الحديث عن الدولة اللبنانية وبنائها هو شغل اللبنانيّين الشاغل. لا تنفكّ الألسنة اللبنانية تلهج بها، وكذلك المخيّلات. لكنّها، على الرغم من كثرة الحديث عنها، تبدو حلماً بعيد المنال، عصيّ التحقّق، أقرب إلى أضغاث الأحلام منها إلى الرؤيا.
المدقّق في صفات الدولة المنشودة، وحدودها الجغرافية والسياسية، الحقيقية والمتخيّلة، سرعان ما يكتشف أنّ المنشود دولٌ لبنانية لا دولة واحدة. لكلٍّ دولته، وكلّ يغنّي على تخومها، وتكاد هذه الدول المنشودة إذا ما تحقّقت تفتتح حرباً فيما بينها لا تبقي لبنانيّاً واحداً لينشئ دولةً أو حتّى ليحلم بها.
دولة واحدة لأوطان كثيرة
مردّ كثرة الدول هذه إلى اللبنانات المتعدّدة المقيمة في أذهان الطوائف والمكوّنات اللبنانية. فما لم يتمّ الوصول بين اللبنانيين، أفراداً وطوائف وإثنيات، إلى تعريف واحد للبنان، فكيف تنشأ دولة؟ بمعنى آخر: كيف تكون دولة واحدة لأوطان كثيرة، أو لوطن بتعريفات كثيرة وحدود متحرّكة وانتماءات ترتبط بتواريخ بعضها يرجع إلى آلاف السنين؟
كيف نتّفق نحن اللبنانيّين على المستقبل ونحن مختلفون على الماضي؟ كيف نبني دولةً ونحن نختلف في الوطن وعليه؟ كيف نبني دولةً لنا كلّنا ونحن نعيش في لبنانات: لبنان المقاومة، ولبنان الدور والرسالة، ولبنان السياحة والفندق والملهى والفكر والإعلام والنشر، ولبنان المرفأ والمطار و”صلة الوصل”. لبنان القويّ بضعفه، ولبنان القويّ بقوّته أو الضعيف بقوّته!
لكلّ لبنان دولة. لبنان المعنيّين وفخر الدين تختلف دولته وخصائصه وحدوده وتركيبته عن لبنان القائمقاميّتين والمتصرّفية الذي يختلف بدوره عن لبنان الكبير المختلف بطبيعة الحال عن لبنان العربي المختلف بدوره عن لبنان “ولاية الفقيه”… نحن عمليّاً لبنانيون مختلفون في لبنانات متعدّدة ومختلفة، بل متناقضة: لبنان الدرزي ولبنان الماروني ولبنان السنّي ولبنان الشيعي… تعدّدت اللبنانات واللادولة واحدة، بالإذن من المتنبّي.
لبنان في الأساس “مرقد عنزة”. مرقد عنزة اتّسع حتّى بلع سهولاً وجبالاً وصارت مساحته 10,452 كلم2
طوائف ولبنانات
لا يقف التمايز بين اللبنانات هذه عند حدود الطوائف. في كلّ طائفة لبنانية أكثر من لبنان. لبنان “القوّات اللبنانية” يختلف عن لبنان “التيّار الوطني الحرّ”، عند الموارنة. لبنان “الحزب” لا يشبه لبنان حركة “أمل”، وهذان اللبنانان لا يشبهان لبنان كامل الأسعد، عند الشيعة. لبنان رفيق الحريري أيضاً يختلف عن لبنان رشيد كرامي أو لبنان “المرابطون” عند السنّة.
أما عند الدروز، فلبنان كمال جنبلاط الأوّل، يختلف عن لبنان كمال جنبلاط الأخير، وإن جمعت بين لبنانَيْه وشائج وصلات قربى. فلبنان فخر الدين لا يشبه لبنان الجبل أو لبنان غورو الذي لا يشبه بدوره لبنان الحسم العسكري والعزل السياسي ولبنان منظّمة التحرير الفلسطينية.
لبنان الفينيقيّ ليس لبنان ذا الوجه العربي الذي بدوره ليس لبنان ذا الوجه الواحد حسب المتنفّذ الإقليمي والراعي الدولي. لبنان كما قال كمال الصليبي “بيت بمنازل كثيرة”، وهو أيضاً وطن بوجوه عدّة، أو وطن بأكثر من وجه، حسب موازين القوى الداخلية، بين الطوائف والإثنيّات، وموازين القوى الخارجية، الإقليمية والدولية.
“مرقد عنزة” بلع وطناً
لبنان في الأساس “مرقد عنزة”. مرقد عنزة اتّسع حتّى بلع سهولاً وجبالاً وصارت مساحته 10,452 كلم2. ولبنان ثغور أيضاً. ولبنان مقرّ وممرّ. ولبنان “محافظة سوريّة تابعة لريف دمشق”، كما أعلن “أسديّون” ذات هيمنة سوريّة. ولبنان “أكناف بيت المقدس”، ولبنان فينيقيا، ولبنان سويسرا الشرق، ولبنان طهران متقدّمة أو طهران على تخوم إسرائيل. هو وطن بين الجنّة والنار، بين البحر والجبل. وهو وطن على رؤوس الجبال، وهو أيضاً وطن الوديان.
لبنان الفينيقيّ ليس لبنان ذا الوجه العربي الذي بدوره ليس لبنان ذا الوجه الواحد حسب المتنفّذ الإقليمي والراعي الدولي
لبنان فكرة، فكرة عصيّة على الترجمة إلى دولة وشعب، وطن هيهات أن يضيق ليصير حدوداً ثابتةً ودوراً محدّداً وحتّى رسالة كما أعلن البابوات. إنّه وطن يضيق ويتّسع حسب الظروف. حدّد لمن الغلبة في الـ10,452 كلم2، ترسم حدود لبنان سريعاً وتحدّد دوره وتُبنى الدولة من تلقاء نفسها. هو وطن مؤجّل، وطن رحبانيّ: موجود وغير موجود، قائم وغير قائم، ونهائيّ وغير نهائيّ… فكيف نبني دولةً؟ ولأيّ لبنان نبنيها؟
أوّل المستحيلات وآخرها
تبدو الدولة اللبنانية المنشودة، اليوم، ثامن المستحيلات، وربّما أوّلها. لبنان خطاب القسم الذي أعلنه الرئيس جوزف عون وتبنّاه الرئيس نوّاف سلام وشُكّلت الحكومة بموجبه، ليس لبنان “القوّات اللبنانية” التي “لا يشبهها الآخرون” في لبنان، وليس لبنان “الحزب” لبنان “الدولة القادرة والمقاوِمة والصامدة”. على الرغم من ذلك، يمضون كلّهم على طريق لبنان هذا: الداعي، والموافق على مضض، والقابل حتّى تنتهي العاصفة، والمتحمّس إلى حين. المقتنع، والقانع… والمقنَّع.
لبناء الدولة تحتاج إلى بلورة فكرة، فكرة تحتلّ عقول اللبنانيين كلّهم. فاللبنانيون طوائف، بمعنى جماعات، وهذا صحيح. لكنّهم في الوقت عينه أفراد. تركيبة فريدة لا يعرف سرّها إلّا الله. تعدّد ينفلش في لحظة ويتفلّت، ثمّ يُحدَّد ويُضبط في ثانية. تشتعل الحرب فيه بثوانٍ، ثمّ يندلع السلم والعيش المشترك بثوانٍ، كأنّ شيئاً لم يكن.
إقرأ أيضاً: من يجرؤ على إعلان الهزيمة؟
الدولة اللبنانية، لتكون أو لتقوم، تحتاج إلى توافق، توافق حقيقي، عقد اجتماعي جديد فيه كلّ الحبّات اللبنانية. كلّ قيامة لها “بالإكراه” أو “بالفرض” أو “بالغلبة”، تحمل بذور زوالها. بلا توافق ربّما تقوم دولة على الـ10,452 كلم2، لكنّنا لا نحتاج إليها. الدولة المنشودة هي الدولة القائمة على لبنان الفكرة، لا لبنان الجغرافيا والتواريخ. وأمّا الفكرة فتحتاج إلى حرّية وأقلام وحبر… لا إلى دعم دولي أو غلبة داخلية أو إسناد إقليمي.
لمتابعة الكاتب على X:
