لماذا تحتفل إسرائيل بخروج الإمارات من “أوبك”؟

مدة القراءة 7 د

قد تكون التفسيرات الأهمّ لقرار دولة الإمارات العربيّة المتّحدة الخروج من منظّمة “أوبك” وتحالف “أوبك بلاس”، هي تلك التي خرجت من واشنطن. تعتبر الولايات المتّحدة أيّ ضربة للتحالف الذي تقوده المملكة السعوديّة، بالشراكة مع روسيا، انتصاراً لها في استراتيجية السيطرة على موارد الطاقة.

 

ربّما الأبرز هو الربط الذي قدّمه وزير الخزانة الأميركيّ سكوت بيسنت بين خطوة الإمارات وطلبها أخيراً عقود مبادلة عملات (swap) مع البنك المركزيّ الأميركيّ لتوفير دولارات للبنك المركزيّ الإماراتيّ، مع التأكيد أنّ واشنطن ستدعم حلفاءها في هذه الظروف. كان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قد سبقه إلى الترحيب بالقرار، والتأكيد أنّه سيؤدّي إلى خفض أسعار النفط مستقبلاً.

بين واشنطن و”أوبك” صراع قديم يمتدّ لأكثر من نصف قرن. الأهمّ في هذه الخطوة أنّ إسرائيل هي من دون شكّ، الشريك الصامت للأميركيّين في هذا الصراع، لا سيما في المحطّة التي حفرت عميقاً في الذاكرة الأميركيّة، حين قاد الراحل الكبير الملك فيصل المجموعة إلى قطع إمدادات النفط عن الغرب ردّاً على الدعم الأميركيّ لإسرائيل في حرب أكتوبر/تشرين الأوّل 1973. ما تزال صور الطوابير أمام محطّات البنزين الفارغة أعظم صدمات الطاقة على الإطلاق التي تتردّد في الذاكرة السياسيّة والاقتصاديّة الأميركيّة.

منذ ذلك الحين، تَغَلَّف الصراع بلغة تقنيّة، لكنّه ظلّ في العمق صراعاً للسيطرة على مصادر الطاقة العالميّة. لا شكّ أنّ نفوذ “أوبك” تراجع كثيراً بعد الاكتشافات الضخمة لاحتياطات كبيرة في بحر الشمال، ثمّ الاختراق التكنولوجيّ الذي أتاح للولايات المتّحدة منذ نحو عقدين استغلال مكامن ضخمة من النفط الصخريّ في تكساس ونيومكسيكو ونورث دوكوتا، فأصبحت الولايات المتّحدة بعد ذلك أكبر منتج للنفط في العالم، بمستوى يفوق 13.6 مليون برميل يوميّاً. هكذا انخفضت حصّة “أوبك” من الإنتاج العالميّ من نحو 55% في مطلع السبعينيّات إلى نحو 27% في السنوات القليلة الماضية.

ليس قرار الإمارات تقنيّاً، وليس قراراً يتعلّق بسياسات الطاقة حصراً، بل هو مرتبط بقراءتها لخريطة النفوذ في المنطقة

من “أوبك” إلى “أوبك بلاس”

إلّا أنّ الدبلوماسيّة النفطيّة السعوديّة حقّقت اختراقاً تاريخيّاً كبيراً قبل عشر سنوات، عندما أقنعت روسيا ومنتجين آخرين كبار بالانضمام إلى “أوبك” في إطار تحالف أُطلق عليه اسم “أوبك بلاس”، لتقلب المعادلة مجدّداً، ولتصبح لدى هذه المجموعة السيطرة على قرابة 40% من الإنتاج العالميّ. تجاوز هذا التحالف امتحانات صعبة جدّاً، أقساها جائحة كورونا، حين انهار الاتّفاق في اجتماع آذار 2020، وذهب الجميع إلى حرب الأسعار. لكن سرعان ما عاد الجميع إلى منطق الحكمة السعوديّة بعدما هوت الأسعار دون الصفر.

ثمّ كان الاختبار الآخر عام 2021 حين طالبت الإمارات برفع حصّتها (الكوتا) من الإنتاج بشكل كبير، من خلال رفع الخطّ الأساس لإنتاجها الذي تحتسب منه التخفيضات من 3.2 مليون برميل يوميّاً إلى 3.8 مليون برميل يوميّاً، بذريعة أنّ طاقتها الإنتاجيّة ارتفعت بالفعل إلى هذه المستويات. كان الطلب غير مسبوق، وردّ وزير الطاقة السعوديّ الأمير عبدالعزيز بن سلمان حينها بأنّ من غير المعقول احتساب الطاقة الإنتاجيّة على أساس إنتاج شهر واحد تاريخيّاً.

أوبك

كانت الخيارات صعبة في التعامل مع الطلب، فتلبيته ستفتح الباب أمام مطالبات أخرى، وتهدّد بنسف التوافق داخل المجموعة. لكنّ الحكمة السعوديّة تكفّلت بإنتاج التوافق، وحدث أمر غير مسبوق بزيادة حصّة الإمارات على حساب الآخرين، فيما كانت دول أخرى، في طليعتها المملكة السعوديّة، تتطوّع بتخفيضات إضافيّة من حصّتها للحفاظ على توازن السوق.

بعد خمس سنوات من ذلك الخلاف، أعلنت الإمارات مغادرة “أوبك” على الفور، وقدّمت لذلك أسباباً تقنيّة، غير سياسيّة، تتشابه مع ما أثارته عام 2021. إذ تقول إنّ طاقتها الإنتاجيّة الحاليّة تصل إلى 4.5 مليون برميل يوميّاً، فيما حصّتها الإنتاجيّة 3.2 مليون برميل يوميّاً، ولذلك ترى نفسها مظلومة بعدم الاستفادة من الطاقة الإنتاجيّة التي أنفقت 150 مليار دولار لزيادتها.

بعد خمس سنوات من ذلك الخلاف، أعلنت الإمارات مغادرة “أوبك” على الفور، وقدّمت لذلك أسباباً تقنيّة، غير سياسيّة

الأسباب ليست تقنيّة

الحقيقة أنّ الجانب التقنيّ وحده لا يمكن أن يكون سبباً لمغادرة التحالف. الخلاف على مستويات الطاقة الإنتاجيّة تمّ حلّه بالفعل باتّفاق تمّ التوصّل إليه بين دول “أوبك بلاس” عام 2023 على إجراء مراجعة شاملة وشفّافة من ثلاث جهات مستقلّة لمستويات الطاقة الإنتاجيّة لدى الدول الأعضاء، ويتمّ على أساسها تحديد الخطوط الأساس الجديدة للإنتاج، وهكذا لا يُظلم أحد. تمّ الاتفاق في ذلك الوقت على معايير محدّدة لتعريف الطاقة الإنتاجيّة المستدامة، بحيث لا تكون أقصى طاقة يمكن الوصول إليها، بل الطاقة التي يمكن الاستمرار بالإنتاج عندها لتسعين يوماً. لقد تمّت هذه المراجعة وتمّ تعديل خطوط الأساس على أساسها. لذلك لا يُفترض أن تكون خطوط الأساس لحصص الإنتاج مشكلة.

أمّا الإنتاج دون الطاقة الإنتاجيّة فهذا حال كلّ دول “أوبك بلاس”، وأولاهم المملكة السعوديّة، التي تقلّ حصّتها الإنتاجيّة عن طاقتها الفعليّة بأكثر من مليونَي برميل يوميّاً، بل إنّها ضحّت لوقت طويل بتخفيضات تطوّعيّة إضافيّة وصل معها الفارق بين إنتاجها الفعليّ وطاقتها الإنتاجيّة إلى نحو 3.5 مليون برميل يوميّاً. لقد استفادت كلّ الدول المنتجة للنفط من هذه التخفيضات من خلال إعادة شيء من التوازن إلى السوق.

الحكمة السعوديّة في هذا الشأن واضحة، ومفادها أنّ توازن السوق مصلحة للجميع، ولا بدّ للجميع أن يضحّوا معاً في إطار تحالف “أوبك بلاس” للحفاظ على توازن السوق. أمّا أن يقع عبء خفض الإنتاج على بعض الدول فيما تستفيد دولٌ أخرى من تحسّن الأسعار، فأيّ عدلٍ في ذلك؟

قد تكون التفسيرات الأهمّ لقرار دولة الإمارات العربيّة المتّحدة الخروج من منظّمة “أوبك” وتحالف “أوبك بلاس”

قيادة المملكة السّعوديّة وحكمتها

لا شكّ أنّ الخلاف ليس تقنيّاً، بل يتعلّق أساساً بقيادة المملكة لـ”أوبك” و”أوبك بلاس”. لكنّ ما يفوت المتحسّسين والمعترضين على تلك القيادة أنّها قيادةٌ لها استحقاقاتها، وقد قدّمت المملكة تلك الاستحقاقات بكثير من الحكمة والتضحيات. لم تكن روسيا، التي ظلّت لسنوات طويلة أكبر منتج في العالم، لتنضمّ مع دول أخرى كبيرة مثل كازاخستان وأذربيجان إلى “أوبك بلاس” لولا اقتناعها بإنصاف القيادة السعوديّة لهذا التحالف، حتّى بلغ الأمر بنائب رئيس الوزراء الروسيّ ألكسندر نوفاك أن يترك لوزير الطاقة السعوديّ اتّخاذ القرارات والمواقف باسم المجموعة من دون نقاش.

ليس قرار الإمارات تقنيّاً، وليس قراراً يتعلّق بسياسات الطاقة حصراً، بل هو مرتبط بقراءتها لخريطة النفوذ في المنطقة. هناك من يعتقد أنّ الانحياز إلى الولايات المتّحدة وإسرائيل يوفّر تذكرة عبور نحو نفوذ أكبر في وجه القيادة السعوديّة الإقليميّة.

إقرأ أيضاً: حصار الحصار: متى تصرخ إيران اقتصاديّاً؟

يُذكَر أنّ المملكة السعوديّة لا تقود أكبر تحالفٍ بين منتجي النفط في العالم فقط، بل تقود مجلس التعاون الخليجيّ، ومنظّمة التعاون الإسلاميّ، وهي الثقل الأكبر في العالم العربيّ.

لدى الولايات المتّحدة وإسرائيل أسباب كثيرة للاحتفال بالقرار الإماراتيّ، فإعلامهما يقدّم القرار على أنّه انحياز إلى معسكرهما، لكنّ من الحكمة الانتظار قبل الاحتفال في أيٍّ من عواصم العرب.

مواضيع ذات صلة

إيران في مونديال 2026: التّأشيرات معلّقة… والإقامة في المكسيك

نجح المنتخب الإيرانيّ في ضمان تذكرته إلى مونديال 2026 بعد مسيرة تصفيات قويّة في القارّة الآسيويّة. أنهى المنتخب حملته التصفويّة بتحقيق المركز الأوّل في المجموعة…

موسم حجّ 2026: نقلة نوعية في عالم مضطرب

مع دخول موسم الحج هذا العام ذروته في مكة المكرمة، تبدو المملكة العربية السعودية أمام اختبار استثنائي يتجاوز البعد الديني التقليدي للشعيرة الإسلامية الأكبر في…

فيصل كرامي… والعراقة الوطنية

بلا بيوته السياسيّة العريقة يفقد لبنان أعمدته. يفقد جزءاً كبيراً من تاريخه، ويبدّد مستقبله. مَن لا ماضي له يمضي بلا غدٍ مستجدياً ما لا يُعطى…

الكرة بتتكلم عربي: من يملك فرصة صناعة التاريخ؟

يدخل العرب إلى كأس العالم 2026 بحضور غير مسبوق، بعدما ارتفع عدد المنتخبات العربية المشاركة إلى ثمانية منتخبات، في سابقة تعكس التحوّل الكبير الذي تعيشه…