ريتشارد هاس: مضيق هرمز أوّلاً… لكن بشروط

مدة القراءة 5 د

يرى الدبلوماسيّ الأميركيّ المخضرم ريتشارد هاس أنّه ينبغي إعطاء الأولويّة في المفاوضات الأميركيّة–الإيرانيّة لإعادة فتح مضيق هرمز فوراً، من خلال اتّفاق سريع يرفع الحصار المتبادل بين الولايات المتّحدة وإيران، مع تأجيل الخوض في الملفّ النوويّ إلى مرحلة لاحقة نظراً لتعقيداته التقنيّة والسياسيّة. يؤكّد أنّ ربط المسألتين قد يعرقل التوصّل إلى أيّ حلّ سريع، ويعرّض الاقتصاد العالميّ لمخاطر جسيمة، فيما يتيح هذا النهج المرحليّ احتواء الأزمة الراهنة وتهيئة الأرضيّة لمفاوضات أوسع في المستقبل.

 

بالنسبة لهاس، الذي يُعدّ من أبرز الخبراء الأميركيّين في مجال السياسة الخارجيّة، وشغل منصب كبير مستشاري الشرق الأوسط للرئيس جورج دبليو بوش، ومدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، ورأس مجلس العلاقات الخارجيّة لسنوات طويلة، يتطلّب التعامل مع التوتّر القائم في مضيق هرمز مقاربة براغماتيّة تفصل بين القضايا العاجلة وتلك المعقّدة. يشير إلى تقارير تفيد بأنّ إيران اقترحت التركيز على إعادة فتح المضيق وتأجيل النظر في برنامجها النوويّ وقضايا أخرى، معتبراً أنّ على الولايات المتّحدة قبول هذا التوجّه والشروع في مفاوضات عاجلة.

يرى هاس أنّ تأجيل مناقشة القضيّة النوويّة أمر منطقيّ. في بعض الأحيان، قد يؤدّي إدراج قضايا إضافيّة على طاولة المفاوضات إلى إيجاد حلول وسط تسهّل التوصّل إلى اتّفاق، لكنّ هذه ليست إحدى تلك الحالات. لقد استغرقت المفاوضات السابقة بشأن البرنامج النوويّ الإيرانيّ سنوات، وهي مفاوضات شديدة التعقيد ومثيرة للجدل. الفجوة كبيرة بين الولايات المتّحدة وإيران في ما يتّصل بالعناصر الأساسيّة لأيّ اتّفاق، مثل مصير اليورانيوم المخصّب داخل إيران، وحقّها في التخصيب وحدوده، ومستويات هذا التخصيب، وإمكان فرض وقف مستقبليّ له ومدّته، إضافة إلى آليّات التفتيش، ولذا تجعل التوصّل إلى اتّفاق سريع أمراً غير واقعيّ.

لحلّ أزمة المضيق، يدعو هاس إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تبنّي اتّفاق بسيط يقوم على مجموعة من الخطوات

الرّبط ينذر بالانهيار

بالنسبة لهاس، الصورة واضحة: إنّ ربط إعادة فتح مضيق هرمز بالتوصّل إلى تسوية شاملة في الملفّ النوويّ من شأنه أن يعرّض الاقتصاد العالميّ لخطر بالغ قد يصل إلى حدّ الانهيار. إلى جانب ذلك، قد تتفاقم أزمات إنسانيّة، إذ سيؤدّي نقص الأسمدة إلى تراجع الإنتاج الزراعيّ، وهو ما يرفع مخاطر سوء التغذية في عدّة مناطق من العالم.

يعتقد هاس أنّ طرح إيران صيغة “المضيق أوّلاً” يشير إلى أمرين أساسيَّين:

1- احتمال وجود انقسامات داخل القيادة الإيرانيّة بشأن الملفّ النوويّ، إذ يرى بعضهم أنّ امتلاك سلاح نوويّ كان سيحول دون اندلاع الحرب، وغالباً ما يُستشهد بتجارب دول مثل كوريا الشماليّة، في مقابل أمثلة أخرى كأوكرانيا وليبيا والعراق.

هرمز

2- الثمن الباهظ الذي تدفعه إيران جرّاء الحصار الأميركيّ، إذ تعجز عن تصدير نفطها وغازها، وهو ما يحرمها من أهمّ مصادر الإيرادات والعملات الأجنبيّة.

يشدّد هاس على أن لا جدوى من منع الآخرين من استخدام المضيق إذا لم تتمكّن إيران من استخدامه أيضاً. يرى أنّ الاعتقاد بأنّ الضغوط الاقتصاديّة ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات جوهريّة في الملفّ النوويّ يعكس سوء فهم لطبيعة هذا البلد، الذي أظهر خلال أسابيع الحرب قدرته على الصمود وتحمّل الضغوط عندما يتعلّق الأمر بما يعتبره مساساً بكرامته ومصالحه.

يلفت هاس إلى أنّ للصين مصلحة كبيرة ومتنامية في إعادة فتح المضيق. لا تعتمد الصين على الطاقة الإيرانيّة فقط، بل وعلى إمدادات الطاقة من دول الجوار. يقوم الاقتصاد الصينيّ على توافر طاقة بأسعار معقولة لتغذية سلاسل التوريد الصناعيّة، وهو ما يجعل أيّ إغلاق طويل للمضيق عاملاً ضاغطاً إضافيّاً على اقتصاد يعاني أصلاً من تباطؤ. الأسوأ، من منظور بكين، هو احتمال تجدّد الأعمال العدائيّة التي قد تلحق مزيداً من الضرر بالبنية التحتيّة للطاقة في المنطقة.

يتطلّب التعامل مع التوتّر القائم في مضيق هرمز مقاربة براغماتيّة تفصل بين القضايا العاجلة وتلك المعقّدة

هكذا تُحلّ أزمة المضيق

لحلّ أزمة المضيق، يدعو هاس إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تبنّي اتّفاق بسيط يقوم على مجموعة من الخطوات:

1- إعادة فتح المضيق سريعاً ورفع الحصار المتبادل.

2- القبول من حيث المبدأ بفرض إيران رسوماً معتدلة على عبور السفن، مع تقاسم العائدات بين الدول المطلّة والإقرار بالطبيعة الدوليّة للممرّ.

3- إنشاء آليّة جديدة لإدارة المضيق تتولّى تنظيم الملاحة ومعالجة المخاطر.

4- قبول عرض أوروبيّ لتأمين السفن التجاريّة.

5- تأجيل أيّ تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأصول الإيرانيّة المجمّدة إلى مرحلة لاحقة مرتبطة بالمفاوضات النوويّة.

في الخلاصة، يرى هاس أنّ فصل ملفّ مضيق هرمز عن القضايا الأخرى يتطلّب فهماً ضمنيّاً لها، إذ ينبغي لإيران أن تدرك أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل لن تقفا مكتوفتَي الأيدي إذا اقتربت من إنتاج سلاح نوويّ.

إقرأ أيضاً: معضلة إيران: لا حرب ولا سلام

لذلك لا يعني اعتماد نهج “المضيق أوّلاً” حصر الدبلوماسيّة في هذا الملفّ، بل استخدامه كبوّابة لاحتواء الأزمة وفتح مسار تفاوضيّ أوسع.

مواضيع ذات صلة

جولة قاسية من الحرب… لبنان ساحتها الرئيسة

يتوقّع الكاتب السياسيّ الإيرانيّ حميد رضا عزيزي، الباحث في “المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة” و”مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدوليّة”، أن يندلع نوع مختلف من الحرب…

نتنياهو: 30 عاماً في السّلطة… استراتيجية انقسام المجتمع..

صادف يوم 29 أيّار مرور ثلاثين عاماً على تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء الإسرائيليّة، وهو ما يتّخذه الكاتبان الإسرائيليّان نوعام غيدرون، أستاذ العلوم السياسيّة في…

ترامب وفنّ الاتّفاقيات الهشّة: لبنان نموذجاً

يرى الباحث في صحيفة “نيويوركر” سودارسان راغافان أنّ وقف إطلاق النار في لبنان تحوّل إلى النموذج الأكثر وضوحاً لطريقة إدارة دونالد ترامب للصراعات في الشرق…

فريدمان لـ”النّاتو”: تدخّلوا لتحرير هرمز

يعتبر الكاتب والمحلّل السياسيّ في صحيفة “نيويورك تايمز” توماس فريدمان أنّ على حلف شمالي الأطلسيّ أن يتدخّل، ويجمع قوّاته البحريّة ويتوجّه فوراً إلى الخليج العربيّ…