الذّكاء الاصطناعيّ في المناهج السّعوديّة: مستقبل معرفيّ مستدام

مدة القراءة 5 د

في إطار رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي تهدف إلى بناء اقتصاد معرفيّ متقدّم، أعلنت الجهات المعنيّة بالتعليم، وعلى رأسها وزارة التعليم والمركز الوطني للمناهج، بالتعاون مع وزارة الاتّصالات وتقنيّة المعلومات والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، إطلاق منهج دراسي متخصّص في الذكاء الاصطناعي سيتمّ تطبيقه تدريجاً في جميع مراحل التعليم العامّ بدءاً من العام الدراسي 2025–2026.

 

 

تنطلق هذه الرؤية من مبدأ أنّه لا يمكن مواكبة التعليم بالمنهجيّات القديمة. ويأتي هذا التوجّه الاستراتيجي استجابة للتحوّلات العالمية المتسارعة في مجال التقنيّات الرقميّة والتحوّل الرقميّ، وسعياً إلى تمكين الأجيال المقبلة من تطبيقات المستقبل، على أساس أنّ المستقبل لِمن يجيد الرقمنة. إذ يتضمّن المنهج وحدات تعليميّة مصمّمة بطرق تربوية تراعي الخصائص العمريّة المرتبطة حتماً بالنموّ العقليّ والجسدي والعاطفي للطلّاب، مع الحرص على أن تُدرّس هذه التقنيّات بأساليب تفاعليّة وتطبيقية، مع ربط معرفيّ بين المراحل الدراسية لضمان تراكم المهارات وتنميتها بشكل منهجيّ.

إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم لا يُعدّ ترفاً تقنيّاً، بل ضرورة استراتيجيّة تفرضها طبيعة العصر الرقميّ

ليس أكسسوارًا للزينة

من المؤكّد أنّ إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم لا يُعدّ ترفاً تقنيّاً، بل ضرورة استراتيجيّة تفرضها طبيعة العصر الرقميّ. فالتعليم التقليدي، مع أهمّيته، لم يعد كافياً لتأهيل الطلاب لمواجهة تحدّيات سوق العمل المستقبليّ، الذي يتطلّب مهارات تحليلية، وقدرات على التكيّف، وفهماً عميقاً للتقنيّات الرقميّة وللذكاء الاصطناعي.

بحسب ما بات ضرورة، فإن إدخال الذكاء الاصطناعي في صلب المنهج التعلُّمي ليكون مقرَّراً تعلُّميّاً وعلماً قائماً بذاته، وليس أكسسواراً للزينة للاستخدام السلبي، وبتقديم وتعليم كلّ ما يحيط به معرفيّاً في كيفيّة استخدامه أو كيفيّة بنائه، سيحقّق ما بات عدّة خصائص إيجابية تتعلّق أوّلاً بتخصيص التعليم عبر أنظمة التعلُّم التكيّفي، إذ يمكن تكييف المحتوى وفقاً لاحتياجات كلّ طالب، وهو ما يعزّز من فعّالية التعلّم ويقلّل من الفاقد التعليميّ. ويحسّن ذلك من جودة التدريس من جرّاء أدوات تحليل الأداء، إذ يمكن للمعلّمين تتبّع تقدّم الطلاب بدقّة واتّخاذ قرارات تعليمية مبنيّة على بيانات. وانطلاقاً من رؤية المملكة لتعزيز الابتكار، يتيح تعليم الذكاء الاصطناعي للمتعلّم إمكان التفاعل مع بيئات تعليمية غامرة، وتطوير حلول إبداعية لمشكلات واقعية. ومن ناحية موازية يعتبر التمكّن من تطبيقات الذكاء الاصطناعي فرصة تساعد في التعلّم مدى الحياة الذي بات ضرورة تتيح للمتعلّمين الاستمرار في تطوير مهاراتهم خارج حدود الصفّ الدراسي، لأنّ مواكبة التغيّرات تتطلّب تعلُّماً دائماً، وخاصّة أنّ التغيّرات الرقمية متسارعة وتتطلّب تأقلماً متواصلاً معها.

أمّا من الناحية البنائيّة، فالتحوّل الرقمي في التعليم وتعلّم الخوارزميّات للصفوف الابتدائية أو للصفوف العليا والجامعية يساعد في تخطّي العقبات ويساعد في فهم وطرح الحلول المنطقية لأنّ الذكاء الاصطناعي يتطلّب معرفة في الرياضيات وفي علم البيانات وكلّ ما يحيط بهما من كفايات تساعد في بناء الخوارزميّات بما يتناسب مع متطلّبات المجتمع.

ليس أخذ قرار إدخال الذكاء الاصطناعي في المنهج التعليمي في السعودية خبراً عاديّاً، فالاستثمار في التعليم قرار استراتيجي

نقلة نوعيّة

على الرغم من التحدّيات فإنّ استثمار المملكة في الذكاء الاصطناعي من خلال تمكين مليون شابّ وشابّة من تعلّم تقنيّات الذكاء الاصطناعي، كما أُعلن سابقاً خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي الذي عُقد في الرياض السنة الماضية، سيساعد في نجاح المبادرة التي ستؤدّي إلى النموّ والتطوير بما يتناسب مع رؤية 2030 التي يأخذ التحوّل الرقمي حيّزاً مهمّاً فيها، ويساعد في بناء الإنسان المحترس رقميّاً، ويساعد في الاستثمار في رأس المال البشري الذي يُعتبر حاليّاً عصب التغيّرات الاقتصادية والثقافية كافّة.

إنّ دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم السعودي يمثّل نقلة نوعيّة في مسار تطوير المنظومة التعليمية، ويعكس وعياً استراتيجيّاً لأهمّية بناء جيل قادر على التفاعل مع متغيّرات العصر، والمساهمة في صياغة مستقبل أكثر ابتكاراً واستدامة، إذ لا يمكن مواكبة العصر بمفاهيم ومناهج كان لها دورٌ سابقاً، لكن بات من الضروري تطويرها لكي تتلاءم مع الثورة المعرفية الرقمية. ستساعد أيضاً هذه المهارات في توطين الرقميّات وبنائها بما يتناسب مع اللغة العربية وتعزيز محتواها الرقمي، وبما يتناسب مع التشريعات والقيم والأخلاقيات في المملكة، وبالتالي عربيّاً وعالميّاً.

إقرأ أيضاً: اختتام “قمّة الـAI العالميّة”: السّعوديّة تقود المستقبل الرّقميّ

ليس أخذ قرار إدخال الذكاء الاصطناعي في المنهج التعليمي في السعودية خبراً عاديّاً، فالاستثمار في التعليم قرار استراتيجي بحاجة ماسّة إلى أمرين أساسيَّين: الإدارة التي تعمل على البناء المثمر، والإرادة من خلال القوّة الداخلية والتصميم، وهذا ما يتيح التطوّر في المملكة العربية السعودية.

مواضيع ذات صلة

طبول الحرب في إيران تُسمَع من العراق… إلى لبنان

أحكمت البوارج الأميركيّة الطوق، ليس فقط على إيران، بل على المنطقة الممتدّة من طهران إلى لبنان. انقلبت الطاولة في العواصم الأربع التي تغنّى، عام 2015،…

الشرع يؤسّس لمرحلة جديدة: نحو سوريا واحدة موحّدة

بعد أيام قليلة على اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، دخل الاتفاق بين الطرفين حيّز الإعلان الرسمي، كاشفًا…

“انتحار” الحزب بيد الحرس: مشاغلة الدفاعات الجوية المعادية

هل يدخل “الحزب” المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة إن حصلت؟ سؤال يتكرّر في أذهان وعلى ألسنةِ المُراقبين في لبنان والخارج. وهل فعليّاً يمتلك “الحزب” الأدوات المطلوبة…

انقلاب على نوّاف سلام؟

لم تكن المصادقة على موازنة 2026 أمراً مشكوكاً فيه، لكنّ الثقة الهزيلة التي نالتها بأكثريّة 59 صوتاً تعبق بالرسائل السياسيّة، وتؤسّس لمرحلة صعبة ستواجه حكومة…