وداعاً موخيكا: كلّ السّرّ في الأخلاق

مدة القراءة 5 د

خوسيه موخيكا لا يشبه إلّا خوسيه موخيكا الذي حكم الأوروغواي بين عامَي 2010 و2015. رئيس زاهد يختلف عن كلّ الرؤساء والقادة والزعماء. لم يُصنع من وهج السلطة بل من نار التجربة، ومن رمادها تبلورت إنسانيّته الحقيقية. كان خوسيه حكاية تمشي على قدمين، رواية مفتوحة على صفحات الحياة. كان كتاباً مثيراً للقراءة وتتمنّى أن يكون بلا خاتمة. لكنّ النهاية حلّت أخيراً. غادر خوسيه الحياة الدنيا. لكنّ اسمه سيبقى خالداً، ليس كرئيس سابق لدولة صغيرة في أميركا اللاتينية، بل كظاهرة استثنائية في عالم السياسة جعلت من الأخلاق والتواضع والصدق والمبادئ الصلبة قيماً نادرة تنتصر على القوّة والمكائد والسلطة والأضواء والمظاهر.

 

تصلح كلّ قصّة من قصص حياته أن تكون فيلماً هوليووديّاً أو مسلسلاً من مسلسلات “نتفليكس”. هو الصبيّ اليافع، بائع الزهور في الأحياء المترفة في العاصمة الأوروغويانيّة، مونتيفيديو، ثمّ المراهق الذي قاد التظاهرات الصغيرة في الشوارع للمطالبة بأجور عادلة للعمّال، ثمّ الشابّ الثائر الذي وجد في الكفاح المسلّح من خلال حركة التحرير الوطني “التوبوماروس”، السبيل الوحيد لمواجهة ديكتاتورية العسكر في بلاده.

حمل السلاح لكنّه يؤكّد أنّه لم يقتل، بل كان نصيبه من القتال ستّ رصاصات استقرّت في صدره. سرق البنوك كرجل حرب عصابات يساريّ، ليس من أجله بل من أجل إطعام الفقراء. قاده هذا الطريق إلى السجن لمدّة 13 عاماً (1973-1985) قضى منها سنوات عدّة في السجن الانفرادي. هناك كوّن صداقة مع ضفدع أثناء احتجازه في حفرة في الأرض كي لا يفقد توازنه العقليّ. روى بعد ذلك أنّ صداقته مع الضفدع أخرجته من تلك الحفرة أكثر حكمة. دخل السجن أربع مرّات، وهرب منه مرّتين، ثمّ أُعيد اعتقاله وأصبح واحداً من “الرهائن التسع” الذين هدّد النظام العسكري بإعدامهم في السجن إذا عادت المنظّمة الثورية إلى حمل السلاح.

خرج من السجن رجلاً ناضجاً عجنته التجارب والقسوة والمعاناة. اختار الانتقال إلى الحياة السياسية بعد سقوط الدكتاتورية

من السّجن إلى الرّئاسة

خرج من السجن رجلاً ناضجاً عجنته التجارب والقسوة والمعاناة. اختار الانتقال إلى الحياة السياسية بعد سقوط الدكتاتورية وعودة الديمقراطية، وصار نائباً ثمّ وزيراً للزراعة، قبل أن يُنتخب رئيساً عام 2010 عن حزب “الجبهة الواسعة”.

خلال تولّيه السلطة لم يسعَ إلى الانتقام أو الثأر من رموز النظام العسكري الذي عذّبه، ولا إلى تعويض ما فاته من حبّ للحياة والملذّات في شبابه ولا إلى تحقيق المكاسب. رفض حياة القصور واختار مع زوجته النائبة في البرلمان العيش في كوخ من طين تلتهم جدرانه الرطوبة، ومزرعة بسيطة تؤوي قلباً كبيراً. ما كان غنيّاً بالمال بل بالقناعة، ولا قويّاً بالسلطة بل بالصدق، ولا عظيماً بالخطب بل بالأفعال.

كان صمته أبلغ من ضجيج ساسة العالم، وبساطته الشديدة جعلته محطّ أنظار الدنيا. عاش رئيساً خفيف الأحمال. لم يخرج في موكب من السيّارات المصفّحة، وفضّل سيّارته “الفولس فاغن بيتل” الزرقاء اللون ذات الموديل 1978 على “المرسيدس” و”الرولز رويس” وسواهما. لم يضع ربطة عنق. رفض وجود خدم في بيته. عاش على سجيّته وراحته كما يفعل الناس العاديّون الطبيعيون في بيوتهم، وفي حياتهم الشخصية.

خوسيه

كان التواضع والتقشّف ميزته. كان يأخذ عشرة في المئة من راتبه ويترك التسعين الباقية للأعمال الخيريّة. كان ناقداً شرساً للرأسمالية المتوحّشة، ويحذّر من مخاطر الهوس بالاستهلاك والاغتراب الإنساني في ظلّ أنظمة اقتصادية لا تهتمّ إلّا بالأرباح.

كان انتماؤه إلى روح الإنسان الحرّ جوهره الحقيقيّ. يقول: “هذا هو عالمي، ليس أفضل أو أسوأ من غيره. المشكلة هي أنّنا نعيش في عصر استهلاكي، ونعتقد أنّ النجاح يكمن في اقتناء الجديد والثمين، وبالتالي نساهم في بناء مجتمع يستغلّ ذاته بذاته، ونخصّص الوقت كي نعمل وليس لنعيش”.

كان خوسيه حكاية تمشي على قدمين، رواية مفتوحة على صفحات الحياة

صفحة ناصعة في كتاب الأخلاق

في سنوات حكمه الخمس أعاد الاعتبار إلى سلّم القيم والمعايير الإنسانية والديمقراطية في السياسة والسلطة. وضع الإنسان في قلب العمليّة السياسية. دافع عن العدالة الاجتماعية، ووقف إلى جانب الفقراء والمهمّشين، وسعى إلى إقرار سياسات إصلاحية جريئة. كان حداثويّاً في أسلوب الحكم، رؤيويّاً في أفكاره والمعتقدات، صاحب فلسفة واضحة في شأن الطريق إلى مجتمع أفضل وحياة أكثر سعادة.

كان رافضاً للحروب، مدافعاً عن السلام، فاتحاً أبواب بلاده للّاجئين السوريّين. احتضن سجناء غوانتانامو والمضطهدين في العالم، ودافع عن حقّ الإجهاض. ركّز على القضايا الأساسيّة مثل العدالة الاجتماعية وحقوق الانسان وحماية البيئة. قاد حكومة جريئة قامت بإصلاحات غير مسبوقة في برامج الرعاية الاجتماعية والتعليم العامّ. كان درساً في الإنسانية، وصفحة ناصعة في كتاب الأخلاق، وصوتاً نقيّاً في زمن التكلّف والرياء.

إقرأ أيضاً: هدنة البحر الأحمر: جوائز ترضية وخاسرون

لم يكن رئيساً عاديّاً. ساعد في قيادة تحوّل دولته الصغيرة في أميركا الجنوبية إلى واحدة من أكثر الديمقراطيات صحّة وليبرالية اجتماعية في العالم. كان صوت الضمير في عالم تسيطر عليه المصالح. علّمنا أنّ القيادة ليست في المناصب، بل في المواقف، وأنّ العظمة لا تأتي من السلطة، بل من التواضع وخدمة الآخرين. عاش إنساناً ومات تاركاً إرثاً إنسانيّاً فريداً. هزمه السرطان بعدما انتصر في كلّ المعارك التي خاضها. مات وهو يردّد أنّ “السرّ، كلّ السرّ، في الأخلاق”.

مواضيع ذات صلة

محسن دلّول… رجلُ الممرّات الخلفيّة في تاريخٍ صاخب

ليس سهلاً اختصار حياة محسن دلول الذي رحل عن ثلاثة وتسعين عاماً، في توصيف سياسيّ مباشر، ولا في سيرة تقليديّة تُعدّد المناصب والسنوات. الرجل الذي…

رحل محسن دلّول.. ناقل بريد السّياسيّين

ملتسبة وصعبة هي الكتابة عن محسن دلول، تماماً كحياته. فهي كتابةٌ تورّطك قبل أن تصنع في آخر الورطة مخرجاً، وتحرجك حين تتحوّل الحقائق إلى ألغام…

محمّد بركات حامل مفاتيح الجنّة

“دار الأيتام وجدتني، وأنا وجدت نفسي. الانتماء قضيّة أساسيّة، وأنا اعتبرت أنّ الله اختارني لمنصب مدير مؤسّسة الأيتام. أمّا التصاق اسم شخص بعمل معيّن، فهذا…

نوح وسفينته خلف القضبان: طوفان الدّولة؟

لم يكن توقيف نوح زعيتر قبل أيّام بموجب مئات المذكّرات خبراً أمنيّاً عابراً. بدا كأنّه صدمة صغيرة في بلد اعتاد الصدمات، لكنّها هذه المرّة تمسّ…