للحروب الجديدة أدوات تشغيل ونهايات مختلفة تماماً عمّا خبرته البشريّة حتّى الآن. حلّت المسيّرات محلّ المشاة، وتقدّمت الاغتيالات والمهمّات الأمنيّة على الهجمات العسكريّة النظاميّة، وكذلك الاختراقات السيبرانيّة على الاحتلالات. حلّ ما هو غير منطقيّ في تقاليد الحروب محلّ المنطقيّ القائل إنّها تنتهي بمنتصر ومهزوم. في الحروب المحدّثة كلا المتقاتلين رابح، ولا أحد خاسر. أوّل الرابحين هو الخاسر بحجّة أنّه ظلّ موجوداً ومنع الآخر من إلغائه، مع أنّ الحروب لا تلغي أيّاً من الطرفين بل تهزمه كي تُخضعه.
معضلة الحروب الحديثة، وآخِرتها الحرب الكبرى الأميركيّة ـ الإسرائيليّة على إيران، وقبلها الحرب الصغرى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 بين غزّة وإسرائيل وما تلاها، وقبلها الحرب الصغرى في تمّوز 2006 في لبنان، أنّها كلّها رفعت شعار الانتصار على أنقاض الدمار والجثث بحجج أنّ أهداف العدوّ لم تتحقّق، فيما العدوّ اعتبر نفسه سلفاً أنّه انتصر لأنّه دمّر عدوّه، سواء بوصوله إلى أهدافه السياسيّة المعلنة أم لا. على نحو ذلك توقّفت الحرب الأميركيّة ـ الإسرائيليّة ـ الإيرانيّة حتّى الآن على الأقلّ. أقلّ من هدنة، وأكثر من وقف للنار، بالاتّفاق على تعليق الأعمال العسكريّة أسبوعين فسحاً في المجال أمام التفاوض على مسوّدة. لم تنقضِ ساعات حتّى راح كلّ من الأميركيّين والإيرانيّين يتحدّثون عن بنود متباينة في المسوّدات المسرّبة، وكلّ منهما يريد اتّفاق انتصاره المزعوم.
المنطقة برمّتها تحت سيطرة “الحزب”. أدهى ما رافق سنة ونصف سنة من انكفائه والتزامه وقف النار، أنّ أحداً، في إسرائيل كما في لبنان، لم يكن يعرف كيف يدير نفسه بنفسه
تسوية حتميّة؟
كلتا الدولتين المعنيّتين في ورطة بسبب توقّف حربهما بلا نتائج حاسمة لكلتيهما. إلّا أنّ كلّاً منهما قال إنّ أهدافه تحقّقت ما إن منع العدوّ من تحقيق أهدافه. قال الأميركيّون إنّهم انتصروا بعدما دمّروا إيران، فيما تخبّطوا بين اندلاع الحرب في 28 شباط وتعليقها فجر 8 نيسان في تحديد أهدافها والثبات على أيّ منها أو عليها كلّها، بدءاً بالمناداة بإسقاط النظام الإسلاميّ باغتيال مرشده علي خامنئي، ثمّ إلغاء البرنامج النوويّ، فالصواريخ البالستيّة، مروراً بالاستيلاء على نفط إيران، وانتهاء بتعذّر فتح مضيق هرمز. أيّ من الأهداف هذه لم يتحقّق، بيد أنّ الأميركيّين قالوا إنّهم انتصروا ما إن وافقت إيران على وقف للنار والتفاوض في لحظة التهديد الأميركيّ بتدمير منشآت الطاقة والمرافق الحيويّة.
في المقابل، قالت الجمهوريّة الإسلاميّة إنّها انتصرت لأنّ نظامها الدينيّ لم يسقط، وقدراتها الصاروخيّة لم تُدمّر بل تضاعفت قوّتها، والغزو البرّيّ لم يقع، والبرنامج النووي لا تزال تتمسّك به، أضف التعويل على “الحزب” الذي يساندها على الجبهة الإسرائيليّة. انتصارها الذي فاخرت به جاء على أنقاض الدولة هناك بعد قتل أقوى قادة النظام، لكنّه أيضاً على ركام جنوب لبنان ونزوح طائفة لبنانّية برمّتها. ما لم يكن في الحسبان أن تُدخل طهران ورقة مضيق هرمز إلى الحرب بعدما لوّحت بها. لم يكن في أصل الحرب عليها، ولا تسبّب بها بل نجم عنها. أضحى إغلاقه أحد عناصر قوّة الجمهوريّة الإسلاميّة، فيما عجز الأميركيّون عن فرض فتحه واستدراج الحلفاء إلى الانضمام إليهم تحت وطأة تهديد الاقتصاد والتجارة العالميّة.
ما انتهت إليه الحرب هذه بطرفَيها الرئيسيَّين، الولايات المتّحدة وإيران، أنّ انتصار كلتيهما مرشّح لأن يكرّس تسوية حتميّة، حتّى الآن على الأقلّ. هي الفكرة المنطقيّة لتبرير كلّ منهما أنّها انتصرت حقّاً، وأرغمت العدوّ على وقف النار والجلوس معها إلى طاولة تفاوض صعب سيصطدم بصعوبات، وربّما استعصاء غير قليل الأثر:
1 ـ إذا جلستا برعاية باكستان، فستكونان في المدّة الوجيزة لتعليق الأعمال العسكريّة ووقف النار أمام الخوض أوّلاً في اتّفاق مبادئ ليس إلّا يُمهّد لاتّفاق أوسع في تفاصيله التي لن يكون من بينها حتماً مصير البرنامج النوويّ الإيرانيّ الذي تطلّب شهوراً طويلة قبل التوصّل إليه عام 2015 ثمّ نقضه، ثمّ العودة إلى التفاوض فيه باستحالات جمّة.
2 ـ قدّمت الغارات الإسرائيليّة وحممها على بيروت والضاحية الجنوبيّة والجنوب وصولاً إلى البقاع، الأربعاء، مثالاً ساطعاً على ثغرة أساسيّة في وقف النار هي مصير “الحزب”. مع أنّه أضعف الأفرقاء الثلاثة الآخرين المنخرطين في الحرب الأخيرة، بدا أيضاً إحدى أقوى معضلات الوصول إلى إنهاء الحرب. تقاطعت إيران وإسرائيل عند “الحزب”: بينما ربطت طهران وقف النار بشمول جبهة لبنان في معرض حمايتها له ومنع تدميره، قالت تل أبيب قبل تعليق العمليات العسكريّة وبعده إنّه مستثنى من أيّ وقف للنار وستواصل حربها عليه حتّى التخلّص نهائيّاً من سلاحه ومن خطره، وهو ما لاقاها به الأميركيّون بتأكيد هذا الفصل. أولى علامات موقفها هذا غارات الأربعاء التي طاولت “الحزب” والمدنيّين اللبنانيّين في آن واحد. بينما تنظر إيران إلى “الحزب”، وهو صنيعتها وربيبها، على أنّه أحد أقوى مصادر امتدادها إلى الشرق الأوسط حتّى الحدود مع إسرائيل، في منزلة تالية للحرس الثوريّ الإيرانيّ مكمن حماية النظام، ترى إسرائيل استمراره على حدودها مصدر تهديد كيانيّ لا تملك إلّا أن تطلب تدميره.
ما عرفت به إسرائيل فات الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة، وهو أنّ يوسف هاشم الذي اغتالته غارة إسرائيليّة في 31 آذار كان القائد المعيّن لجبهة الجنوب
“الحزب” يُمسك الأرض؟
3 ـ قبل غارات الأربعاء وبعدها، بدا مؤكّداً فصل إسرائيل حربها مع إيران عن حربها مع “الحزب”، وعبّر عن ضراوة هذا الفصل ما حدث في الساعات المنصرمة. كلاهما، الدولة العبريّة و”الحزب”، يعوّل على أنّ الميدان وحده يحسم حربهما التي يشتركان في أنّ نتائجها ستكون وجوديّة لكليهما. الواقع أنّ “الحزب”، منذ 2 آذار بدء انخراطه إلى جانب الجمهوريّة الإسلاميّة مرجعيّته الدينيّة والعقائديّة والسياسيّة انتقاماً لمقتل مرشدها، فاجأ إسرائيل بمقدار مفاجأته الدولة اللبنانيّة واللبنانيّين بما أظهره من أنّه لم يُدمّر كما ساد الاعتقاد بعد وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، فتمكّن في ساعات قليلة من إلغاء كلّ ما أنجزه الجيش اللبنانيّ في سنة في جنوب نهر الليطاني من إخلائه كما قيل من أيّ وجود لأيّ سلاح غير شرعيّ فيه.
إذن المنطقة برمّتها تحت سيطرة “الحزب”. أدهى ما رافق سنة ونصف سنة من انكفائه والتزامه وقف النار، أنّ أحداً، في إسرائيل كما في لبنان، لم يكن يعرف كيف يدير نفسه بنفسه، ومَن يحرّكه في الغرف المقفلة التي تنبثق منها قراراته، وبأيّ سبل يعيد بناء قدراته ويجنّد مقاتلين ويحصل على أسلحة ويخفي مخزونه وترسانته، حتّى عن الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة بشهادة ضبّاط كبار فيها أقرّوا بفشل الوصول إلى الأسرار العسكريّة لـ”الحزب” حيث هو تحت الأرض. ما عرفت به إسرائيل فات الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة، وهو أنّ يوسف هاشم الذي اغتالته غارة إسرائيليّة في 31 آذار كان القائد المعيّن لجبهة الجنوب.
إقرأ أيضاً: أي دور إقليمي لإيران… وما مصير لبنان؟
