تعود مشاركة مصر في كأس العالم إلى عام 1934، حين كانت أوّل منتخب إفريقيّ يطأ أرض المونديال. غير أنّ ما تلا ذلك لم يكن في مستوى هذه الريادة، فمصر لم تتمكّن قطّ من تحقيق انتصار واحد في كأس العالم، على الرغم من ثلاث مشاركات سابقة في أعوام 1934 و1990 و2018، وودّعت البطولة في كلّ مرّة من دور المجموعات باستثناء عام 1934 حين دخلت مباشرة في دور الستّة عشر بسبب طبيعة النظام آنذاك. في روسيا 2018، جاء الحضور المصريّ مخيّباً لآمال ملايين المشجّعين الذين حلموا بعودة كبرى بعد غياب 28 عاماً. أمّا في شماليّ أميركا 2026، فتعود مصر للمرّة الرابعة في تاريخها، حاملةً عبء توقّعات ثقيلة وعيون مفتوحة على إنجاز تاريخيّ لم يتحقّق بعد.
أتمّ المنتخب المصريّ حملة التصفية من دون هزيمة واحدة، محقّقاً ثمانية انتصارات من أصل عشر مباريات، ليُنهي مرحلة المجموعات في صدارة مجموعته. والأرقام الهجوميّة والدفاعيّة على حدّ سواء تستحقّ الوقوف عندها: سجّل الفريق 20 هدفاً ولم يتلقَّ سوى هدفين طوال عشر مباريات تصفية، وهي أرقام تعكس فريقاً يجمع بين الفاعليّة الهجوميّة والصلابة الدفاعيّة. وبلغ المنتخب نصف نهائيّ كأس الأمم الإفريقيّة 2025 قبل أن يودّع البطولة أمام السنغال.
محمّد صلاح: الرّجل والأسطورة والرّهان
لا يمكن الحديث عن المنتخب المصريّ من دون البدء بمحمّد صلاح، لأنّه ببساطة هو المنتخب المصريّ وشيء أكثر منه في آنٍ واحد. إنّه ليس لاعباً في تشكيلة وحسب، بل هو المشروع كلّه، والحلم كلّه، وثقل تاريخ كرويّ عمره تسعون عاماً يجثم على كتفيه في كلّ مباراة يرتدي فيها القميص الأحمر.
تعود مشاركة مصر في كأس العالم إلى عام 1934، حين كانت أوّل منتخب إفريقيّ يطأ أرض المونديال
لا تكفي الأرقام وحدها لرسم صورته الكاملة، لكنّها تبدأ الحكاية على أيّ حال. يدخل صلاح هذه البطولة على بُعد هدفين فحسب من الرقم القياسيّ لأهداف المنتخب المصريّ البالغ 69 هدفاً، والمملوك حاليّاً للمدرّب نفسه حسام حسن، في مفارقة لا يصنعها إلّا الخيال. أن تُطارد رقم مدرّبك وأن يراقبك من كرسي الإدارة الفنّيّة، فهذه دراما لا يصنعها سيناريست محترف. سجّل صلاح تسعة أهداف في التصفيات، متصدّراً قائمة هدّافي مجموعته، وهو رقم يقول الكثير عن رجل في الثالثة والثلاثين يُفترض أنّه في مرحلة تراجع المسيرة لا ذروتها.
على المستوى الأوروبيّ، يحلّ صلاح في المرتبة الأولى في قائمة أعظم اللاعبين الأفارقة على مرّ العصور، والمرتبة الخامسة بين أعظم لاعبي الدوري الإنكليزيّ الممتاز في التاريخ. قاد ليفربول إلى لقب دوريّ أبطال أوروبا ولقب الدوريّ الإنكليزيّ وألقاب متعدّدة، وحصد جائزة أفضل لاعب في أوروبا مرّات عدّة. وما يُميّزه عن كثير من النجوم الكبار الذين وصلوا إلى ذرى الكرة الأوروبيّة أنّه لم يتخلَّ يوماً عن قميص بلاده، فظلّ حاضراً في التصفيات الإفريقيّة الصعبة ومستعدّاً لخوض المعارك الصغيرة قبل الكبيرة.
الرجل الذي يبلغ من العمر 33 عاماً يدخل هذا المونديال محمّلاً بثقل خاصّ من نوع مختلف. فهذا المونديال تحديداً ليس حدثاً عابراً في مسيرة دوليّة حافلة، بل هو على الأرجح المحطّة الأخيرة الكبرى، الفرصة الأخيرة لنجم من أعظم نجوم جيله كي يترك بصمته على أكبر مسرح كرويّ في العالم. في روسيا 2018 خرج مصاباً مكسور الجناح، فلم يكتمل حضوره ولم تكتمل أحلامه. وها هو يعود اليوم بجسد لا يزال يحمل جمر المنافسة وعقل يعرف أنّ الفرص لا تطرق الباب مرّتين.
أتمّ المنتخب المصريّ حملة التصفية من دون هزيمة واحدة، محقّقاً ثمانية انتصارات من أصل عشر مباريات، ليُنهي مرحلة المجموعات في صدارة مجموعته
كلّ شيء في هذا الفريق يمرّ عبره. حين يتقدّم صلاح تتقدّم مصر، وحين يتراجع تتراجع معه كلّ الحسابات. المدافعون يُكيّفون مواقعهم بناءً على تحرّكاته، والوسط يُدير الكرة بعين واحدة نحو الأمام نحوه. حتّى عمر مرموش، المهاجم الموهوب الذي صنع اسمه في مانشستر سيتي، يعرف أنّ دوره الأوّل هو أن يفتح المساحات لصلاح لا أن يملأها. هذه الهيمنة على إيقاع الفريق هي نقطة قوّة استثنائيّة حين يكون في يومه، ونقطة هشاشة خطِرة حين تُحكَم عليه المراقبة.
إلى جانب صلاح، يُشكّل عمر مرموش لاعب مانشستر سيتي خطّ هجوم ثانياً حقيقيّاً، ويمتلك السرعة والحركة والقدرة على اللعب بجانب صلاح أو من خلال الوسط، فيما يُضيف محمود حسن الخبرة والفاعليّة في المساحات الضيّقة. أمّا في الهجوم، فيدعم هذا الثلاثيّ مصطفى محمّد مهاجم نانت الذي أثبت حضوره في كأس الأمم الإفريقيّة.
مكامن القوّة والضّعف
يرتكز المنتخب المصريّ على ثلاثة أعمدة صلبة. أوّلها الصلابة الدفاعيّة المُثبتة بأرقام التصفيات التي لا تكذب. وثانيها التوافر المتوازن بين محور الدفاع القويّ المُشكّل من لاعبي الأهليّ والزمالك الذين يتقاسمون لغة تكتيكيّة مشتركة، وخطّ هجوم يمتلك نجوماً محترفين في أكبر دوريّات أوروبا. وثالثها وجود صلاح الذي يُغيّر معادلة أيّ مباراة في لحظة واحدة، وهو ورقة لا تمتلكها سوى منتخبات بعينها.
لا يمكن الحديث عن المنتخب المصريّ من دون البدء بمحمّد صلاح، لأنّه ببساطة هو المنتخب المصريّ وشيء أكثر منه في آنٍ واحد
غير أنّ الصورة لا تخلو من ظلال. فالاعتماد المفرط على صلاح يجعل المنتخب عرضة للانهيار إذا ما أُحكمت المراقبة عليه أو غاب بإصابة. وتبقى التجربة الأوروبيّة لأغلب لاعبي الدفاع والوسط شحيحة، إذ يعتمد الفريق بشكل رئيس على لاعبي الدوريّ المصريّ. علاوة على ذلك، يُشكّل المدرّب حسام حسن علامة استفهام، إذ اللاعب الموهوب لا يعني بالضرورة مدرّباً متمرّساً في تحمّل ضغوط المونديال.
إقرأ أيضاً: النسور الخضر في مونديال 2026: التأهل ممكن
وقع المنتخب المصريّ في المجموعة G إلى جانب بلجيكا ونيوزيلندا وإيران. يواجه الفراعنة بلجيكا في مباراتهم الافتتاحيّة في سياتل يوم 15 حزيران، ثمّ نيوزيلندا في فانكوفر، قبل أن يختتموا دور المجموعات بمواجهة إيران. تبدو المجموعة في متناول اليد نسبيّاً، فبلجيكا منتخب كبير لكن لم يعد في ذروة جيله الذهبيّ، ومواجهتا نيوزيلندا وإيران تبدوان فرصتين حقيقيّتين. تقول الحسابات إنّ التأهّل ممكن، ويقول التاريخ إنّه آن أن يحدث، لكنّ كرة القدم لا تقرأ كتب التاريخ.
