طرح نتنياهو أسوأ من اتّفاق 17 أيّار

مدة القراءة 9 د

اتّفاق 17 أيّار 1983 تطوير لاتّفاق الهدنة 1949، وما يراد العمل عليه الآن هو استعادة للمعاهدة الملغاة قبل أكثر من أربعة عقود والانتقال بسرعة إلى مرحلة سلام وتطبيع من دون ركائز ولا مقدّمات.

 

قد يكون اتّفاق 17 أيّار، الذي أُلغي في العام التالي، أي في 5 آذار 1984، بعد شهر من انتفاضة شباط، والسيطرة على بيروت، مشابهاً إلى حدّ ما لِما يُطرح الآن على طاولة المفاوضات في واشنطن. إلّا أنّ استعراض بنود الاتّفاق السابق، وحتّى ما أحاط به من اقتراحات إضافيّة من حكومة إسرائيل، يوحيان بأنّه أفضل ممّا يريد بنيامين نتنياهو فرضه على لبنان هذه الأيّام. ليس ذلك طبعاً إلّا لتغيّر الظروف والأمزجة والتطلّعات وتبدّل التوازنات المحليّة والعربيّة والدوليّة.

صحيح أنّ المنطقة الأمنيّة المفروضة في الاتّفاق المذكور تصل إلى نهر الأوّلي، وأنّ المنطقة المقترحة الآن قد لا تتجاوز نهر الليطاني، أو لا تغطّي كلّ المنطقة من الحدود حتّى النهر المذكور، إلّا أنّ إخلاء القرى والبلدات والمدن من السكّان ومن السلاح، بعمق 10 كيلومترات أو أقلّ، من خلال التدمير والتفجير والتجريف، يختلف تماماً عن طرح عام 1983، وعن الأمر الواقع الذي فرضه الإسرائيليّون في الجنوب بين عامَي 1985 و2000، عندما استعانوا بـ”جيش لبنان الجنوبيّ” ليكون أفراده “أكياس رمل” لصدّ هجمات المقاومين، وبيادق صغيرة في لعبة شطرنج كبيرة.

إخلاء القرى والبلدات والمدن من السكّان ومن السلاح، بعمق 10 كيلومترات أو أقلّ، من خلال التدمير والتفجير والتجريف، يختلف تماماً عن طرح عام 1983

الاعتراض على الاتّفاق

انصبّ الاعتراض الأساسيّ آنذاك من القوى الإسلاميّة والوطنيّة بشأن اتّفاق 17 أيّار على قبول الرئيس أمين الجميّل التفاوض المباشر مع إسرائيل على مستوى السفراء والضبّاط، باعتبار أنّ المصافحة اعتراف بإسرائيل، واشتراط انسحاب القوّات السوريّة من لبنان كنتيجة موازية لعقد الاتّفاق.

كان منتظراً تفعيل هذا الانسحاب بعد إبرام الاتّفاق، وامتناع لبنان عن استقبال قوّات معادية لإسرائيل على أراضيه، علاوة على إقامة منطقة أمنيّة واسعة، وانتشار لواءين من الجيش اللبنانيّ في المنطقتين “أ” و”ب”، مع من سُمّوا بـ”الأنصار”، في المنطقة الحدوديّة، والأخيرون هم عبارة عن قوّات رديفة أو ملحقة بالقوّات الرسميّة، وهو تعبير ملطّف لمقاتلين متعاملين مع الاحتلال، وفتح باب التطبيع من خلال السماح لاحقاً بحركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود.

إلّا أنّ الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة قفزت فوراً إلى ما هو أبعد بكثير من التفاوض المباشر بين وفدين سياسيَّين، فاقترحت لقاء مباشراً بين رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، برعاية الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب المهووس بالصور التذكاريّة وسرديّة صانع السلام، وكأنّ نتنياهو يكمل ما بدأ به مناحيم بيغن (توفّي عام 1992) أوائل أيّار 1979، بعد أشهر من عمليّة الليطاني 1978، حين اقترح اللقاء بالرئيس إلياس سركيس (توفّي عام 1985) من أجل التفاوض على معاهدة سلام مع لبنان.

اقترحت حكومة نتنياهو أيضاً من دون وقف حقيقيّ لإطلاق النار في الجنوب والبقاع الغربيّ، التحالف العسكريّ مع الحكومة اللبنانيّة ضدّ “الحزب”، العدوّ المشترك لكلٍّ من الحكومتين. لكن إذا كان “الحزب” يعتبر التفاوض المباشر خيانة، فماذا سيقول عن التحالف مع إسرائيل؟ وإن كان نزع سلاح “الحزب” بمنزلة الطريق السريع نحو الاحتراب الداخليّ أو “الحرب الأهليّة” كما يتردّد في أدبيّات “الحزب” هذه الأيّام، ولو كانت قرارات الحكومة بنزع سلاحه وتجريم نشاطاته العسكريّة والأمنيّة إشارات واضحة إلى “صهيونيّة” حكومة نوّاف سلام، والمطلوب إسقاطها فوراً، فلماذا يطرح الإسرائيليّون اقتراحات مستحيلة إن لم يكن الهدف إشعال الفتنة الداخليّة عمداً، كما فعلوا عقب اتّفاق 17 أيّار في الجبل خاصّة؟

طموح لبنان وقف إطلاق النّار

إنّ أقصى ما يطمح إليه لبنان أو أقصى ما يمكن السلطة التنفيذيّة القيام به هو وقف إطلاق النار فوراً على أراضي لبنان كافّة أو الالتزام الكامل باتّفاق عام 2024، وانتشار الجيش اللبنانيّ حتّى الحدود الدوليّة، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، أي اتّفاق ترتيبات أمنيّة لا يختلف كثيراً عن الاتّفاق السابق، أو ما يقارب اتّفاق 17 أيّار، مبتعداً بالضرورة عن هدنة 1949، لأسباب موضوعيّة، مع انزياح العقبة السوريّة التي كانت سبب إلغائه قبل 42 سنة، في حين أنّ العودة إلى اتّفاق الهدنة مرفوضة إسرائيليّاً، لا سيما مع معاهدات السلام الموقّعة مع مصر والأردن، ثمّ اتّفاق أوسلو مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة.

بدل أن يكون لبنان هو البلد الثاني الذي يوقّع السلام مع إسرائيل بعد مصر، كما كان يتمنّى رئيس الوزراء السابق مناحيم بيغن، قد يكون لبنان آخر من يوقّع اتّفاقاً أمنيّاً مع إسرائيل، بعد سوريا، أو قد يكون اتّفاق قبل سوريا، بحسب الظروف المتبدّلة.

بادرت الولايات المتّحدة إلى استصدار القرار 425 عن مجلس الأمن في 19 آذار 1978، وقد قضى بانسحاب القوّات الإسرائيليّة من لبنان، ونشر قوات الطوارئ الدوليّة على الحدود اللبنانيّة الإسرائيليّة، وكان هذا بمنزلة إنشاء حزام أمنيّ رمزيّ يمنع تسلّل الفدائيّين الفلسطينيّين إلى إسرائيل، وضمان دوليّ لتخفيف الضغوط الإسرائيليّة على لبنان، وذلك بحسب تعبير الدكتور نبيل خليفة في كتابه: “الاستراتيجيات السوريّة والإسرائيليّة والأوروبيّة حيال لبنان / بحث في مصير الدولة – الحاجز”.

لكنّ هذا القرار لم يطبّق فعليّاً، وكانت صواريخ الكاتيوشا الفلسطينيّة علاوة على العمليّات الفدائيّة عبر الحدود، الذريعة الإسرائيليّة لاجتياح أكبر وأوسع، مع مطالب إسرائيليّة أخطر. إذا كان بيغن أكّد أنّ إسرائيل لا تطمع بشبر واحد من لبنان، وأنّه يتطلّع إلى اليوم الذي يوقّع فيه لبنان معاهدة سلام مع إسرائيل، فإنّ أرييل شارون (توفّي عام 2014) قال إنّه لم يكن بالإمكان إبعاد الفدائيّين عن جنوب لبنان من دون الوصول إلى بيروت، ولم يكن ممكناً منع عودتهم من دون ضمان قيام حكم لبنانيّ برئاسة بشير الجميّل يوقّع معنا اتّفاق سلام.

قترحت حكومة نتنياهو أيضاً من دون وقف حقيقيّ لإطلاق النار في الجنوب والبقاع الغربيّ، التحالف العسكريّ مع الحكومة اللبنانيّة ضدّ “الحزب”، العدوّ المشترك لكلٍّ من الحكومتين

الهدنة والاتّفاق الأمنيّ ومعاهدة السّلام

الهدنة هي تعليق مؤقّت للأعمال العدائيّة، وتدلّ هذه العبارة على أنّ الأعمال العدائيّة ستُستأنف عند انتهاء المهلة، وقد تكون عامّة في كلّ الأماكن أو جزئيّة ومحلّية فتؤدّي إلى تعليق الأعمال العدائيّة في أجزاء معيّنة من القوّات المسلّحة المشترِكة فعليّاً أو في مناطق معيّنة من مسرح العمليّات، فيما يُستعمل اتّفاق وقف إطلاق النار عادة للتعبير عن وقف الأعمال الحربيّة العدائيّة بناء على طلب مجلس الأمن أو أيّ هيئة دوليّة أخرى. الأثر العامّ لهذا الاتّفاق هو المنع المطلق للأعمال العدائيّة وللعمليّات الحربيّة في المنطقة المحدّدة في الاتّفاق أو الأمر بوقف إطلاق النار.

من الطبيعيّ أنّ معاهدة السلام هي أبعد بكثير من إنهاء الأعمال الحربيّة، ومن الهدنة المؤقّتة، وهذا ما أشار إليه وزير الخارجيّة السابق إيلي سالم في كلمته أمام مجلس النوّاب في 16 أيّار 1983، حين قال: “إعلان إنهاء الحرب، وهو ما نصّ عليه اتّفاق 17 أيّار، لا يعني أنّنا على وشك إعلان حالة السلام. بل إنّ لبنان هو البلد العربيّ الوحيد الذي أعطى فرصة لاختبار تكتيك الحرب المباشرة مع إسرائيل، ففشل هذا التكتيك وأدّى إلى فشلها وتخريب لبنان”.

في كلمة سالم التي نشرها الكتاب الأبيض، الصادر عن وزارة الخارجيّة ووزارة الإعلام، في أيّار 1983 تحت عنوان: “وثائق اتّفاق جلاء القوّات الإسرائيليّة”، يرتكز اتّفاق 17 أيّار مع إسرائيل إلى حدّ كبير على مبادئ اتّفاقيّة الهدنة المعقودة بين لبنان وإسرائيل في 23 آذار 1949، مع العلم بأنّ الهدنة كانت في ذلك الوقت بين جيشين متحاربين على الحدود الفلسطينيّة، وكانت الاتّفاقيّة لضمان انسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي اللبنانيّة.

اتّفاق الهدنة

تقوم مبادئ اتّفاق الهدنة على عدم اللجوء إلى القوّة، وعدم القيام بالأعمال العدائيّة، سواء من القوّات المسلّحة النظاميّة أو شبه النظاميّة، والإقرار بحقّ كلّ طرف بالعيش بأمن وحرّيّة، ومنع انطلاق الأعمال العدائيّة من أراضي كلّ فريق ضدّ الفريق الآخر، وإقامة منطقة أمنيّة محدودة، وإنشاء لجنة مشتركة بين لبنان وإسرائيل تسمّى لجنة الهدنة المختلطة، وتتألّف من خمسة أعضاء، اثنين من لبنان، واثنين من إسرائيل، وتكون برئاسة ممثّل عن الأمم المتّحدة، مع السعي إلى الانتقال إلى وضع أفضل، أي إلى سلام.

يضيف سالم أنّ إسرائيل كانت تصرّ على إدخال بنود في الاتّفاق تحدّد بالتفصيل العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة بين البلدين، وأن تكون العلاقات طبيعيّة، وعلى أن تبقى الحدود مفتوحة، ونقل الأشخاص والبضائع بكثافة.

رفضت إسرائيل في البداية قوّات الطوارئ الدوليّة، وحدّدت المنطقة الأمنيّة إلى جنوب نهر الأوّلي وجنوبي جبل الباروك حتّى دير العشائر، وكانت تريد مدّ المنطقة إلى الدامور وشماليّ جبل الباروك بحيث تشرف على دول المنطقة من ذلك الارتفاع. كانت تصرّ على الانتشار بكثافة في المنطقة الأمنيّة، وأن تقيم الحواجز على الطرق الدوليّة، وتفتّش البيوت، وتستجوب الأشخاص، وتدهم المجموعات المشبوهة، أي كانت إسرائيل تشترط حرّية العمل منذ ذلك الوقت، وهو ما تفعله حرفيّاً في الجنوب السوريّ المحتلّ.

إقرأ أيضاً: تمديد الهدنة والتفاوض: “الحزب” يفشل بحرمان الدّولة حقّها

أمّا الوفد اللبنانيّ فكانت لديه لاءات عديدة: لا لعقد المفاوضات في القدس، لا لمفاوضات على مستوى الوزراء، لا لإقامة محطّات إنذار مبكر، لا لمحطّات مراقبة، لا لضبّاط ارتباط إسرائيليّين في كلّ وحدة من الوحدات التابعة للجيش اللبناني في المنطقة الأمنيّة، لا لحقّ الموافقة الإسرائيليّة على الضبّاط اللبنانيّين جنوب الزهراني، لا للاعتراف السياسيّ بين البلدين، ولا لحقّ المطاردة الساخنة داخل الأراضي اللبنانيّة.

مع ذلك كلّه، سقط اتّفاق 17 أيّار في الميدان قبل أن يسقط تحت قبّة البرلمان، فماذا سيكون شكل الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ المرتقب؟ وهل يكرّر التاريخ نفسه؟

مواضيع ذات صلة

لماذا يحتاج “الحرس الثوري” “الحزب”؟

ما تزال إيران محتاجة إلى “الحزب”، وهي محتاجة أيضاً إلى أن يبقى مصدر إزعاج لإسرائيل. فهي تضغط على الولايات المتحدة عبر مضيق هرمز والملف النّووي،…

هستيريا إيرانيّة بعد فقدان ورقة لبنان

دفعت الهستيريا الإيرانيّة بفعل فقدان ورقة لبنان “حرس الثورة” إلى قرارات هوجاء مجدّداً، من دون حساب لردّة الفعل الإسرائيليّة. جاء ذلك بعدما تسبّب الجنون الإسرائيليّ…

مطار القليعات… سلام ينهي الثّلث المعطِّل الجوّيّ

ثلاثة أثلاث تمكَّن الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام من إنهائها وإسقاطها منذ بداية العهد: 1– الثلث المعطّل داخل مجلس النوّاب. 2– الثلث المعطّل داخل الحكومة….

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

تزامن خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم في 24 أيّار الفائت، في مناسبة ما اصطلح على تسميته “عيد التحرير”، مع تصاعد حدّة التدمير الإسرائيليّ لقرى…