تتدحرج العريضة التي أطلقها طيّارون من الاحتياط في الجيش الإسرائيلي نهاية الأسبوع الماضي، والمطالِبة بإعادة الأسرى من غزة بثمن وقف الحرب، ككرة ثلج في المجتمع الإسرائيلي مع انضمام آلاف من طيّارين وأكاديميّين وقادة عسكريّين سابقين وقضاة وسفراء إليها.
بات ازدياد التأييد للعريضة يلقي بأثره على الجيش الإسرائيلي، ويطرح تساؤلات عن قدرته على استمرار الحرب على غزة، ويضع حكومة بنيامين نتنياهو أمام تحدّي كيفية مواجهة ذلك.
سيل من العرائض
صباح الأربعاء 16 نيسان نشر 200 من الضبّاط الكبار السابقين في الشرطة الإسرائيلية، من بينهم ثمانية مفتّشين عامّين سابقين للشرطة، وضبّاط في مصلحة السجون، عريضة تطالب بإعادة الأسرى المحتجزين في قطاع غزّة حتّى لو بثمن وقف الحرب.
ليل الأربعاء، وقّع نحو 100 من عناصر وحدة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، بينهم من لا يزال في الخدمة ومن أنهى خدمته، على عريضة مشابهة.
يوم الثلاثاء 15 نيسان نُشرت عريضة مماثلة وقّعها 472 ضابطاً وجنديّاً مسرّحون من الوحدات الخاصّة في الجيش، تحمل المضمون نفسه. نُشرت عريضة أخرى وقّعها 254 مسرّحاً من وحدة الكوماندوس البحري، من بينهم 69 ضابطاً وجنديّاً يخدمون في قوّات الاحتياط في هذه الوحدة.
يوم الجمعة الماضي ظهرت الاعتراضات في وسائل الإعلام مع نشر أكثر من 1,500 ضابط وجنديّ مسرّحين من سلاح المشاة والوحدات الخاصّة عريضة تحمل المطالب ذاتها، بينهم 16% يخدمون في قوّات الاحتياط، انضمّ إليهم سريعاً 250 ضابطاً وجنديّاً مسرّحون من الوحدة 8200 الاستخبارية، وحدة التنصّت الإلكتروني.
نُشرت عرائض أخرى مشابهة وقّع عليها 1,500 ضابط وجنديّ مسرّحون من سلاح المدرّعات، وحوالي 150 ضابطاً سابقاً في سلاح البحريّة، وحوالي 170 من خرّيجي “برنامج تلبيوت” للمجنّدين الذين أظهروا قدرة أكاديمية متميّزة في العلوم وإمكانات القيادة.
تشير التوقّعات إلى أنّ قادة المؤسّسة الأمنيّة لن يستطيعوا مواجهة الأعداد المتزايدة من المحتجّين بسياسة الإقصاء نفسها
نشرت جهات مدنية عرائض مشابهة أيضاً، بينهم نحو 3,000 من العاملين في القطاع الصحّي وفائزون بجائزة نوبل، وعريضة وقّعها 1,700 فنّان وعاملون في المجال الثقافي ومئات الأدباء والشعراء.
نُشرت عرائض أخرى وقّعها حوالي 3,500 أكاديمي وقرابة 3,000 من العاملين في جهاز التعليم و1,000 من أهالي طلّاب. ويوم أمس الخميس، وقّع 250 من ذوي الأسرى الإسرائيليين على عريضة لدعم جنود الاحتياط، وانضمّ 70 طبيباً عسكريّاً في جيش الاحتلال إلى العريضة، وهو ما ساهم في رفع عدد الموقّعين على العرائض الداعية إلى إعادة الأسرى مقابل وقف الحرب إلى أكثر من 120 ألفاً، من بينهم نحو 10 آلاف جنديّ في الاحتياط وجنود سابقون في الجيش.
تداعيات الاحتجاج تتفاقم
سريعاً ما ظهرت تداعيات العرائض الاحتجاجية، تحديداً داخل المؤسّسة الأمنيّة، إذ قرّر الجيش الإسرائيلي تقليص الاعتماد على جنود الاحتياط في عمليّات عسكريّة في غزة، واستبدالهم بقوّات نظامية.
قالت صحيفة “هآرتس” الثلاثاء إنّ قادة في الجيش يعتبرون أنّ تراجع الثقة لدى جنود الاحتياط بـ”المهمّة الموكلة إليهم” قد يضرّ بالتخطيط العمليّاتي. وكشفت الصحيفة أنّ صعوبات عدّة في تنفيذ خطط القتال أصبحت واضحة بالفعل في غزّة، ولبنان، وسوريا، والضفّة الغربية المحتلّة، ولذلك جرى إرسال وحدات نظامية إضافية إلى غزّة لتقليل الاعتماد على قوّات الاحتياط.
قرّر رئيس هيئة الأركان ايال زامير استبعاد العناصر الموقّعة على العرائض تحت ضغط نتنياهو وأركان حكومته اليمينيّة، لكنّ “هآرتس” لفتت إلى أنّ ذلك القرار أدّى إلى نتائج عكسية غير متوقّعة، ناقلة عن مصادر عسكرية قولها إنّ ردّة فعل زامير وقائد سلاح الجوّ تومر بار كانت “مبالغاً فيها”، وإنّ قيادة الجيش لم تتوقّع “الأزمة المتفاقمة يوماً بعد يوم”، في ظلّ تزايد أعداد الموقّعين على عرائض مماثلة.
سريعاً ما ظهرت تداعيات العرائض الاحتجاجية، تحديداً داخل المؤسّسة الأمنيّة، إذ قرّر الجيش الإسرائيلي تقليص الاعتماد على جنود الاحتياط
تشير التوقّعات إلى أنّ قادة المؤسّسة الأمنيّة لن يستطيعوا مواجهة الأعداد المتزايدة من المحتجّين بسياسة الإقصاء نفسها، بينما نقلت “هآرتس” عن مصادر عسكرية أنّ “الأزمة أوسع ممّا يتمّ عرضه للرأي العامّ”.
حسب ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية فإنّ نحو 20% من آلاف الموقّعين على رسائل دعم احتياطي سلاح الجوّ يخدمون فعلاً منذ بداية الحرب، إلى جانب عدد كبير آخر يشغلون مناصب حيويّة، الأمر الذي يثير قلق المؤسّسة العسكرية.
ألقى اتّساع رقعة الاعتراضات بثقله على رئيس الأركان الجديد ايال زامير الذي يجد نفسه في موقف حرج، ولذلك يُحرص حسب وسائل الإعلام الإسرائيلية على وضع القيادة السياسية أمام تداعيات ما يجري.
الإثنين 14 نيسان بعد 3 أيّام من بدء نشر الاعتراضات، حذّر زامير من النقص الحادّ في القوى البشرية داخل الجيش، مؤكّداً أنّ هذا العجز يشكّل عائقاً كبيراً أمام تحقيق أهداف الحرب في قطاع غزة.
أزمة نقص في الجيش
أكّد زامير خلال مناقشاته مع المستوى السياسي، بحسب ما نقلته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أنّ هذا النقص في الجنود المقاتلين يحدّ من قدرة الجيش على تنفيذ التطلّعات التي يضعها صنّاع القرار في الحكومة التي تواصل الاعتماد حصرياً على الأدوات العسكرية ومقاتلي الجيش في إدارة الحرب، من دون وجود تحرّك سياسيّ موازٍ يمكن أن يكمّل العمليات العسكرية على الأرض. واعتبر أنّ هذا النهج غير كافٍ لتحقيق الأهداف المعلنة، خاصة في ظلّ غياب خطّة سياسية تواكب المجهود العسكري وتوفّر بديلاً عن حركة “حماس” في القطاع.
بات ازدياد التأييد للعريضة يلقي بأثره على الجيش الإسرائيلي، ويطرح تساؤلات عن قدرته على استمرار الحرب على غزة
حسب “يديعوت” يواجه الجيش أزمة نقص في القوّات غير مسبوقة منذ عقود، إذ توقّف أكثر من 100 ألف جندي في الاحتياط عن أداء الخدمة، بينما يرفض بعضهم الانخراط في الحرب، ناقلة عن مصدر مطّلع أنّ نسبة جنود الاحتياط الذين يلتحقون بالوحدات القتالية تصل إلى ما بين 60 و70 في المئة في أحسن الحالات.
أوضح زامير أنّ الالتزام بالتجنيد في صفوف جيش الاحتلال حتّى ضمن الوحدات القتالية، بات منخفضاً بشكل مقلق، وأنّ إنجازات الجنود في ساحة القتال بدأت تتآكل نتيجة غياب الدعم السياسي الفعّال، محذّراً من أنّ استمرار الجمود في البحث عن بديل لحكم “حماس” في غزة من شأنه أن يقوّض أيّ مكاسب ميدانية.
إقرأ أيضاً: إسرائيل على أبواب حرب أهليّة؟
يبدو أنّ تعنت نتنياهو وحكومته إزاء العرائض والمحتجّين يدفع آخرين للانضمام إليهم، خصوصاً في ضوء التصريحات التي يطلقها نتنياهو ضدّهم.

