“سياسات خارجيّة” للبنان تقرع أبواب واشنطن

مدة القراءة 6 د

منذ أن تردّد قبل أيّام عن إقصاء نائبة الموفد الأميركي إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغس عن منصبها، لاحظ رئيس البرلمان نبيه برّي أن “لا خبر تصدّر الصحف المحلّية بلا استثناء سواها، ولا خبر إلّا عنها، وكأنّ حدثاً كبيراً وقع في لبنان، أو كأنّ القيامة قامت، مع أنّها لا تعدو أكثر من موظّفة في إدارة بلادها”. اللافت، قال برّي، أنّ “اللبنانيّين أعطوها حجماً واهتماماً أكبر ممّا هما عليه، إلى حدّ أنّهم انقسموا حول قرار إقصائها. بعضهم فرح للتخلّص منها، وبعضهم الآخر حزن لأنّها لم تعد تكرّر أقواله وتعزّز وجهة نظره وتهدّد بالنيابة عنه”.

 

 

بسَّط رئيس المجلس نبيه برّي، الذي قلّما أبدى ارتياحه إلى استقبالها كلّما حضرت إلى بيروت، ما حدث بأن “استدعوها إلى البيت الأبيض وأبلغوها انتهاء مهمّتها. أُبْعدت ورقّيت إلى منصب آخر، إلّا أنّ المهمّة التي كانت سُمّيت لها مستمرّة وسيتولّاها خلف لها لم نعرفه بعد. لكنّ المهمّ أن يتسبّب إخراجها من منصبها بإغضاب إسرائيل التي اعتادت أن تحكي بلسانها”. إلّا أنّ برّي يستخلص أنّ سحب المهمّة منها لا ينهي المهمّة: “لا أحد يعرف إذا كانت نجحت أو فشلت، ولا علاقة لما حصل بمهمّتها”.

بسَّط رئيس المجلس نبيه برّي، الذي قلّما أبدى ارتياحه إلى استقبالها كلّما حضرت إلى بيروت، ما حدث بأن “استدعوها إلى البيت الأبيض وأبلغوها انتهاء مهمّتها…”

دور ثانويّ

استقت بعض الجهات المطّلعة على الموقف الأميركي من واشنطن بضع ملاحظات، قد تكون على صلة مباشرة بالموفدة المُقصاة:

  • أولاها أنّ الرئيس دونالد ترامب لم يستقبلها بعد زياراتها إلى لبنان للاطّلاع منها على نتائجها، وهو ما يشير إلى ثانويّة دورها وهامشيّته لديه واقتصار تواصلها على رئيسها الموفد الأميركي إلى المنطقة ستيف ويتكوف، خلافاً للدور الذي اضطلع به آموس هوكستين الذي كان موفداً خاصّاً للرئيس جو بايدن، وعلى صلة مباشرة به، مع أنّ كلا الزائرَيْن الأميركيَّين، السلف والخلف، تباريا في تعلّقهما بإسرائيل والدفاع بحماسة عن وجهة نظرها وحملهما إيّاها بفظاظة إلى لبنان، وتبرير اعتداءاتها عليه.
  • ثانيتها، تقلّبات طباع ترامب ومزاجه على نحو تتبدّل معها سياساته وخياراته ورجال ولايته في بساطة وعلى نحو مفاجىء. بسبب شغفه بوسائل التواصل الاجتماعي يعلن من خلالها سياساته وقراراته التي تتكشّف لمعاونيه ويتبلّغونها بهذه الطريقة. ما يصيب رجال إدارته أنّهم يلحقون بخياراته المتقلّبة. بعد سقوط نظام الرئيس بشّار الأسد قال إنّ انفتاح إدارته على الدولة الجديدة في سوريا برئاسة أحمد الشرع، قبل أن يسمّي نفسه رئيسها، يحتاج إلى وقت طويل وربّما إلى أشهر وتمحيص أدائه ومراقبته، لكن سرعان ما فاجأ العالم لدى استقباله إيّاه بحرارة وثقة في الرياض منتصف الشهر المنصرم.
  • ثالثتها، وفرة آراء قيلت في واشنطن ووصلت أصداؤها إلى المسؤولين اللبنانيين عن أكثر من مبرّر لإقصاء أورتاغس دونما أن يُنظر مرّة إلى مهمّتها في لبنان على أنّها أحد مرتكزات السياسة الأميركية، أو تحميلها أكثر من كونها أقرب إلى “أمّ أخبار” تنقل رسائل من واشنطن وتل أبيب إلى بيروت ومن الأخيرة إليهما. ممّا سُمع هناك تردّي علاقتها برئيسها ويتكوف ذي الصفة التقريريّة التي لم تُعطَ إيّاها على غرار نظيرها هوكستين. قيل أيضاً بشيء من المغالاة إنّ احتمال حصول اتّفاق أميركي ـ إيراني سيترك تداعيات على دول المنطقة الوثيقة الصلة بنزاعهما ويتطلّب موفدين جدداً. في لقائه وزير الخارجية الإيراني عبّاس عرقجي، لم يعثر برّي لديه على شعور إيجابي حيال اتّفاق الدولتين، واختصر رئيس المجلس بعبارة مقتضبة ما استنتجه ممّا قاله أمامه عرقجي: “هم (الاميركيون) لا يريدون حقّنا في التخصيب، ونحن نتمسّك به ولن نتخلّى عنه”.

ما يُسمع بدقّة في واشنطن درسٌ في مفهوم السياسة الخارجية للدول التي تُبنى وتُطوَّر إلى مواقف وتحرّكات توجب مرونة وتصلّباً تبعاً للحاجة، بغية الوصول إلى الأهداف المتوخّاة، لا الوقوف على أرصفة الانتظار

بين الانتظار أو النّأي بالنّفس

  • رابعتها، ليس لإقصاء أورتاغس أيّ صلة بموقف افترض أنّ ثمّة تغييراً في السياسة الأميركية في لبنان. واقع ما لمسه السامعون من واشنطن أنّها لا تبصر سياسة خارجية موحّدة مستقلّة لبنانية بمقدار ما بات الأميركيون متأكّدين من وجود سياسات خارجية في لبنان. كلٌّ من الأفرقاء المحلّيين يحاول الدخول إلى الإدارة الأميركية من بابه وقنواته بعدما أضحى دخولها في العقود الأخيرة من أبواب العلاقات الشخصيّة لا من طريق مؤسّساتها.
  • بَانَ بما لا يقطع الشكّ أنّ المسؤولين اللبنانيين في السلطة الإجرائية، كما لدى قادة الكتل والأحزاب، ينسج كلٌّ منهم سياسة خارجية له مع أحد ما في واشنطن بمعزل عن الآخر، دون أن تكون سياسته هي السياسة الخارجية الرسمية للدولة اللبنانية. لكلٍّ منهم مقاربته حيال ما يطلبه من الإدارة أو الرجال الذين على صلة مباشرة بها، الأمر الذي فسّر وجود لغتين دبلوماسيّتين لأفرقاء حكومة الرئيس نوّاف سلام.

في الحكومة اللبنانية مَن يتمهّلون وينتظرون مآل المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية معلّقين الآمال على اتّفاق ينبثق منها يحلّ معضلة سلاح “الحزب” سلماً بلا تداعيات داخلية. بالمقابل فيها أيضاً أفرقاء آخرون يريدون أن ينأى لبنان بنفسه عن تلك المفاوضات، ويتّخذ من تلقائه قرارات إنهاء سلاح “الحزب” ما دام لحصر السلاح في يد الدولة مرجعيّتان هما خطاب القسم والبيان الوزاري، وكلاهما سابقان لمباشرة المفاوضات المتوالية منذ منتصف نيسان الفائت، ووُضعا بمعزل عن الاشتباك الأميركي ـ الإيراني. في اجتماعات عرقجي الثلاثاء الفائت بالمسؤولين اللبنانيين سمع مفردات مختلفة، متناقضة في صوغها، لكن لهدف واحد: بينما أكّد رئيس الجمهورية جوزف عون أهميّة إعادة الإعمار والإصرار على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ربط وزير الخارجية يوسف رجّي بين إعادة الإعمار وتجريد “الحزب” من سلاحه. وفيما حاذر عون الكلام عن نزع سلاح “الحزب” كما لو أنّ إيران غير معنيّة به، تحدّث رجّي عن آثار المغامرات العسكرية غير المحسوبة باستخدام السلاح.

إقرأ أيضاً: المخضرم جويل رايبرن… مبعوث ترامب إلى الشّرق؟

ما يُسمع بدقّة في واشنطن درسٌ في مفهوم السياسة الخارجية للدول التي تُبنى وتُطوَّر إلى مواقف وتحرّكات توجب مرونة وتصلّباً تبعاً للحاجة، بغية الوصول إلى الأهداف المتوخّاة، لا الوقوف على أرصفة الانتظار.

  • خامستها، من غير المؤكّد ما يُقال في واشنطن من أنّ لبنان في الأولويّات الحاليّة للإدارة الأميركية بدليل استمرار إطلاق يد إسرائيل في احتلالها للنقاط الخمس في الجنوب وتواصل هجماتها العسكرية واعتداءاتها والاغتيالات يوميّاً تقريباً دونما أن تأبه بالقرار 1701.

 

مواضيع ذات صلة

عن غضبة ياسين جابر: الشّيعة في الحكم… والمسؤوليّة

ستظلّ فورة غضب وزير الماليّة ياسين جابر في مجلس النوّاب، بوجه نائب رئيس المجلس الياس أبو صعب، في الذاكرة طويلاً، باعتبارها اللحظة الفارقة بين تاريخَيْن…

العالم تغيّر: ألوية إندونيسيّة “إسلامية” في غزّة؟

أعلنت إندونيسيا، أكبر دولة إسلاميّة، استعدادات تُجريها لإرسال قوّة من 8 آلاف جنديّ إلى قطاع غزّة. الخبر لافت لأنّه أوّل إعلان رسميّ من دولة مرشّحة…

فرصة النّظام الإيرانيّ… صفر

يعتبر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أنّ إيران خسرت فرصتها سابقاً عندما تمّ الوثوق بها في ما يتعلّق بنسبة تخصيب اليورانيوم، إذ لم تحترم التزاماتها وتخطّت…

ترامب على خطى القيصر: الدّفع نحو حرب عالميّة!

تتماهى مبادرة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لتغيير النظام العالميّ من جانب واحد مع مبادرة قيصر ألمانيا وليم الثاني لتغيير النظام الدقيق الذي أقامه المستشار فيلهام…