أولاد العديسة وجدوا في قصر نقولا سرسق حضناً عزّ عليهم في جبل عامل. عائلةٌ من المثقّفين والفنّانين، ووالدهم الرسّام الذي أمضى عمره في بيروت، بسبب الاحتلال الإسرائيلي، ثمّ اختار العودة إلى بيت العديسة، محاطاً برسوماته وكتبه… هنا زيارة لمعرض استعاديّ، كرّم بعلبكي في متحف سرسق، منذ شباط الماضي، ويستمرّ حتّى أيلول المقبل.
لطالما كانت بيروت ظهرنا. نحن أهل الجنوب المرهون للحروب والمآسي. بيروت بأحيائها كلّها، من حيّ السلم إلى حيّ سرسق. ولطالما كانت خيمة الهاربين إليها. قبل محمود درويش وبعده. تحمي أهل فلسطين. وأهل الجنوب. تستقبل السوريين والعراقيين. تفتح مقاهيها وفنادقها لكلّ عربي، سواء كانت حاجته طبابةً أو سياحةً أو مقاومةً أو انقلاباً أو علماً أو إعلاماً.
ترك عبدالحميد بعلبكي خلفه رسوماته. التي جمعها أبناؤه في متحف سرسق. وصنعوا منها توليفة حول فكرة “البيت”
لطالما كانت بيروت بيتاً لكلّ أهلٍ بلا سقف. تواسيهم. تقدِّم لهم منابرها. جرائدها. متاحفها. خبزها وزيتها وتفّاحها. تحميهم في الحرب. وتكون مسرح حفلاتهم في السّلم. تضحك لهم. وتعبس معهم. وإذا رحلوا غاضبين أو مستائين، تودّعهم وتنتظر عودتهم.
في بيروت هذه عاش معظم سنواته عبدالحميد بعلبكي. مثل معظم أهالي قرى الشريط الحدودي. فرسم مقاهيها. وفقراءها. والبائعين على العربات. ورسم حربها. وتذكّر مجزرة دير ياسين في الجداريّة الكبيرة. وقبضاي الحرب.
تحرير عام 2000… وحرب 2023
بعد تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي في عام 2000، عاد عبدالحميد بعلبكي إلى العديسة. وكرّس سنوات كثيرة ليبني بيتاً يستعيد فيه طفولته وشبابه قبل الاجتياح الإسرائيلي والتهجير إلى بيروت… وهناك رسم الجنوب وطبيعته وأهله. وترك منزلاً مليئاً بالكتب واللوحات. ورحل.
لم يبتعد كثيراً. بقي في الحديقة. حيث رقد إلى جانب زوجته. والتصق بالعديسة إلى الأبد. حيث يستحيل تفريقه عنها. لا باحتلالٍ ولا بقصفٍ ولا بحربٍ.
لكن كما هي سيرة أهل الجنوب. تنتظرهم الحروب قبل أن يولدوا. وتلاحقهم حتّى بعد أن يغادروا. وحين تفتّقت العبقرية السياسية عن “حرب إسناد غزّة”، كان للمنزل نصيب من القصف الإسرائيلي.
جاءت الحرب مجدّداً، وأغارت على الضريح. وخاف الأولاد على ذكريات البيت وظلال الأهل في حديقة العمر. واطمأنّوا بعد هدوء المعارك نسبيّاً.
العائلة الاستثنائيّة
ترك عبدالحميد بعلبكي خلفه رسوماته. التي جمعها أبناؤه في متحف سرسق. وصنعوا منها توليفة حول فكرة “البيت”، أو “المنزل” أو “الدار” بلهجة أهالي العديسة وجوارها.
فهنا لوحة زوجين عجوزين ملتصقين. وهنا رسم لزوجين على السرير. وبائع بطّيخ في شوارع بيروت. وفلّاح يستريح تحت الأشجار. وخادمتان تجرّان “السيّد الصغير”. ورجال عائدون من الحجّ. وجداريّة كبيرة عن الحرب.
شارع سرسق في الأشرفية، شرق بيروت، موطن السراسقة، من أثرياء الأرثوذكس في بيروت، يبدو خلال زيارة المتحف هذه الأيّام، حديقةً خلفيّةً للعديسة
جمع أبناؤه اللوحات، وبعضها في بيوت الجامعين ومحبّيه. وجاؤوا بها إلى سرسق. أولاده الذين ربّما كانوا أجمل لوحاته. بينهم الصحافية جمانة، وقائد الأوركسترا الوطنية لبنان، وعازف الإيقاع سليمان، وربى ولبنى، والمطربة سميّة، والفنّان التشكيلي أسامة والممثّل منذر.
شارع سرسق في الأشرفية، شرق بيروت، موطن السراسقة، من أثرياء الأرثوذكس في بيروت، يبدو خلال زيارة المتحف هذه الأيّام، حديقةً خلفيّةً للعديسة. صالوناً يستقبل أهل الجنوب، وهم يكتشفون كيف أنّه حين يضيق الجنوب بأهله، تتّسع بيروت لهم. وحين تضيق العديسة، تتّسع الأشرفية. وحين يضيق جبل عامل، يتّسع حيّ السراسقة.
يخرج الزائر من القصر الأبيض الكبير والبديع، وفي باله جداريّة دير سريان، التي تؤرّخ للمذبحة الشهيرة في 1948 (رسمها في 1973)، وجداريّة الحرب الأهلية (1977). وكأنّ الماضي لا يمضي. فالمذبحة مستمرّة. والحرب مستمرّة. وعبدالحميد بعلبكي يدلّنا على هذه المأساة وهذا العار. كأنّه يدعونا إلى المقاومة بالفنّ. بالحبّ. بأنّنا سنبقى هنا. في الأشرفية.. كما في العديسة.
إقرأ أيضاً: الرؤساء الثّلاثة لأورتاغوس: لا تكرّروا تجربة 1982
لمتابعة الكاتب على X: