هناك ارتباط واضح بين سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران وهدفه الأوسع لاحتواء التمدّد الصيني. لم تكن سياسة “الضغط الأقصى” على إيران موجّهة فقط لتقييد برنامجها النووي وسلوكها الإقليمي، بل كانت تهدف أيضاً إلى تقويض علاقات إيران المتعمّقة مع الصين، وبالتالي تأكيد الهيمنة الأميركية في المنطقة ومواجهة النفوذ العالمي المتزايد لبكين.
كانت إدارة ترامب تنظر إلى الاتّفاق الاستراتيجي لمدّة 25 عاماً بين الصين وإيران على أنّه تهديد مباشر للمصالح الأميركية. سعت واشنطن إلى عزل إيران اقتصاديّاً لكي لا تتمكّن من تقديم بديل جذّاب للصين في إطار مبادرة الحزام والطريق، ولتحييد دورها كعقدة حيويّة في هذه المبادرة. أتت العقوبات الأميركية المشدّدة لخنق الاقتصاد الإيراني وقطع أيّ مصادر تمويل محتملة يمكن أن تستخدمها الصين في مشاريع البنية التحتية أو التجارة مع إيران. فقد كانت الولايات المتّحدة تسعى إلى إجبار الشركات الصينية على الاختيار بين السوق الأميركي الضخم والعقوبات على إيران. وإحدى الاستراتيجيات الكبرى لإدارة ترامب هي إعادة تأكيد الدور الأميركي المهيمن في الشرق الأوسط، بعدما رأت أنّ الإدارات السابقة ربّما قد تراجعت عن هذا الدور، وهو ما فتح الباب أمام قوى أخرى مثل الصين وروسيا لزيادة نفوذها. كان التعامل مع إيران جزءاً من هذه الرؤية الأوسع لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة لمصلحة الولايات المتّحدة.
هناك ارتباط واضح بين سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران وهدفه الأوسع لاحتواء التمدّد الصيني
ما هو مؤكّد أنّ المنافسة الجيوسياسية مع الصين محور رئيسي لسياسة ترامب الخارجية بشكل عامّ. إيران، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي ومواردها من الطاقة، هي لاعب رئيسي في مبادرة الحزام والطريق. وبالتالي إضعاف إيران أو إبعادها عن المدار الصيني كان يُنظر إليه كخطوة ضرورية لاحتواء نفوذ بكين في منطقة حيويّة. في بعض الأحيان، كانت سياسة الضغط الأقصى على إيران تهدف أيضاً إلى الضغط على الصين نفسها لتلتزم تطبيق العقوبات الأميركية وتقليل تعاملاتها مع إيران، وهو ما كان يمثّل جزءاً من حملة ترامب الأوسع لمواجهة الممارسات التجارية الصينية التي اعتبرها غير عادلة. من هنا، يمكن القول إنّ سياسة ترامب تجاه إيران كانت متعدّدة الأوجه، لكنّ بُعدَ احتواء التمدّد الصيني كان جزءاً لا يتجزّأ من هذه الاستراتيجية، إذ كانت الإدارة الأميركية ترى أنّ تقويض العلاقات بين طهران وبكين سيخدم المصالح الأميركية الاستراتيجيّة في الشرق الأوسط وعلى الصعيد العالمي.
هدف مشترك وتكتيكات مختلفة
في ما يتعلّق بالحرب مع إيران، هناك تقارب في الأهداف الاستراتيجيّة العامّة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لكنّهما اختلفا في الأساليب والتوقيتات التكتيكيّة، وأحياناً في مدى التصعيد المطلوب. الأهداف المشتركة هي منع إيران من امتلاك سلاح نوويّ. وهذا هو الهدف الأساسي المعلن الذي يجمع الطرفين ويستعملانه ذريعةً شرعيّةً لضرب إيران أو فرض العقوبات عليها. كلاهما يعتبر أنّ إيران نوويّة تهديد وجوديّ لإسرائيل وتهديد خطير للمصالح الأميركية والإقليمية. كلاهما أيضاً يسعى إلى تقويض شبكة الوكلاء الإقليميين لإيران كـ”الحزب” والحوثيين والفصائل العراقية والسورية المدعومة من إيران، والحدّ من قدرتها على التأثير على استقرار المنطقة. وإن لم يكن بالضرورة “تغيير النظام” بشكل صريح، فإنّ كليهما يهدف إلى إجبار إيران على تغيير سياستها في المنطقة والتخلّي عن طموحاتها النوويّة.
أمّا التعارض والاختلاف فهو تفضيل الدبلوماسية على الخيار العسكري. فعلى الرغم من سياسة “الضغط الأقصى” التي فرضها، كان ترامب يميل في بعض الأحيان إلى البحث عن صفقة دبلوماسيّة مع إيران. كان يعتقد أنّه يستطيع التفاوض على “صفقة أفضل” من الاتّفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه. لم يكن بالضرورة يسعى إلى حرب واسعة النطاق، بل كان يفضّل الضغط الاقتصادي لإجبار إيران على التفاوض. في بعض الأحيان، تردّدت تقارير عن تدخّله لمنع إسرائيل من شنّ ضربات عسكرية واسعة على إيران.
ما هو مؤكّد أنّ المنافسة الجيوسياسية مع الصين محور رئيسي لسياسة ترامب الخارجية بشكل عامّ
أمّا نتنياهو فهو يرغب بالخيار العسكري، أو على الأقلّ التهديد العسكري الصريح والمستمرّ، كوسيلة رئيسية لمنع إيران من امتلاك سلاح نوويّ وتقويض قدراتها. يعتبر أنّ الضغط الاقتصادي وحده قد لا يكون كافياً، وأنّ العمل العسكري الوقائي قد يكون ضروريّاً. هذا عدا الأسباب الأخرى الداخلية وحاجته إلى استمرار الحرب لاستكمال السعي إلى تهجير الغزّيّين ومن بعدهم أهل الضفّة في ظلّ حرب كبرى واسعة. لذلك غالباً ما كان نتنياهو يدعو إلى عمل أكثر حسماً وسرعةً ضدّ البرنامج النووي الإيراني. وبينما كان ترامب يدعم الضغط، كان أكثر حذراً بشأن التورّط في حرب كبرى مكلفة، مفضّلاً التركيز على “أميركا أوّلاً” وتجنّب الانجرار إلى صراعات إقليمية مكلفة.
توتّر وتباين
يدرك ترامب أنّ أيّ حرب شاملة مع إيران ستكون لها تداعيات اقتصاديّة وجيوسياسيّة ضخمة على الولايات المتّحدة والعالم. أمّا نتنياهو فهو يدرك أيضاً المخاطر، لكنّ إسرائيل ترى أنّ التهديد الوجودي الإيراني يتجاوز تلك المخاطر، وبالتالي قد تكون أكثر استعداداً للمجازفة. من هنا، وعلى الرغم من اتّفاق الطرفين على ضرورة تقويض الوكلاء الإيرانيين، لكن قد تكون أولويّات كلّ منهما مختلفة في تحديد أيّ من الوكلاء يجب استهدافه أوّلاً وبأيّ طريقة، مع تركيز إسرائيل على “الحزب” و”حماس”.
إقرأ أيضاً: أهداف الحرب على إيران: كسر طريق الحرير الصّينيّ (1/3)
كان نتنياهو يفضّل انخراطاً أميركيّاً أكبر وأكثر حزماً، بما في ذلك التهديد العسكري المباشر. أمّا ترامب، فعلى الرغم من دعمه العسكري والدبلوماسي لإسرائيل، كان يحاول تجنّب الانجرار المباشر للولايات المتّحدة في مواجهة عسكرية واسعة مع إيران.
في المحصّلة، يتقاسم ترامب ونتنياهو هدفاً مشتركاً في مواجهة التهديد الإيراني، إلّا أنّ تكتيكاتهما وتقديراتهما للمخاطر ومدى استعداد كلّ منهما للتصعيد العسكري تختلف في كثير من الأحيان. يميل نتنياهو إلى رؤية العمل العسكري ضرورةً حتميّة، بينما ترامب، على الرغم من خطابه القاسي، كان يفضّل الضغط الأقصى مع بقاء الباب مفتوحاً، ولو شكليّاً، للدبلوماسية، وتجنّب حرب واسعة النطاق قدر الإمكان، وهذا أدّى إلى بعض التوتّرات والتباينات في المواقف العلنيّة والخاصّة بين الطرفين.
في الحلقة الثالثة غداً:
أهداف الحرب على إيران: إسقاط النّظام أم ترويضه؟ (3/3)
لمتابعة الكاتب على X:
