مسعد بولس: الجميع يعلم بتراجع دوره … إلا هو!

مدة القراءة 7 د

من هو مسعد بولس؟ وما هو حجم دوره ونفوذه في الإدارة الأميركية وفي البيت الأبيض؟ وهل صحيح أن ما يقوله تجاه منطقة الشرق يُعبر عن رأي واشنطن؟ أم أنها محاولات للبحث عن دور وعن مهمة؟

 

وصل مسعد بولس إلى قاعدة “أندروز” المشتركة في أوائل نيسان بعد تعيينه حديثاً كمسؤول عن السياسة الأفريقية لإدارة ترامب، وانتظر حتى ينطلق في رحلته الاولى إلى القارة.

انتظر طويلاً. بعد عدة ساعات، تبلغ هو ووفد وزارة الخارجية الصغير المرافق له بأن رحلتهم لن تتم؛ وأن الحكومة لن تدفع للجيش الأميركي تكاليف نقله والوفد المرافق جواً إلى وسط أفريقيا. اتصلت به سوزي وايلز، كبيرة موظفي الرئيس دونالد ترامب، مباشرةً لتخبره بأنه لن يتمكن من ركوب طائرة حكومية. وبالتالي تعين عليه تقليص رحلته التي تشمل عدة دول بإلغاء توقف في أنغولا، والسفر جواً على متن رحلات تجارية بدلاً من ذلك.

هذه الحادثة التي أوردتها مجلة “بوليتيكو” الأميركية تُظهر، بحسب المجلة، كيف أن بولس، والد زوج تيفاني دونالد ترامب، ورجل الأعمال اللبناني الأصل، الذي إدعى خلال الفترة الانتقالية أنه سيؤثر كثيراً على السياسة الخارجية لإدارة ترامب، كان يكافح منذ البداية للحصول على نفوذ كبير. كما تُوضح انه ليس من الصحيح دوماً أن الروابط العائلية هي ذات قيّمة بالنسبة لترامب. ووفقاً لمسؤولين في الإدارة تحدثوا للمجلة فإن بولس “مُنح ألقاباً رسمية دون مسؤوليات واضحة كما تم إبعاده عن المناقشات الرئيسية، أو تم إشراكه في المفاوضات بعد انجاز جزء كبير من العمل. وأن البيت الأبيض ووزارة الخارجية شعرا بالاستياء من جهوده المستقلة، وأن عدداً من الحوادث المتراكمة أفسدت علاقاته مع أقسام من الإدارة.

 يرحب بعض المسؤولين الأميركيين بحرص بولس على الخوض في قضايا السياسة الخارجية

إشادة بدوره في افريقيا

فهو منذ انضمامه إلى فريق ترامب، اتخذ إجراءات تبالغ في تقدير مسؤولياته في الإدارة. قام بتوزيع بطاقات عمل تضخم من مسمى وظيفته، ورفض إخطار وزارة الخارجية مسبقاً بشأن الاجتماعات الحساسة، وألمح تكراراً إلى أن نطاق صلاحياته أوسع مما هو عليه في الواقع. كما إن التقارير حول كذبه بشأن ثروته وحجم شركاته قبل انضمامه إلى الحكومة لم ترق للبعض أيضاً”.

الى جانب تعيينه مسؤولاً عن شؤون أفريقيا، لا يزال بولس يشغل منصب كبير مستشاري الشؤون العربية والشرق أوسطية. وهو المنصب الذي منحه ترامب لبولس خلال الفترة الانتقالية العام الماضي فأسرع الى عقد اجتماعات غير رسمية مع مسؤولين لبنانيين ودبلوماسيين آخرين، ما جعل بعض المسؤولين في الإدارة يقولون إنه تجاوز صلاحياته. وقال أحدهم للمجلة “كانت الوظيفة رمزية وكان الجميع يعلم ذلك إلا هو”.

ربما تنطبق هذه الصفة أيضاً على منصبه الجديد الذي تعتبره المجلة” افتراضياً” إذ لم تُسمِّ الإدارة بعدُ مسؤولها الأعلى للشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية أو في مجلس الأمن القومي. ولم يُقدِّم بيان وزارة الخارجية بشأنه سوى القليل من التفاصيل عن مسؤولياته. كما لا يمنح هذا الترتيب بولس حرية العمل التي يتمتع بها حلفاء ترامب الآخرون، الذين رسّخوا أدواراً تتجاوز التسلسل الهرمي التقليدي في الحكومة، بينما يجلس بولس في مكتب داخل مكتب الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية ويعمل تحت سلطة دبلوماسيين كبار.

تشير المجلة الى استياء البعض في البيت الأبيض ووزارة الخارجية من مبادرات لبولس أدت إلى نتائج عكسية

وفقاً للمجلة، يشيد متحدثون باسم الإدارة بدور بولس في سياسة ترامب تجاه أفريقيا، بما في ذلك الدفع نحو إبرام الخطوات الأولى في اتفاق بين الكونغو ورواندا لتهدئة العنف في شرق الكونغو. قال وزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض، إن بولس “حقق إنجازاً عظيماً الأسبوع الماضي” بمساعدته في توقيع الاتفاق مع وزيري خارجية الكونغو ورواندا”، وقالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في بيان: “يقوم بولس بعمل استثنائي، كما يتضح من الاتفاق بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا”. وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، جيمس هيويت، إن بولس “عضو قيّم في فريق السياسة الخارجية للرئيس، وقد أحرز تقدماً كبيراً في تعزيز العلاقات الأميركية مع الدول الأفريقية”.

استياء البيت الأبيض

لكن حتى عندما يحقق بولس نجاحاً في السياسة الأفريقية، فإنه يفعل ذلك إلى حد كبير بعيداً عن الأضواء وعن المكانة التي يحظى بها مبعوثو ترامب الآخرون. وفي رأي المتحدثين لمجلة “بوليتيكو”، فإن ضعف موقف بولس سببه كثرة حديثه والمقابلات الإعلامية المبكرة التي أكد فيها مكانته كصوتٍ مُهيمنٍ في السياسة اللبنانية، مما أغضب الدائرة المُقرّبة من ترامب، بالإضافة إلى تقريرٍ صحيفة “نيويورك تايمز” حول تضليله للجمهور لسنواتٍ بشأن مصدر ثروته.

كما ويعود ابتعاده عن العمل في الشرق الأوسط أيضاً إلى مخاوف الإدارة بشأن بعض علاقاته السياسية والاجتماعية في المنطقة. إذ أثارت ارتباطاته السياسية في لبنان قلق البعض في الإدارة الأميركية، وبشكل خاص علاقاته الوثيقة بسليمان فرنجية، المرشح المفضل لحزب الله للرئاسة اللبنانية في وقت سابق من هذا العام، الى جانب مقابلاته المتكررة مع وسائل إعلام عربية. كما انه لا يزال يقوم ببعض الأعمال المتعلقة بالشرق الأوسط من مكتبه في مكتب الشؤون الأفريقية. ويوزع بطاقة عمل تحتوي على بريده الإلكتروني وأرقام هواتفه في وزارة الخارجية وتصفه فقط بأنه “مستشار أول للرئيس” – مما يضخم بشكل كبير لقبه الرسمي ويزيد من الارتباك حول ما هو مسؤول عنه”.

الى جانب تعيينه مسؤولاً عن شؤون أفريقيا، لا يزال بولس يشغل منصب كبير مستشاري الشؤون العربية والشرق أوسطية

تشير المجلة الى استياء البعض في البيت الأبيض ووزارة الخارجية من مبادرات لبولس أدت إلى نتائج عكسية. ووفقاً لمسؤول في الإدارة الأميركية فإن جهود بولس لتجاوز نطاق عمله أحدثت بلبلة في الشرق الأوسط. “فهو يتحدث علناً عن قضايا ومواضيع ليست من مسؤولياته أو مشاركاً فيها، مما يسبب ارتباكاً في المنطقة. مثال مقابلة اجراها باللغة العربية شكك فيها باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه – مما أثار الشكوك حول عنصر رئيسي في المفاوضات الأميركية مع المغرب خلال إدارة ترامب الأولى لدفع الرباط إلى إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل. كما عقد بولس اجتماعاً خاصاً مع الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو خلال زيارته الأخيرة إلى باريس دون إخطار وزارة الخارجية مسبقاً، مما فاجأ سفارتي الولايات المتحدة في كل من فرنسا ونيجيريا عندما علمتا بالاجتماع من وسائل الإعلام.

إقرأ أيضاً: باحث أميركيّ مؤيّد لترامب: سوريا ليست معركتنا

على الرغم من هذه الأخطاء، وبحسب “بوليتيكو”، يرحب بعض المسؤولين الأميركيين بحرص بولس على الخوض في قضايا السياسة الخارجية الصعبة التي نادراً ما تحظى بالاهتمام في واشنطن. يشمل ذلك عمله لإنهاء القتال في شرق الكونغو، والضغط للحفاظ على مشروع البنية التحتية في عهد جو بايدن، والذي يهدف إلى مواجهة وصول الصين إلى البنية التحتية والمعادن النادرة في وسط أفريقيا، واجتماعه بوزراء ورؤساء دول مثل الرئيسين الكونغولي الرواندي، الى جانب دوره في إتمام صفقة لتأمين إعادة ثلاثة أميركيين من الكونغو كانوا يواجهون أحكاماً بالإعدام لدورهم المزعوم في محاولة انقلاب فاشلة.  لكن وبالرغم من ترحيب وزارة الخارجية الأميركية بما أنجزه بولس” في غضون أسابيع قليلة فقط من عمله كمستشار أول للرئيس لشؤون أفريقيا، من عمل هائل لتعزيز دبلوماسيتنا القائمة على مبدأ أميركا أولاً في جميع أنحاء القارة”، يعتبر شخص عارف بالسياسة الاميركية الأفريقية ” إن بولس فعل ما لم يفعله الآخرون، ولكن أيضاً لأنه لا يوجد غيره للقيام بذلك”.

 

لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا

مواضيع ذات صلة

كسر قبضة طهران على بغداد: 3 سّيناريوهات للعراق

يرى ضابطان أميركيّان متقاعدان خدما في بغداد أنّ سقوط النظام الإيرانيّ، إن حدث، سيحمل للعراق مخاطر جسيمة وفرصاً تاريخيّة في آنٍ واحد. إذ قد يفتح…

فريدمان لترامب وليهود أميركا: لا تدعوا نتنياهو يخدعكم

انتقد الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان بشدّة سياسات رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، معتبراً أنّه يستهزئ بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وباليهود الأميركيّين على حدّ…

سوريا: السّاعات الأخيرة لـ”ملك موهوم ومهووس”

في مقال مطوّل تحت عنوان “سقوط آل الأسد”، روى الكاتب في مجلّة “ذا أتلانتيك” روبرت وورث الساعات الأخيرة لبشّار الأسد نقلاً عن أحد أعضاء حاشية…

فضيحة أبي عمر… كما ترويها “الفايننشيل تايمز”

“هي قصّة مذهلة تدلّ على مدى هشاشة النخبة السياسيّة اللبنانيّة ومدى سهولة التلاعب بها”، هكذا وصفت صحيفة “فايننشيل تايمز” البريطانيّة قصّة “أبي عمر”، الشخص الذي…