في لحظة مفصلية تعيشها إيران تحت وطأة التصعيد العسكري والضغوط الدولية، جاء تعيين محمد باقر ذو القدر في موقع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ليحمل أكثر من دلالة. القرار لا يقتصر على ملء فراغ إداري خلفه اغتيال علي لاريجاني، بل يعكس توجهاً استراتيجياً يرسم ملامح المرحلة المقبلة في إدارة الصراع والتفاوض معاً.
لم يكن اختيار الجنرال محمد باقر ذو القدر، الآتي من صلب مؤسسة حرس الثورة الإسلامية، لتولي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي خطوة مفاجئة بالكامل، لكنه في المقابل لم يكن قراراً عادياً.
تعيين محمد باقر ذو القدر ليس مجرد إجراء إداري لملء شاغر، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة في السياسة الإيرانية، عنوانها الاستمرارية في النهج مع تصعيد في الأدوات
بين ملء الفراغ ورسم المرحلة
التعيين يعكس توجهاً واضحاً داخل بنية النظام، حيث جرى اختيار شخصية تجمع بين الصرامة والغموض، وقادرة على إدارة التوازن الدقيق بين المستويين السياسي والعسكري–الأمني، في ظل حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أن القرار يحمل في طياته سعياً للحفاظ على استمرارية الأداء الذي كان يمثله لاريجاني، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة قنوات التواصل وصياغة السياسات الهادفة إلى تقليل الخسائر والخروج من الأزمة بأقل الأضرار الممكنة.
ذو القدر، الذي ابتعد نسبياً عن صراعات مراكز القوى خلال العقدين الماضيين، لم يكن خارج معادلة التأثير. فقد حافظ على موقعه ضمن دائرة القرار الاستراتيجي، مستفيداً من علاقته الوثيقة بالقيادة العليا. هذا الابتعاد النسبي جاء، في جانب منه، نتيجة إدارة المرشد لصراعات الأجنحة داخل الحرس، لكنه لم يؤدِ إلى تهميش الرجل أو فقدانه الثقة، بل أعاد تموضعه بعيداً عن الضوء، مع احتفاظه بدور فاعل في المحطات المفصلية.
تاريخياً، لعب ذو القدر دوراً مهماً في تثبيت سلطة المرشد في مواجهة التيار الإصلاحي، وفي الحد من نفوذ الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني بعد تصاعد الخلافات داخل النظام. كما استمر حضوره داخل المؤسسات، وصولاً إلى توليه أمانة مجمع تشخيص مصلحة النظام، ما يؤكد أنه ظل جزءاً من النواة الصلبة لصناعة القرار.
عقيدة ثابتة بأدوات متغيرة
يحمل تعيين ذو القدر رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج. فمن جهة، يؤكد تمسك طهران بخيار المواجهة والتصعيد في الصراع القائم، ومن جهة أخرى يفتح الباب أمام مسار تفاوضي لا يختلف في جوهره عن ذلك الذي كان يمكن أن يقوده لاريجاني قبل اغتياله.
هذا التوازن يعكس استراتيجية قائمة على “فرض السلام بالقوة”، حيث يسعى النظام إلى التفاوض من موقع قوة، من دون تقديم تنازلات تمس جوهره أو تظهره بمظهر المنهزم. وبهذا المعنى، يمثل ذو القدر تجسيداً لهذه المقاربة، التي تجمع بين التشدد والبراغماتية في آن واحد.
غير أن البعد العقائدي في شخصية ذو القدر يضيف طبقة أكثر تعقيداً إلى المشهد. فارتباطه بالفكر المهدوي يجعله أقل ميلاً إلى أي مرونة في ما يتعلق بإسرائيل، انطلاقاً من قناعة دينية تعتبر الصراع معها جزءاً من مسار مرتبط بظهور “المهدي المنتظر”. هذا العامل قد يحد من هامش المناورة السياسية، حتى في حال الانخراط في مفاوضات مع الولايات المتحدة.
تعكس تصريحات “مقر خاتم الأنبياء” توجهاً نحو إعادة صياغة النظام الأمني الإقليمي، بما يستبعد الدورين الأميركي والإسرائيلي، ويؤكد استمرار السعي الإيراني لتفكيك القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة
تعيينه، الذي أُعلن من قبل الرئيس مسعود بزشكيان بناءً على توجيه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، جاء أيضاً في سياق الرد على إشارات أميركية حول وجود قنوات تفاوض غير مباشرة. الرسالة الإيرانية كانت واضحة: لا تغيير في سقف الشروط، ولا تعديل في الموقف من إسرائيل، حتى لو فُتح باب التفاوض.
في المقابل، بدأت تظهر مؤشرات على احتمال انتقال إيران إلى مرحلة أكثر تصعيداً، خصوصاً في الملف النووي. فقد تحدثت قيادات عسكرية عن خيار “الردع النووي”، بما يوحي بإمكانية إدخال تعديل جوهري على العقيدة النووية، وربما إعادة النظر في الفتوى السابقة التي حرّمت امتلاك هذا السلاح.
إقرأ أيضاً: أبعد من هرمز وبارس… أين النّوويّ؟
كما تعكس تصريحات “مقر خاتم الأنبياء” توجهاً نحو إعادة صياغة النظام الأمني الإقليمي، بما يستبعد الدورين الأميركي والإسرائيلي، ويؤكد استمرار السعي الإيراني لتفكيك القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة والحد من النفوذ الإسرائيلي.
تعيين محمد باقر ذو القدر ليس مجرد إجراء إداري لملء شاغر، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة في السياسة الإيرانية، عنوانها الاستمرارية في النهج مع تصعيد في الأدوات. بين العقيدة والتكتيك، يبدو أن طهران تستعد لإدارة صراع طويل، توازن فيه بين الانخراط في التفاوض والتمسك بخيارات المواجهة المفتوحة.
