عبدالله بوحبيب آخر الدبلوماسيّين الكبار

مدة القراءة 3 د

علّق رئيس حكومة سابق على تسمية عبدالله بوحبيب وزيراً للخارجية في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في أيلول 2021، حين كان يبلغ من العمر 81 عاماً، بالقول: “لقد تأخّر تعيينه في هذا المنصب 35 عاماً. كان من المفترض أن يأتي من سفارة لبنان في الولايات المتّحدة إلى قصر بسترس مباشرة، لكنّه ظُلم فأُبعد فظُلِمت معه الدبلوماسية اللبنانيّة”.

 

عبدالله بوحبيب هو بمنزلة الصندوق الأسود لطائرة الدبلوماسية اللبنانية التي ما حطّت يوماً على مُدرّج الأمان، ولم تسقط لكنّ رحلتها ما انتهت. هي دائمة التجوال في الهواء من مكان إلى مكان. يعرف عبدالله بوحبيب الكثير الكثير، لكنّه على الرغم من تصريحاته الكثيرة، ومقالاته الصحافية العديدة، لا يدخل في التفاصيل ومحاضر اللقاءات الدقيقة. فالمجالس أمانات فكيف إن كانت مجالس في عواصم القرار وكواليس صنع السياسة؟

رحل عبدالله بوحبيب عن 84 عاماً، إثر أزمة قلبية مفاجئة وفي جعبته الكثير من الأسرار. عاش الرجل الدبلوماسية بكلّ تفاصيلها منذ أن كان خبيراً اقتصاديّاً في البنك الدولي عام 1976، إلى أن عُيّن سفيراً للبنان في الولايات المتّحدة من أيّار 1983 حتّى شباط 1990 في عهد الرئيس أمين الجميّل، وعاد بعد ذلك إلى البنك الدولي عام 1992 مستشاراً لنائب منطقة الشرق والأوسط وشمال إفريقيا ورئيساً لوحدة الاتّصال الإقليمي.

من قماشة الرّؤساء

كان يرى فيه البعض قماشة رئيس للجمهورية. أمّا الكثيرون من أهل السياسة والمال والإعلام رأوا فيه خير مستشار، فعنده في لحظات الحسم يولد القرار. ربّما ما يمكن التوقّف عنده لدى عبدالله بوحبيب هو سرّ يتقدّم كلّ الأسرار ويتعلّق بورقة اتّفاق وقف إطلاق النار بعد حرب الاستنزاف. من المؤكّد أنّه لم يكن مفاوضاً ولم يكن صاحب قرار، فطبخة قرار وقف إطلاق النار وُضعت على نار عين التينة وسيّدها الرئيس نبيه برّي. لكنّ الرجل كان قريباً وحاضراً ليل نهار، وهو الذي كشف للـCNN في حينه أنّ السيّد حسن نصرالله قبل اغتياله بساعات أعطى موافقته على صفقة وقف إطلاق النار.

عبدالله بوحبيب هو بمنزلة الصندوق الأسود لطائرة الدبلوماسية اللبنانية التي ما حطّت يوماً على مُدرّج الأمان، ولم تسقط لكنّ رحلتها ما انتهت

مسيحيّ ملتزم

كان عبدالله بوحبيب دبلوماسيّاً حتّى النخاع، ومسيحيّاً ملتزماً مع ناسه وأهله، فهو من قال بعد الفراغ الرئاسي وتسلّم صديقه نجيب ميقاتي مقاليد قيادة الفراغ إنّ “الرئيس ميقاتي مخطئ بسلوكه تجاه السياسة الخارجية”، وهو يغمز هنا من صلاحيّات الرئاسة الأولى التي ينظر إليها الموارنة على أنّها قدس الأقداس.

يغيب عبدالله بوحبيب اليوم عن المشهد السياسي وقد أتعبته الدبلوماسية وأهلها وأنهكته بقايا الوطن، الذي تحدّث عنه محذّراً في حوار مع الزميلة رولا موفّق لإحدى وسائل الإعلام عندما قال: “لبنان لن ينهار لكنّنا اقتربنا كثيراً كثيراً من الانهيار”. ميزة عبدالله بوحبيب التي يختلف بها عن باقي الدبلوماسيين أنّه حاضر دوماً وأبداً للردّ على أيّ اتّصال هاتفي من إعلامي أو صديق أو طالب حاجة، وصريح إلى أبعد الحدود بالقول إنّه قادر على ذاك الشيء أو عاجز عن تحقيق أيّ شيء.

عبدالله بوحبيب من طينة الكبار. يرحل في عزّ الضائقة السياسية والوطنية وتزاحم الأخطار. يرحل عن لبنان وفي القلب غصّة أنّه عندما كان مستشاراً أبدع نصحاً وعندما بات وزيراً باتت النصيحة مع مجّانيّتها لا تُعطى أيّ اعتبار. قد يكون عبدالله بوحبيب آخر الدبلوماسيين الكبار. لمَ لا وما نسمعه من أسماء دبلوماسية تجعلنا نحنّ إلى زمنه الجميل كما نحنّ إلى أغاني عبدالحليم وصباح وجيل الكبار.

مواضيع ذات صلة

محسن دلّول… رجلُ الممرّات الخلفيّة في تاريخٍ صاخب

ليس سهلاً اختصار حياة محسن دلول الذي رحل عن ثلاثة وتسعين عاماً، في توصيف سياسيّ مباشر، ولا في سيرة تقليديّة تُعدّد المناصب والسنوات. الرجل الذي…

رحل محسن دلّول.. ناقل بريد السّياسيّين

ملتسبة وصعبة هي الكتابة عن محسن دلول، تماماً كحياته. فهي كتابةٌ تورّطك قبل أن تصنع في آخر الورطة مخرجاً، وتحرجك حين تتحوّل الحقائق إلى ألغام…

محمّد بركات حامل مفاتيح الجنّة

“دار الأيتام وجدتني، وأنا وجدت نفسي. الانتماء قضيّة أساسيّة، وأنا اعتبرت أنّ الله اختارني لمنصب مدير مؤسّسة الأيتام. أمّا التصاق اسم شخص بعمل معيّن، فهذا…

نوح وسفينته خلف القضبان: طوفان الدّولة؟

لم يكن توقيف نوح زعيتر قبل أيّام بموجب مئات المذكّرات خبراً أمنيّاً عابراً. بدا كأنّه صدمة صغيرة في بلد اعتاد الصدمات، لكنّها هذه المرّة تمسّ…