت والتغوّل ومخالفات قوانين القوّة. إنّها طاقة كبيرة لا عودة عنها من الزخم السعودي في مصلحة القضيّة الفلسطينية، التي تعتبرها بوّابة الحلّ السياسي الاستقراريّ في الشرق الأوسط.

يقود مؤتمر حلّ الدولتين الرسم التخطيطي لتفكيك “حماس”، وحصر التمثيل الفلسطيني الشرعي بالسلطة الفلسطينية

حصر التّمثيل بيد الشّرعيّة الفلسطينيّة

يقود مؤتمر حلّ الدولتين الرسم التخطيطي لتفكيك “حماس”، وحصر التمثيل الفلسطيني الشرعي بالسلطة الفلسطينية. يسترجع أيضاً البريق الذي فقدته القضية الفلسطينية في سبيل بلوغ الدولة، بعدما وقع في أيدي الأفكار الموازية والأيديولوجيات المنحرفة، التي تعارض مفاهيم الدول. فكيف لمجموعات لا تؤمن بفكرة الدولة أصلاً، العمل من أجل الوصول إلى دول؟ وهو ما ينطبق على “حماس” وغيرها من الحركات والميليشيات، ومنها “الحزب” المسلّح في لبنان.

يأتي إعلان مؤتمر حلّ الدولتين، الذي يظلّله التحالف العالمي لدعم المشروع بدعم من الاتّحاد الأوروبي والنرويج وغيرهم، ليركّز على تنظيم الآليّات التنفيذية المفيدة والنافعة في سياق بلوغ حلّ الدولتين، سيما بعد قرار محكمة العدل الدولية الاستشاري، الذي تحدّث عن أنّ الاحتلال الإسرائيلي بات يشكّل مانعاً لإمكان السماح للشعب الفلسطيني بحقّ تقرير مصيره. بناءً على ذلك تشكّلت قناعة أممية مرتفعة نتيجة الضغط الدبلوماسي السعودي والمؤازرة الفرنسية بعد تغيّر المزاج الفرنسي بسبب حرب غزّة بضرورة عقد هذا المؤتمر.

إقرأ أيضاً: العالم أمام الاختبار: حلّ الدّولتين أم صراع مستدام؟

خصّصت مقدّمة المؤتمر لحماية رؤية حلّ الدولتين. فيما ستمهّد آليّاته المستقبلية لتحقيقه في النهاية بتعاون دولي وثيق جدّا. وسيتمّ ذلك عبر مستويين:

  • أوّلاً: يتعلّق بالمستوى السياسي عبر توسيع مروحة الاعترافات الدولية السياسية بالدولة الفلسطينية بحدود الرابع من حزيران 1967.
  • ثانياً: نضوج القناعة الدولية السياسية بأنّ جميع الأزمات التي تمرّ فيها المنطقة الشرق الأوسطية تتمحور حول القضية الفلسطينية، ولذلك يأتي إنهاء هذه الأزمات من خلال حلّ هذه القضية. ولا يوجد حلّ متاح سوى حلّ الدولتين.

تصحّح المملكة عبر هذه الفعّالية مسار أوسلو من جديد. تضفي عليه صفة التجديد المفيد بالتعاون مع فرنسا. نجحت الدبلوماسية السعودية النوعيّة في إقناع مروحة كبيرة من الدول المؤثّرة والكبرى في العالم بوجهة نظرها في حلّ القضية الفلسطينية. تنطلق مفاهيمها من توليفات الإجماع الدولي لمجموعة القرارات، التي سطّرت الهيكل الإرشادي لطرق الحلّ، وفي مقدَّمها فرنسا.

هل يحرّك المؤتمر مياه  القضية الفلسطينية الراكدة والضحلة؟ وهل تساهم مخرجاته المرتقبة في إنقاذ ما بقي من الأراضي الفلسطينية لتبصر الدولة النور؟

لمتابعة الكاتب على X:

@ElMehiedine

مواضيع ذات صلة

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…

إصرار “الثّنائيّ” على الانتخابات استباقٌ لمعادلات المنطقة

يختصر الخلاف اللبنانيّ على الانتخابات النيابيّة الصراع على موقع الطائفة الشيعيّة في التركيبة الداخليّة في مرحلة ما بعد حروب المنطقة. اكتسبت قيادتها الممثّلة بثنائيّ “الحزب”…

مؤتمر دعم الجيش: إعادة سلاح “الحزب” إلى سوريا..

تستعدّ باريس لتنظيم مؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ المعوّل عليه لمساعدة المؤسّسة العسكريّة في تنفيذ مهمّة حصر السلاح، حيث تدور في أجواء المؤتمر أربعة شروط يفترض…

واشنطن – طهران: هل تمنع المصالح المشترَكة الحرب؟

بالتزامن مع تحديد موعد ومكان الجولة الثانية من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، المقرّرة اليوم الثلاثاء  في مدينة جنيف السويسريّة، بدأت تتّضح صورة الملفّات المطروحة على…