أهداف الحرب على إيران: كسر طريق الحرير الصّينيّ (1/3)

مدة القراءة 7 د

مبادرة “الحزام والطريق” الصينية تُعرف أيضاً بطريق الحرير الجديد. أطلقت الصين هذه المبادرة في عام 2013 بهدف تعزيز الترابط الاقتصادي والتعاون بين الصين وبقيّة العالم، من خلال تطوير شبكة واسعة من البنى التحتية والتجارية. هي أيضاً مبادرة تسعى إلى تعزيز دور الصين العالمي في السياسات الدولية ضمن المنافسة المحتدمة مع الولايات المتّحدة الأميركية. فما هي علاقة إيران بهذه المبادرة؟ وكيف ستساهم الحرب عليها في كسرها أو فرملتها؟

 

 

تتكوّن مبادرة “الحزام والطريق” من قسمين رئيسيَّين:

  1. الحزام الاقتصادي لطريق الحرير: وهو جزء برّي يهدف إلى ربط الصين بآسيا الوسطى وروسيا وأوروبا، ويمرّ عبر عدّة ممرّات اقتصادية. هذا اللقب مبنيّ على تجارة الحرير التاريخية التي تعود إلى أكثر من 2500 سنة، حين كانت تجارة الحرير كنز الإمبراطوريّات الصينية المتعاقبة، وكان الحرير أحد الأسرار المحلّية. وهناك روايات وأساطير عديدة عن تمكّن البعض من تهريب دودة القزّ الصينية لاستخراج الحرير محلّياً.
  2. طريق الحرير البحريّ للقرن الحادي والعشرين: وهو الجزء البحريّ، ويهدف إلى ربط الصين بجنوب شرق آسيا والمحيط الهندي وإفريقيا وأوروبا عبر الموانئ البحريّة. وهذا ما فعلته من خلال سياسات بناء الموانئ أو التزامها عبر المحيطين الهندي والهادئ.

مبادرة “الحزام والطريق” الصينية تُعرف أيضاً بطريق الحرير الجديد. أطلقت الصين هذه المبادرة في عام 2013 بهدف تعزيز الترابط الاقتصادي والتعاون بين الصين وبقيّة العالم

تهدف المبادرة إلى تحقيق عدّة أهداف رئيسية، منها:

  1. تعزيز الاتّصال والبنية التحتية، عبر بناء وتطوير شبكات واسعة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخطوط الأنابيب وشبكات الاتّصالات السلكية واللاسلكية لربط المناطق المشاركة.
  1. تنشيط التجارة والاستثمار وتسهيل تدفّق السلع والخدمات ورؤوس الأموال بين الدول المشاركة وفتح أسواق تصدير جديدة للصين وتأمين سلاسل التوريد العالمية.
  2. التعاون الماليّ وتعزيز التكامل بين الدول المشاركة وتسهيل المعاملات الماليّة والاستثمارات.
  3. التبادل الثقافي والاجتماعي وتعزيز التبادلات الثقافية والشعبية بين الدول وبناء روابط أقوى بين الشعوب.
  4. تحقيق التنمية المشتركة بدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول المشاركة، وخاصّة الدول الأقلّ نموّاً، من خلال مشاريع البنية التحتية والاستثمارات. وهذا ما تدعو الصين إلى مقارنته مع المشاريع الغربية التي تستخرج الأرباح من دول العالم الثالث من دون منافع أو تنمية.
  5. تعزيز نفوذ اليوان الصيني من خلال تدويل العملة الصينية وجعلها أكثر حضوراً في التجارة العالميّة.

تستند المبادرة إلى عدّة مبادئ، منها العمل مع الدول والمنظّمات الدولية المشاركة لوضع سياسات مشتركة. وهذا يترافق مع التركيز على ربط البنية التحتية وإزالة الحواجز أمام التجارة والاستثمار وتعزيز التبادل. وتهدف أيضاً إلى تسهيل الاندماج الماليّ. الهدف الآخر هو السعي إلى إنشاء روابط أوثق بين الشعوب من خلال تعزيز التبادلات والتعاون الثقافي. تؤكّد القيادة الصينية أنّ أهدافها هي تحقيق الفائدة لجميع الأطراف المشاركة، مرحّبة بانضمام جميع الدول والمنظّمات الدولية، بحيث لا تقتصر المبادرة على منطقة جغرافية معيّنة. وتقول الصين إنّها تلتزم التعاون الأخضر والنظيف من أجل تنمية شاملة ومستدامة، وتشجّع على التنمية التي يقودها الابتكار.

باختصار، مبادرة الحزام والطريق هي استراتيجية صينية طموحة تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي من خلال ربط الصين بالدول الأخرى عبر شبكات ضخمة من البنية التحتية والتجارية، بهدف تعزيز النموّ المشترك والتعاون.

تستند المبادرة إلى عدّة مبادئ، منها العمل مع الدول والمنظّمات الدولية المشاركة لوضع سياسات مشتركة

دور إيران المحوريّ

تلعب إيران دوراً محوريّاً واستراتيجيّاً في مبادرة “الحزام والطريق” الصينيّة، وذلك لعدّة أسباب رئيسية، منها الموقع الجغرافي الاستراتيجي لإيران الذي جعلها ملتقى الطرق التاريخي. فإيران تقع في قلب أوراسيا، ولذا هي نقطة وصل تاريخية وجغرافيّة بين الشرق والغرب، على امتداد طريق الحرير القديم. وتتمتّع إيران بسواحل طويلة على الخليج العربي وبحر عمان تمنحها وصولاً حيويّاً إلى الممرّات المائيّة الدوليّة، خاصّة مضيق هرمز الذي يمثّل شرياناً رئيسيّاً لنقل النفط. وتوفّر إيران ممرّاً برّياً مهمّاً لربط الصين بآسيا الوسطى ثمّ أوروبا يقلّل من أوقات النقل بشكل كبير مقارنة بالطرق البحريّة.

الشيء المهمّ هو أنّ إيران تمتلك احتياطات هائلة من النفط والغاز، في حين تُعتبر الصين مستورداً رئيسياًّ للنفط الإيراني. ولذا تهدف الصين عبر هذه المبادرة إلى ضمان إمدادات طاقة مستقرّة وطويلة الأمد من إيران، وربّما دمج إيران في “جسر الطاقة الآسيوي العالمي” المستقبلي. وتساعد إيران الصين على تنويع مصادر الطاقة الخاصّة بها، وتقليل اعتمادها على ممرّات بحريّة محدّدة غير آمنة في حال حصول حصار.

بالمقابل، تسعى إيران إلى استخدام مبادرة الحزام والطريق لكسر العزلة الاقتصادية المفروضة عليها بسبب العقوبات الدولية، وتعزيز تجارتها واستثماراتها مع الصين والدول الأخرى المشاركة في المبادرة. وتتطلّع إيران إلى الاستفادة من الاستثمارات الصينية في مشاريع البنية التحتية لتطوير شبكاتها اللوجستية، بما في ذلك السكك الحديدية والطرق والموانئ، وتعزيز دورها كمركز تجاري إقليمي. وتهدف إيران إلى الاندماج بشكل أكبر في الممرّات التجارية الإقليمية والعالمية عبر مشاريع الحزام والطريق.

إقرأ أيضاً: سياسات ترامب الاقتصاديّة: هل تؤدّي إلى حرب مع الصّين؟ (2-2)

تتركّز المشاريع المشتركة على اهتمام كبير بتطوير شبكات السكك الحديدية التي تربط إيران بالصين وآسيا الوسطى وتركيا لتسهيل نقل البضائع وتقليل أوقات العبور. وتسعى إيران إلى تطوير موانئها، مثل ميناء تشابهار (على الرغم من اهتمام الهند به أيضاً)، وميناء بندر عبّاس، لتعزيز دورها في طريق الحرير البحري. بشكل عامّ، تُعتبر إيران شريكاً حيويّاً للصين في مبادرة الحزام والطريق، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي ومواردها الهائلة، لكن أيضاً لكونها جزءاً من استراتيجية الصين الكبرى لتوسيع نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي عالميّاً. وفي المقابل، ترى إيران في هذه المبادرة فرصة للتغلّب على التحدّيات الاقتصادية وتعزيز دورها الإقليمي والدولي.

تقع الإشكاليّة في الأبعاد الجيوسياسية لهذه المبادرة، فهي ترتكز على تحدّي الهيمنة الأميركية. ترى كلّ من الصين وإيران في مبادرة الحزام والطريق فرصة لتحدّي الهيمنة الأميركية في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، وتعزيز نظام دولي متعدّد الأقطاب. لذلك أبرمت الصين وإيران اتّفاق شراكة استراتيجية شاملة لمدّة 25 عاماً، تُعدّ إطاراً للتعاون الاقتصادي والتجاري، يشمل تعاوناً في مجالات أخرى غير معلنة. من هنا ترى إيران الصين شريكاً اقتصادياً موثوقاً به وداعماً في مواجهة العقوبات وتعتمد عليه، بينما تسعى الصين إلى الاستفادة من موقع إيران ودورها في تعزيز مبادرتها العالميّة.

 

الحلقة الثانية تُنشر غداً: أهداف الحرب على إيران: هيمنة أميركا على الشّرق (2/3)

 

لمتابعة الكاتب على X:

@allouchmustafa1

 

مواضيع ذات صلة

إسرائيل تستنجد بواشنطن: أوقفوا “الحملة السّعوديّة”

فقدت إسرائيل الأمل في الحصول على تطبيع لعلاقاتها الدبلوماسيّة مع السعوديّة. وصل اليأس إلى درجة سقوط الرماديّة في لهجة ساسة إسرائيل وإعلامها، والتحوّل من الغمز…

حروب الادامةالاستراتيجية:كيف تدار الصراعات حين لايكون الحسم هدفاً؟

من سؤال: من يُضرَب؟ إلى سؤال: من يتحمّل كلفة الزمن… ولماذا؟ حين لا تعود الحرب حدثاً بل نظام تشغيل: تُخطئ التحليلات التقليديّة حين تُقارب الصراعات…

يا حامل المطرقة: لا تسمح للشيعة بالانتحار

العقل هو الفيصل يا دولة الرئيس. لا العواطف ولا العصبيات ولا الردح فوق المنابر وفوق الشرفات. العقل هو الميزان يا دولة الرئيس. لا الصراخ ولا…

من باب المندب إلى دارفور: السّعوديّة ومصر تكسران الأطواق

لم تُعلن مصر رسميّاً مشاركتها في الاتّفاقيّة الأمنيّة السعوديّة–الباكستانيّة التي أُبرمت العام الماضي، غير أنّها باتت في الواقع شريكاً أساسيّاً في هذا التحالف، الذي يضمّ…