إنّ مسألة إمكان تفتّت إيران نتيجة حرب محتملة هي قضيّة معقّدة ومثيرة للجدل، وتعتمد على طبيعة الحرب، وشدّتها، ومدّة استمرارها، وردود الفعل الداخلية والخارجية. لا يوجد إجماع بين المحلّلين على سيناريو واحد، لكن يمكن استعراض الاحتمالات والسيناريوهات الممكنة.
احتمال تفتّت إيران موجود، لكنّه ليس مؤكّداً، ويعتمد على عدّة عوامل. إيران دولة متعدّدة الأعراق تضمّ مجموعات كبيرة مثل الأذريّين، الأكراد، البلوش، العرب وغيرهم. تاريخيّاً، كانت هناك حركات انفصالية في بعض هذه المناطق. من هنا، يمكن لحرب شاملة أن تزيد من حدّة هذه التوتّرات وتغذّي النزعات الانفصالية، خاصّة إذا تدهورت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بشكل كبير. وتواجه إيران تحدّيات اقتصادية كبيرة وعقوبات مستمرّة، بالإضافة إلى استياء شعبي متزايد بسبب قضايا الفساد والقيود الاجتماعية والسياسية. قد يؤدّي التصعيد العسكري إلى تفاقم هذا الاستياء، وقد يتحوّل إلى اضطرابات داخلية واسعة النطاق تهدّد استقرار النظام ووحدة البلاد.
النظام الإيراني، وبخاصّة الحرس الثوري، لديه بنية أمنيّة قويّة وقدرة على قمع الاحتجاجات والاضطرابات الداخلية. وقد يؤدّي أيّ تهديد خارجي كبير إلى “التفاف حول العلم” وتوحيد الصفوف خلف القيادة، حتّى من قبل بعض المعارضين للنظام. إذا كانت أهداف القوى الخارجية هي “تغيير النظام” في إيران بشكل مباشر، فقد تسعى إلى دعم الحركات الانفصالية أو المعارضة الداخلية لزعزعة استقرار البلاد. ولكن إذا كانت الأهداف تقتصر على “تحييد” القدرات النووية أو الصاروخية، فقد لا تسعى إلى تفكيك دولة إيران.
بين التّدرّج أو الحسم
لذلك توجد عدّة سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب مع إيران تراوح بين التصعيد المحدود والحرب الشاملة.
توجد عدّة سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب مع إيران تراوح بين التصعيد المحدود والحرب الشاملة
السيناريو الأوّل هو استمرار المناوشات المحدودة والضربات الانتقامية المتبادلة، التي قد تكون مباشرة أو عبر الوكلاء، مع تجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة. تنتهي هذه الحرب عادة بتفاهمات ضمنيّة أو علنيّة بوساطة أطراف ثالثة لوقف الضربات المباشرة، مع بقاء التوتّر وقواعد اشتباك غير معلنة. وهذا يعني أن تكبح إيران جماح بعض وكلائها، وإسرائيل توقف الغارات العلنية على الأراضي الإيرانية. هنا يصبح احتمال التفتّت منخفضاً، ويبقى النظام قادراً على إدارة هذا النوع من الصراع.
السيناريو الثاني هو تصعيد تدريجي ومتقطّع، يشمل ضربات على البنية التحتية العسكرية والاقتصادية، وعمليّات تخريب إلكترونية، وربّما استهداف شخصيّات رئيسية. قد تشارك دول أخرى بشكل غير مباشر أو محدود. وقد تنتهي هذه الحرب بضغط دولي هائل على الطرفين لوقف التصعيد، أو بصفقة سياسية تفرض قيوداً على برنامج إيران النووي والصاروخي مقابل تخفيف العقوبات. هنا يصبح احتمال التفتّت متوسّطاً. فإذا أدّت هذه الحرب إلى تدهور اقتصادي ومعيشي كبير وطويل الأمد، قد يزداد الاستياء الشعبي وتتفاقم التوتّرات العرقية، وهو ما يضع ضغطاً هائلاً على النظام.
السيناريو الثالث هو الحرب الشاملة مع هدف “تغيير النظام” عبر تصعيد عسكري واسع النطاق يهدف إلى تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كامل، وربّما الإطاحة بالنظام. وقد تشارك الولايات المتّحدة بشكل مباشر وبقوّة. فإذا نجحت القوى المهاجمة في شلّ قدرات إيران العسكرية والأمنيّة، فقد يؤدّي ذلك إلى انهيار النظام من الداخل نتيجة ضغط شعبي وعرقيّ. هذا هو السيناريو الذي قد يفضي إلى تفكّك إيران، مع احتمال ظهور كيانات إقليمية مستقلّة أو شبه مستقلّة. لكن حتّى لو انهار النظام المركزي فمن غير المرجّح أن يؤدّي ذلك إلى استقرار فوريّ. قد تندلع حرب أهليّة داخليّة بين الفصائل المختلفة، وقد تتحوّل المقاومة إلى حرب عصابات طويلة الأمد تستنزف القوى الخارجية وتتسبّب في فوضى عارمة.
احتمال تفتّت إيران موجود، لكنّه ليس مؤكّداً، ويعتمد على عدّة عوامل. إيران دولة متعدّدة الأعراق تضمّ مجموعات كبيرة مثل الأذريّين، الأكراد، البلوش، العرب وغيرهم
سيناريو كهذا سيجذب بالضرورة قوى إقليمية ودولية أخرى، مثل روسيا، الصين، تركيا ودول الخليج، للدفاع عن مصالحها، وهو ما قد يحوّل الحرب إلى صراع إقليمي أوسع وأكثر تعقيداً. احتمالات التفتّت عالية جدّاً في حال تحقّق هذا السيناريو، لكنّه سيناريو شديد الخطورة ولا ترغب فيه معظم الأطراف الدولية بسبب تبعاته الكارثية.
تداعيات هائلة
السيناريو الرابع هو أن تقوم إسرائيل وربّما الولايات المتّحدة بشنّ ضربات عسكرية مركّزة لتدمير أو إضعاف قدرات إيران النووية والصاروخية بشكل كبير. بعد تحقيق هذه الأهداف، يتمّ الضغط على إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات والقبول باتّفاق نووي جديد أكثر صرامة. النهاية هي اتّفاق دبلوماسي يفرض قيوداً دائمة على البرنامج النووي الإيراني، وربّما على برنامج الصواريخ البالستية، مقابل تخفيف العقوبات. هنا يبقى احتمال التفتّت منخفضاً، فالهدف ليس تفكيك إيران بل تغيير سلوكها وقدراتها.
العوامل المؤثّرة في السيناريوهات المتعدّدة تعتمد على مدى التدخّل الأميركي. فالدور الأميركي سيكون حاسماً في تحديد مسار أيّ حرب. هل تنخرط واشنطن بشكل مباشر أم تقدّم دعماً لوجستيّاً واستخباريّاً فقط؟ والعنصر الآخر يعتمد على كيف ستتفاعل روسيا والصين مع أيّ تصعيد كبير. هل تقدّمان دعماً لإيران؟ وهل يؤدّي الضغط الخارجي إلى توحيد الصفوف أم إلى تصدّع في الداخل؟ وهل تكون ردود إيران متناسبة أم توسّع نطاق الحرب إقليميّاً؟
إقرأ أيضاً: أهداف الحرب على إيران: هيمنة أميركا على الشّرق (2/3)
في الوقت الحالي، يبدو أنّ الأطراف الرئيسية، خاصّة الولايات المتّحدة وإيران، تسعى إلى تجنّب حرب شاملة يمكن أن تؤدّي إلى تبعات كارثية على المنطقة والعالم. لكنّ “حرب الظلّ” والضربات المحدودة قد تستمرّ، مع خطر دائم بسبب تصعيد غير محسوب. سيناريو تفكّك إيران هو إحدى أسوأ النتائج المحتملة لحرب شاملة، وستكون له تداعيات هائلة على الاستقرار الإقليمي والدولي.
لمتابعة الكاتب على X:

