ماذا يعني أن تصبح إيران دولة فاشلة؟

مدة القراءة 5 د

ليس السؤال نظريّاً، بل هو في صلب أيّ حديث عن الحرب الدائرة اليوم، وعن التصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب حين لوّح بإمكانيّة “إعادة إيران إلى العصر الحجريّ”. بين انهيار الدولة وتدميرها مسافة شاسعة، وغالباً ما يتمّ الخلط بينهما في الخطاب السياسيّ.

 

ليست الدولة الفاشلة، بالمعنى الدقيق، دولة مدمّرة فقط، بل دولة فقدت قدرتها على الحكم، أي أنّها لم تعد تحتكر استخدام القوّة، ولا تستطيع إدارة مؤسّساتها، ولا توفير الحدّ الأدنى من الخدمات لمواطنيها. هذا النموذج رأيناه في حالات مثل العراق بعد 2003 أو سوريا بعد 2011، حيث تفكّكت السلطة المركزيّة، وظهرت سلطات موازية، وتحوّلت الجغرافيا إلى مساحات نفوذ متنازعة.

لكن هل تنطبق هذه الشروط على إيران؟

لا تزال إيران، على الرغم من أزماتها الاقتصاديّة والعقوبات والضغوط العسكريّة، تحتفظ بدولة مركزيّة قويّة، وأجهزة أمنيّة وعسكريّة متماسكة، وقدرة على فرض السيطرة على أراضيها. بمعنى آخر، هي دولة مضغوطة، لكنّها ليست على وشك التفكّك.

 

انكفاء اجتماعيّ؟

من هنا يصبح الحديث عن “إعادتها إلى العصر الحجريّ” مختلفاً تماماً عن فكرة تحويلها إلى دولة فاشلة. لا يعني “العصر الحجريّ” في هذا السياق انهيار النظام، بل تدمير شروط الحياة الحديثة: الكهرباء، الاتّصالات، البنية التحتيّة، والاقتصاد، أي تحويل الدولة إلى كيان يعمل بأدوات بدائيّة، حتّى لو بقيت السلطة السياسيّة قائمة. وهنا تكمن المفارقة الأساسيّة.

تُظهر التجارب الحديثة أنّ تدمير البنية التحتيّة لا يؤدّي تلقائيّاً إلى سقوط الأنظمة. في كثير من الأحيان، يحدث العكس: كلّما ازداد الضغط الخارجيّ، تماسك النظام داخليّاً، واشتدّت قبضة الأجهزة الأمنيّة، وتراجعت أيّ إمكانيّة لتغيير سياسيّ من الداخل. يضعف المجتمع، لكنّ الدولة، بمعناها السلطويّ، تتشدّد.

يمكنك أن تدمّر دولة حديثة، لكنّك لا تضمن أن تنهار. يمكنك أن تُضعف مجتمعاً، لكنّك قد تقوّي النظام الذي تحاول إسقاطه. في الحالة الإيرانيّة، هذا ليس احتمالاً وحسب، بل هو السيناريو الأقرب

لكن ماذا عن الداخل الإيرانيّ؟ هل يمكن أن يغيّر المعادلة؟

يفرض هذا السؤال نفسه بقوّة، وخصوصاً في ظلّ تاريخ إيران الحديث الذي شهد موجات احتجاج متكرّرة من الحركة الخضراء عام 2009، إلى احتجاجات 2019، وصولاً إلى تحرّكات أوسع وأكثر جرأة مطلع هذا العام. هناك بلا شكّ تراكم في الغضب الاجتماعيّ، ناتج عن الضغوط الاقتصاديّة وتراجع مستوى المعيشة والانغلاق السياسيّ.

يمكن للحرب والضغط الخارجيّ نظريّاً أن يشكّلا محفّزاً لتحرّك داخليّ، وخاصّة إذا ترافقا مع انهيار في الخدمات الأساسيّة وفقدان الدولة لقدرتها على إدارة الحياة اليوميّة. لكن تشير التجربة عمليّاً إلى نتيجة أكثر تعقيداً: في لحظات التهديد الخارجيّ، تميل المجتمعات، حتّى الساخطة منها، إلى الانكفاء نحو الداخل، أو على الأقلّ إلى تجنّب الانفجار الشامل. أثبت النظام الإيرانيّ قدرة عالية على احتواء الاحتجاجات، عبر مزيج من السيطرة الأمنيّة دون التردّد باستعمال أقسى وسائل القمع، إعادة توزيع الضغوط وإدارة التوتّرات دون السماح لها بالتحوّل إلى تهديد وجوديّ.

التحرّك الداخليّ ممكن، لكنّ تحوّله إلى عامل حاسم في إسقاط النظام ليس مضموناً، بل قد يكون أقلّ احتمالاً في ظلّ حرب مفتوحة. لا يحرّر القصف الخارجيّ الداخل، بل غالباً ما يعقّد خياراته.

في الحالة الإيرانيّة، يبدو هذا الاحتمال أكثر ترجيحاً من سيناريو “الدولة الفاشلة”.

تمتلك إيران عناصر صمود لا تتوافر في كثير من الدول التي انهارت: هويّة وطنيّة راسخة، مؤسّسات عسكريّة منظّمة، ونظام قادر على إعادة توزيع الخسائر داخليّاً للحفاظ على بقائه. وبالتالي قد يؤدّي ضربها بقوّة إلى إفقارها وإضعافها، لكن ليس بالضرورة إلى تفكيكها.

إذا كان المطلوب إسقاط النظام، فإنّ تدمير البنية التحتيّة لا يكفي، وإذا كان المطلوب ردع إيران، فإنّ دفعها إلى حافة الانهيار قد لا يجعلها أقلّ خطورة بل أكثر

التباسٌ عميق؟

الأخطر أنّ هذا المسار قد ينتج نتيجة معاكسة تماماً لما يُفترض أنّه الهدف. بدلاً من إنهاء التهديد، قد تتحوّل إيران إلى نموذج أكثر عدوانيّة في الحرب غير المتكافئة، أقلّ اعتماداً على بنيته التحتيّة، وأكثر ميلاً لاستخدام أدوات مثل الوكلاء والصواريخ والهجمات السيبرانيّة، أي لا تختفي الدولة، بل تعيد تعريف نفسها فاعلاً صعب الاحتواء.

إقليميّاً، لا يعني ذلك نهاية الصراع، بل بداية مرحلة أكثر غموضاً.

قد تدفع دولة إيرانيّة مُنهكة لكن متماسكة المنطقة إلى حالة “فوضى مُدارة”، حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقرّ، بل سلسلة من المواجهات المفتوحة، التوازنات الهشّة، والأسواق المضطربة، وخصوصاً في ظلّ حساسيّة الممرّات الحيويّة مثل مضيق هرمز.

إقرأ أيضاً: ظريف: المقال الذي رشحه للإعدام..

في النهاية، يكشف الجمع بين فكرتَي “الدولة الفاشلة” و”العصر الحجريّ” عن التباس عميق في تعريف الهدف من الحرب.

إذا كان المطلوب إسقاط النظام، فإنّ تدمير البنية التحتيّة لا يكفي، وإذا كان المطلوب ردع إيران، فإنّ دفعها إلى حافة الانهيار قد لا يجعلها أقلّ خطورة بل أكثر.

الدرس الذي يتكرّر هنا بسيط، لكنّه غالباً ما يُتجاهل: يمكنك أن تدمّر دولة حديثة، لكنّك لا تضمن أن تنهار. يمكنك أن تُضعف مجتمعاً، لكنّك قد تقوّي النظام الذي تحاول إسقاطه. في الحالة الإيرانيّة، هذا ليس احتمالاً وحسب، بل هو السيناريو الأقرب.

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…