الجيش الإسرائيلي: الانتحار أزمة صامتة؟

مدة القراءة 5 د

لم يمنع احتفاء إسرائيل بالشرطي إيغور بيبينيف، وترويج روايته عن قتل 13 عنصراً من حركة “حماس” في 7 أكتوبر (تشرين الأوّل)، وتأطيرها نموذجاً للبطولة، من الانتحار مساء 13 أيار، فتحوّل إلى نموذج للحالات النفسية التي يعانيها الجنود الإسرائيليون وقد تؤدّي للانتحار.

 

تتزايد الاتّهامات داخل المجتمع الإسرائيلي للحكومة والجيش بإهمال الجنود الذين يعانون أمراضاً نفسيّة، وكانت المفارقة أنّ زوجة بيبينيف نشرت قبل 3 أشهر من انتحاره منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي تحدّثت فيه عن “ضحايا 7 أكتوبر الصامتين”، أي أولئك الذين يعانون شعوراً بالذنب كضحايا ناجين واضطراب ما بعد الصدمة، لكنّ حالته لم تلقَ اهتماماً.

ليست هذه الحادثة الوحيدة بين الجنود الإسرائيليين، لكنّها ظهرت للإعلام والرأي العامّ، بينما تتكتّم المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيلية على معطيات تبدو مقلقة عن عدد الجنود المنتحرين أو المصابين بأمراض نفسية، منذ السابع من أكتوبر.

عدم التزام الجنود بالقتال

كشفت صحيفة هآرتس العبريّة في 18 أيار أنّ 35 جنديّاً إسرائيلياً انتحروا منذ بداية الحرب على قطاع غزة حتّى نهاية 2024، مشيرة إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يرفض الكشف عن أعداد الجنود الذين انتحروا خلال العام الحالي، لكنّها نقلت عن مصادر أنّهم 7 جنود، مؤكّدة أنّ الجيش الإسرائيلي دفن منذ بدء الحرب جنوداً كثراً بسبب الانتحار دون جنائز عسكرية أو إعلان انتحارهم.

يعدّ ارتفاع عدد المنتحرين الجنود جزءاً من صورة أكبر تتعلّق بكيفيّة تعامل إسرائيل مع مرضاها النفسيّين من الجنود، سواء بإهمال علاجهم أو من خلال إعادة تجنيدهم مرّة أخرى للقتال.

كشفت صحيفة هآرتس أخيراً أنّ عدد الجنود الذين يتلقّون العلاج من أمراض نفسيّة منذ بدء الحرب يتجاوز 9 آلاف جندي، وأنّ الجيش يجنّد مصابين بأمراض نفسية للقتال في صفوف الاحتياط بسبب نقص عدد الجنود.

تعترف مصادر في الجيش الإسرائيلي بأنّ مئات وربّما آلاف الجنود الاحتياط يعانون إصابات نفسية متفاوتة، بعضهم معترف بأنّهم مصابون دائمون

برّر ضابط عسكري ذلك بالقول إنّهم يضطرّون إلى تجنيد أشخاص ليسوا بحالة نفسية طبيعية بسبب عدم التزام جنود الجيش بالقتال، ويخشون التدقيق في حالة المصابين بأمراض نفسية كي لا يبقى الجيش دون جنود. وأضاف أنّ “الآلاف من جنود الاحتياط في غزّة توجّهوا للجيش بسبب إصابتهم بأمراض نفسية، ويتمّ تجنيدهم على الرغم من التأكّد أنّ ظروفهم النفسية غير طبيعية”، وقال “نقاتل بما يتوافر”.

أمّا صحيفة يديعوت أحرونوت فقد نشرت في تشرين الثاني 2024 معطيات عن مكتب إعادة الإدماج التابع لوزارة الأمن الإسرائيلية أظهرت أنّ نحو 5,200 جندي إسرائيلي أو 43% من الجرحى الذين يتمّ استقبالهم في مراكز إعادة التأهيل يعانون الإجهاد اللاحق للصدمة، مع توقّع أن يتمّ علاج حوالي 100 ألف شخص، نصفهم على الأقلّ يعانون اضطراب ما بعد الصدمة، بحلول عام 2030.

الجيش الإسرائيلي

أشارت الصحيفة إلى أنّ تقديرات الجيش أنّ حوالي 15% من الجنود النظاميين الذين غادروا غزّة وتمّ علاجهم عقليّاً لم يتمكّنوا من العودة إلى القتال بسبب الصعوبات التي يواجهونها، وأنّ آلاف الجنود لجؤوا إلى العيادات الخاصّة التي أنشأها الجيش، وأنّ ثلث المعاقين المعترف بهم يعانون اضطراب ما بعد الصدمة.

يواجه الجيش الإسرائيلي “أزمة حادّة” في القوى البشرية، بسبب عدد القتلى والجرحى الكبير من الجنود، واتّساع رقعة قوات الاحتياط الرافضين للعودة للخدمة، وعدم تمكّن الحكومة من تجنيد الحريديم المتديّنين في الجيش، وهو ما دفع الجيش إلى تجنيد الجنود المصابين باضطرابات ما بعد الصدمة ومَن يعانون إعاقات نفسية دائمة.

تعترف مصادر في الجيش الإسرائيلي بأنّ مئات وربّما آلاف الجنود الاحتياط يعانون إصابات نفسية متفاوتة، بعضهم معترف بأنّهم مصابون دائمون بدرجات إعاقة تفوق 50%، وعلى الرغم من ذلك تمّ استدعاؤهم عبر إعلانات تطوُّع على مواقع التواصل.

أشارت الصحيفة إلى أنّ تقديرات الجيش أنّ حوالي 15% من الجنود النظاميين الذين غادروا غزّة وتمّ علاجهم عقليّاً لم يتمكّنوا من العودة إلى القتال

العقاب بدل الحل

تقول “هآرتس” إنّ قادة في شعبة القوى البشرية في الجيش عارضوا مبادرات لإخضاع المجنّدين لتقويم نفسيّ قبل استدعائهم، خشية أن يؤدّي ذلك إلى انهيار الجاهزيّة القتالية، ناقلةً عن أحد الضبّاط قوله: “نحن بحاجة إلى أكبر عدد من البنادق. سنتعامل مع العواقب لاحقاً”، لكنّ الصحيفة تشير إلى أنّ الجيش يتجاهل العواقب التي تقود إلى الانتحار، ناقلةً عن ضابط إسرائيلي قوله: “إذا أضفنا إلى ذلك البيروقراطية والإهمال والاستهتار، ندرك أسباب تحوّل الإصابات النفسية إلى ظاهرة تقود للانتحار. فقسم من هؤلاء لم يتلقّوا أيّ علاج مهنيّ”.

يمارس ضبّاط الجيش وقادته ضغوطات على الجنود لعدم التصريح بحالتهم النفسية. هذا ما كشفته الكاتبة إيلي باري في مقال لها في صحيفة “همكوم” تحدّثت فيه عن بدء محاكمة جنود إسرائيليين أخبروا ضبّاطهم بأنّ لديهم ضائقة نفسيّة، مشيرة إلى أنّ عدداً من جنود كتيبة 931 التابعة للواء ناحال رفضوا العودة إلى قطاع غزّة بعد شهور طويلة من القتال، معتبرين أنّ خدمتهم العسكرية تجاوزت الحدود المقبولة إنسانيّاً ونفسيّاً.

أفادت الكاتبة بأنّ قائد الكتيبة لم يتعامل مع طلبهم بالاستماع أو الاحتواء، بل قرّر تقديمهم لمحاكمة داخلية وفرض غرامة 1,500 شيكل على كلّ منهم، وهدّدهم بالسجن إذا رفضوا تنفيذ الأوامر العسكرية، وأنّ هذا الرفض لم يكن فرديّاً، بل تكرّرت حالات مشابهة في وحدات أخرى، وهو ما يعكس حالة التآكل النفسي المتصاعدة داخل الجيش بعد أشهر من العمليات العسكرية المتواصلة في غزّة.

إقرأ أيضاً: فشل تجنيد “الحريديم”: عنق الحكومة بيدهم

أمّا الصحافية رويتال خوبل فقد كشفت في سلسلة تحقيقات منشورة خلال تشرين الأوّل الماضي عن اتّساع هذه الظاهرة بين الجنود النظاميّين، وأنّ القيادة العسكرية تتعامل معها بصمت أو بقرارات عقابية بدلاً من تقديم حلول جذرية.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…