لماذا أعلنَت الولايات المُتّحدة الأميركيّة إجراءات أمنيّة في العراق ودول الخليج العربيّ؟ وهل باتت إسرائيل قاب قوسيْن أو أدنى من ضرب البرنامج النّوويّ الإيرانيّ؟ وما مصير مفاوضات الأحد بين واشنطن وطهران في سلطنة عُمان؟
أربعةُ مشاهدَ ترسمُ الإطار التّفاوضيّ لجولة الأحدِ المُقبل بين واشنطن وطهران في سلطنة عُمان:
1– سماح الولايات المُتّحدة لموظّفيها غير الضّروريّين بمغادرة العراق والكويت والبحرَين، وكذلكَ عائلات الجنود الموجودون هُناك. ولكن من دون أيّ تعديل لخارطة انتشار الجنود الأميركيين في المنطقة. رافقَ هذه الخطوات تأجيل جلسة الاستماع لقائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركيّ مايكل كوريلا، المُتحمّس لضرب إيران، بسبب الأوضاع في الشّرق الأوسط.
2– نجاة رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو من التّصويت على حلّ الكنيست بعد نجاحه في استقطاب الحزبَيْن الحريديَّيْن، “شاس” و”يهودت هتوراه”، في اللحظة الأخيرة.
3– تصريحُ وزير الدّفاع الإيرانيّ عزيز نصير زاده عن أنّ القواعد الأميركيّة في المنطقة ستكونُ ضمنَ أهداف الصّواريخ الإيرانيّة في حال تعرُّض بلاده لهجوم عسكريّ.
4– صدور تقرير الوكالة الدّوليّة للطّاقة الذّريّة الذي أشارَ للمرّة الأولى منذ 20 عاماً إلى أنّ إيران لا تفي بالتزاماتها النّوويّة. وهذا ما ردّت عليهِ طهران بإعلان زيادة تخصيب اليورانيوم “بشكلٍ كبير”، وتشغيل مجمّع التّخصيب الثّالث وتحديث أجهزة التخصيب من الجيل الأوّل إلى السّادس.
حافّة الهاوية الأميركيّة
بدأت واشنطن تُعدّ عُدّتها لجلسة الأحد التفاوضيّة مع إيران بشأن الملفّ النّوويّ الإيرانيّ. لا تُشبه هذه الجلسة سابقاتها. فهي الجولة التي ستحسم مصير البرنامج النّوويّ الإيرانيّ، أقلّه بالنّسبة للولايات المُتّحدة. أمّا إسرائيل فتوجّهها واضحٌ. تُفضّل الحلّ العسكريّ ولو مُنفردة.
التّوجّه الإسرائيليّ نحو هذه الضّربة هو السّببُ خلفَ التحذيرات التي أصدرتها الولايات المُتّحدة لموظّفيها ومواطنيها في العراق والكويْت والبحرين. إذ تستفيد واشنطن من إشاعة أجواء تشي باقتراب ساعة الصّفر الإسرائيليّة. وتحاول الإيحاء لطهران أنّ ساعة الصّفر الأميركيّة باتت قريبةً أيضاً ما لم تصل المفاوضات المُرتقبة إلى نتيجة واضحة.
بحسب المصدر، ما تقترحه مسقط هو وقف كلّ أنشطة تخصيب اليورانيوم الإيرانيّة، ونقل المخزون من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 20% وما فوق إلى دولةٍ ثالثة
بدأت إدارة ترامب تُمارس سياسة “حافّة الهاوية” التي تُجيدها إيران. لكنّ الوضعَ في واشنطن يختلف عنه في طهران. في عاصمة القرار تيّارٌ وازنٌ من المحافظين الذين يتبنّون وجهةَ النّظر الإسرائيليّة التي تقول إنّه لا جدوى من التّفاوض مع النّظام الإيرانيّ، وإنّ كُلّ جولات التفاوض لا تعدو كونها مُماطلة تسمحُ لإيران بالمضيّ قُدماً في رفع مستوى مخزون اليورانيوم المُخصّب فوق مستوى 60%. وهو الذي باتت إيران تمتلكُ منه ما يُقارب 450 كلغ، وهو مخزونٌ يكفي لصناعة 14 إلى 16 رأساً نوويّاً، بحسب ما ذكر مصدرٌ أمنيّ إقليميّ لـ”أساس”.
وضع الجَزرة جانباً
وضعَت إدارة الرّئيس ترامب “الجَزرَة” جانباً وبدأت تحمل العِصيّ:
1- تقرير الوكالة الدّوليّة للطّاقة الذّريّة وحالة الاستنفار في الشّرق الأوسط.
2- إشاعة أجواءٍ عن تباينٍ أميركيّ – إسرائيليّ بشأن ضربِ إيران. إذ باتَ معروفاً أنّ تل أبيب لا تستطيع المُضيّ قُدماً في ضرب البرنامج النّوويّ أو أيّ منشأةٍ إيرانيّةٍ من دون ضوءٍ أخضرَ من البيت الأبيض.
3- أشاعت واشنطن عبر وسائل إعلام أميركيّة، منها “نيوزويك” و”أكسيوس”، أنّ هناك احتمالات عدم عقد جولة التّفاوض الأحد في عُمان، قبل أن يعلن وزير الخارجيّة العُمانيّ بدر البوسعيدي تأكيد موعد الأحدِ في مسقط.
ماذا في جولة الأحد؟
بعد صدور تقرير الوكالة الدّوليّة للطّاقة الذّريّة الذي أدان إيران يُمكنُ القول إنّ مصير جلسة المُفاوضات باتَ في مهبّ الرّيح. لكنّ الإيرانيّين كانوا يتوقّعون منذ الأسبوع الماضي أن يصدرَ هذا التّقرير بمضمونهِ، ولذلكَ يُمكنُ لإيران أن تتجاوزَ تداعياته عبر الحضور إلى مسقط في محاولة منها لتنفيس التّوتّر مع الولايات المُتّحدة.
لا تزال العُقدة الأساسيّة حاضرة. فلا إيران تُريد التخلّي عن التخصيب بشكلٍ كامل، ولا الولايات المُتّحدة مُستعدّة للسّماح لها بتخصيب اليورانيوم
ما تخشاه إيران بحسب المصدر هو أن تتعرّض لضربةٍ إسرائيليّة، وإن أبرمت اتّفاقاً مع الولايات المُتّحدة، تحت حُجّة أنّ تل أبيب غير راضية عن أيّ صيغة لا تتضمّن صراحة وقف كلّ عمليّات تخصيب اليورانيوم على جميع المُستويات. وهذا ما صرّح به الرّئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان بقوله: “يُطالبوننا بالتّخلّي عن قدراتنا كي يتسنّى لإسرائيل أن تُلقيَ القنابل على رؤوسنا”.
لا تزال العُقدة الأساسيّة حاضرة. فلا إيران تُريد التخلّي عن التخصيب بشكلٍ كامل، ولا الولايات المُتّحدة مُستعدّة للسّماح لها بتخصيب اليورانيوم بشكلٍ صريح. وبينَ التّصلّب الإيرانيّ والأميركيّ، تحاول سلطنة عُمان التّوصّل إلى حلّ وسطٍ لا تُمانعه إيران، لكنّ واشنطن لم تُعطِ جواباً واضحاً حتّى السّاعة. غير أنّ تصريحَ الرّئيس ترامب عن رفضه أن تُخصّبَ إيران اليورانيوم يُمكنُ قراءته أنّه رفضٌ تامّ، ويُمكنُ قراءته أنّه رفعٌ لسقفِ التفاوض لتحصيل أقلّ نسبةٍ مُمكنة.
مقترح مسقط
بحسب المصدر، ما تقترحه مسقط هو وقف كلّ أنشطة تخصيب اليورانيوم الإيرانيّة، ونقل المخزون من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 20% وما فوق إلى دولةٍ ثالثةٍ، والسّماح لإيران بتشغيل عددٍ محدود جدّاً من أجهزة الطّرد المركزيّ لتخصيب اليورانيوم عند نسبة 3.67% فقط، على أن يكونَ تخصيب اليورانيوم بالنّسب الأعلى من هذا المستوى ضمنَ اتّحادٍ إقليميّ لتخصيب اليورانيوم يضمّ دول المنطقة.
ما تخشاه إيران بحسب المصدر هو أن تتعرّض لضربةٍ إسرائيليّة، وإن أبرمت اتّفاقاً مع الولايات المُتّحدة
يضمنُ هذا المُقترح ما تُسمّيه طهران حقّها بتخصيب اليورانيوم من دون أن تُشكّل مصدرَ قلقٍ لأميركا وإسرائيل وحتّى دول الجوار. ويتيحُ للولايات المُتّحدة القول إنّها منعت إيران من تخصيب اليورانيوم للأغراض العسكريّة. لكنّ العقدة تكمن في ضغط إسرائيل وتيّار وازن من الجمهوريّين وحتّى من العسكريّين مثل قائد المنطقة الوسطى مايكل كوريلّا، من أجل اتّفاقٍ يُجرّد إيران من كلّ خطوات تخصيب اليورانيوم.
إقرأ أيضاً: “أبو عدس السّوريّ”: الضّاحية الجنوبيّة مُقابل مُستوطنات الشّمال
هكذا باتت الولايات المُتّحدة وإيران على حافّة الهاوية. وحدهُ بنيامين نتنياهو من يتمنّى أن ترتكِبَ إيران خطأً قاتلاً عبر مُمارسة العِناد التفاوضيّ مع دونالد ترامب الذي قال إنّ “المفاوضَ الإيرانيّ بات صعبَ المراس”. لا يعني ميلَ ترامب نحوَ الحلّ الدّبلوماسيّ مع إيران أنّه سيُفاوضها إلى الأبد. فهل يكونُ “تمرّد نتنياهو” هو العصا التي سيلجأ إليها ترامب لكسرِ عِناد إيران قبل جلسة الأحد؟ أم تستدركُ طهران الأمر وتتنازل في اللحظة الأخيرة؟
الجواب في مسقط.
لمتابعة الكاتب على X:

