وصية شمس الدّين للشّيعة: لا تضيّعوا الدّولة

مدة القراءة 9 د

في الأزمات الكبرى تعود بعض الأفكار لتبدو وكأنّها كُتبت للمستقبل لا للّحظة التي وُلدت فيها. ومن بين هذه الأفكار ما طرحه الإمام محمّد مهدي شمس الدين عن علاقة الشيعة بالدولة الوطنيّة. الرجل الذي كتب قبل عقود عن ضرورة اندماج الشيعة الكامل في أوطانهم يبدو اليوم وكأنّه كان يرى ما لم تكن غلبة شيعيّة تراه: أزمة الجماعات ليست في قوّتها أو ضعفها، بل في طبيعة ولائها السياسيّ.

 

لم يكن شمس الدين فقيهاً تقليديّاً منشغلاً بإنتاج الأحكام الفقهيّة في حدودها المذهبيّة الضيّقة، بل كان مفكّراً سياسيّاً يسعى إلى الإجابة عن سؤال عميق في تاريخ المجتمعات العربيّة الحديثة: كيف يمكن لجماعة دينيّة ذات تاريخ طويل من التهميش أن تدخل الدولة الحديثة بوصفها شريكاً كاملاً في بنائها؟ كيف يمكن لهذه الجماعة أن تحافظ على هويّتها الدينيّة من دون أن تتحوّل هذه الهويّة إلى جدار يفصلها عن مجتمعها؟

كانت هذه الأسئلة وغيرها واضحة بـ”وصيّته”: “أوصي… الشيعة الإماميّة في كلّ وطن من أوطانهم وفي كلّ مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم وأن لا يميّزوا أنفسهم بأيّ تمييز خاصّ وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصّاً يميّزهم عن غيرهم لأنّ المبدأ الأساس في الإسلام… هو وحدة الأمّة التي تلازم وحدة المصلحة، ووحدة الأمّة تقتضي الاندماج وعدم التمايز… وأوصيهم بألّا ينجرّوا وألّا يندفعوا وراء كلّ دعوة تريد أن تميّزهم تحت أيّ ستار من العناوين من قبيل إنصافهم ورفع الظلامة عنهم ومن قبيل كونهم أقليّة من الأقليّات لها حقوق غير تلك الحقوق التي تتمتّع بها سائر الأقليّات”.

المشكلة التي تنبّه إليها شمس الدين مبكراً هي احتمال أن يتحوّل الولاء الدينيّ لدى بعض الشيعة إلى ولاء سياسيّ إقليميّ يتجاوز الدولة الوطنيّة

كان الجواب الذي قدّمه شمس الدين واضحاً: “المواطنة هي أساس العلاقة بين الفرد والدولة، والولاء للوطن ليس مجرّد خيار سياسيّ بل جزء من الهويّة الثقافيّة والسياسيّة للجماعة”. من هنا جاءت دعوته الشهيرة للشيعة في لبنان وسائر البلدان العربيّة إلى أن ينخرطوا انخراطاً كاملاً في أوطانهم، وأن يرفضوا فكرة أنّهم أقليّات تبحث عن حماية خارجيّة، وأن يعيدوا تعريف موقعهم في الدولة على أساس الشراكة الوطنيّة الكاملة.

الدّولة الوطنيّة في فكر شمس الدّين

ينتمي شمس الدين إلى جيل من المفكّرين الذين أدركوا مبكراً أنّ العالم الإسلاميّ دخل نهائيّاً عصر الدولة الوطنيّة. العالم لم يعد يعيش زمن الإمبراطوريّات الدينيّة أو الكيانات العابرة للحدود، بل زمن الدول التي تقوم على السيادة الوطنيّة والمواطنة والقانون.

من هنا كان شمس الدين من أبرز المنظّرين لفكرة الدولة الوطنيّة في الفكر الشيعيّ المعاصر. رأى أنّ الشيعة في البلدان العربيّة ليسوا جماعة عابرة للدول، بل جزء أصيل من مجتمعاتهم الوطنيّة، وأنّ مستقبلهم السياسيّ والاجتماعيّ مرتبط بمدى قدرتهم على الاندماج الكامل في هذه الدول.

لهذا دعا بوضوح إلى رفض مفهوم “الأقليّة الشيعيّة”. ليست فكرة الأقليّة، في نظره، توصيفاً ديمغرافيّاً وحسب، بل إطار سياسيّ وثقافيّ يضع الجماعة في موقع دفاعيّ دائم ويجعلها تبحث عن الحماية في الخارج بدلاً من بناء شراكتها في الداخل.

كان شمس الدين يدرك أنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه الجماعات الدينيّة في العصر الحديث ليس الاضطهاد، بل الإغراء بالانكفاء داخل هويّات مغلقة واستجلاب هويّة خارجيّة إلى الداخل، كما فعل “الحزب” في إعلان ولائه لـ”الوليّ الفقيه”. حين تتحوّل الهويّة إلى بديل عن الدولة تبدأ الجماعة تدريجاً بفقدان قدرتها على العيش داخل المجتمع الوطنيّ.

لهذا كان يصرّ على أنّ الشيعة ليسوا جماعة تبحث عن حماية، بل مجتمع كامل قادر على أن يكون شريكاً في بناء الدولة.

يعيش لبنان، منذ نشأته الحديثة، في ظلّ توازنات طائفيّة تجعل مسألة الولاء مسألة حسّاسة في الحياة السياسيّة

بين الولاء الدّينيّ والولاء الوطنيّ

في التراث الشيعيّ يتبوّأ مفهوم الولاء للإمام عليّ مكانة مركزيّة في العقيدة والوجدان. غير أنّ شمس الدين لم يرَ في هذا الولاء الدينيّ تعارضاً مع الانتماء الوطنيّ، بل اعتبر أنّ العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض.

الولاء للإمام عليّ هو ولاء دينيّ وأخلاقيّ يرتبط بالقيم التي يمثّلها هذا الرمز في الوعي الإسلاميّ: العدالة والشجاعة والانحياز إلى المظلومين. أمّا الولاء للوطن فهو ولاء سياسيّ ينظّم حياة المجتمع داخل الدولة.

بهذا المعنى، يستطيع الشيعيّ أن يكون مخلصاً لإيمانه الدينيّ وفي الوقت نفسه مواطناً كاملاً في دولته. بل إنّ المواطنة نفسها تصبح امتداداً للقيم الأخلاقيّة التي يحملها الإيمان.

لبنان ومعضلة الولاءات

يعيش لبنان، منذ نشأته الحديثة، في ظلّ توازنات طائفيّة تجعل مسألة الولاء مسألة حسّاسة في الحياة السياسيّة. المجتمع اللبنانيّ بطبيعته التعدّديّة يحمل في داخله مستويات مختلفة من الانتماء الدينيّ والثقافيّ والسياسيّ.

سمش الدين

يحتفظ المسيحيّون اللبنانيّون بولاء داخليّ لعصبيّتهم الأهليّة التي تشكّلت عبر التاريخ، ويرتبط جزء من وجدانهم الدينيّ بالمركز الكاثوليكيّ العالميّ في الفاتيكان. مع ذلك ظلّ هذا الارتباط بمعظمه ارتباطاً روحيّاً، وخصوصاً أنّ الفاتيكان نفسه يقدّم ذاته مرجعيّة دينيّة لا مشروعاً سياسيّاً.

أمّا السُّنّة في لبنان فقد حافظوا، في الغالب، على ولاء وطنيّ واضح للدولة اللبنانيّة، مع ارتباط ثقافيّ بفكرة الأمّة الإسلاميّة. غير أنّ هذا الارتباط بقي تعبيراً عن هويّة حضاريّة عامّة ولم يتحوّل إلى مشروع سياسيّ يلغي الانتماء الوطنيّ.

في الحالتين بقيت العلاقة مع المرجعيّات الخارجيّة علاقة ثقافيّة أو روحيّة لا تتعارض مع الولاء للدولة.

ينتمي شمس الدين إلى جيل من المفكّرين الذين أدركوا مبكراً أنّ العالم الإسلاميّ دخل نهائيّاً عصر الدولة الوطنيّة

الأزمة الشّيعيّة المعاصرة

المشكلة التي تنبّه إليها شمس الدين مبكراً هي احتمال أن يتحوّل الولاء الدينيّ لدى بعض الشيعة إلى ولاء سياسيّ إقليميّ يتجاوز الدولة الوطنيّة. وهذا ما يظهر اليوم في تجربة “الحزب”، حيث ارتبط جزء من شيعة لبنان بمشروع سياسيّ وعسكريّ يتجاوز الدولة اللبنانيّة ويرتبط بالمحور الإقليميّ الذي تقوده إيران. لا يتعلّق الأمر هنا بتعاطف دينيّ وحسب، بل بولاء سياسيّ يستند إلى نظريّة “ولاية الفقيه” التي بلورها الخمينيّ في سياق الثورة الإيرانيّة.

هنا يظهر التناقض الأساسيّ: حين يصبح الولاء لـ”الوليّ الفقيه” مرجعيّة سياسيّة عليا، يتراجع الولاء للدولة الوطنيّة. مع هذا التراجع تنشأ أزمة عميقة في العلاقة بين الجماعة والدولة.

صدق الرّؤية

حين دعا شمس الدين الشيعة إلى الولاء الكامل لأوطانهم، لم يكن يطرح فكرة أخلاقيّة مجرّدة، بل كان يقدّم رؤية سياسيّة لحماية الجماعة من الوقوع في صراعات لا تخدم مصالحها الوطنيّة.

فهم أنّ الجماعات التي تضع نفسها خارج الدولة تدخل في نهاية المطاف في صراع مع محيطها الاجتماعيّ والسياسيّ. فهم أيضاً أنّ الاحتفاظ بقرار مستقلّ في الحرب والسلم خارج إطار الدولة يضعف الدولة ويضع الجماعة نفسها في مواجهة بقيّة المجتمع، وهو الأمر الذي يقترب من الحدوث حاليّاً.

لا يقتصر الانتماء إلى المعادلة الوطنيّة على المشاركة في مؤسّسات الدولة، بل يشمل أيضاً الالتزام الكامل لموجباتها السياسيّة، وفي مقدَّمها وحدة القرار السياديّ. ذلك أنّ قرار الحرب والسلم هو جوهر السيادة في أيّ دولة. وحين ينتقل هذا القرار من الدولة إلى حزب أو جماعة تفقد الدولة أحد أهمّ مقوّمات وجودها السياسيّ.

هذا ما يجعل تحذير شمس الدين يبدو اليوم شديد الوضوح. فقد أدرك أنّ مستقبل الشيعة في لبنان مرتبط بمدى قدرتهم على الاندماج الكامل في الدولة الوطنيّة.

لم يكن شمس الدين فقيهاً تقليديّاً منشغلاً بإنتاج الأحكام الفقهيّة في حدودها المذهبيّة الضيّقة، بل كان مفكّراً سياسيّاً

الحاجة إلى مراجعة

من هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته “عاميّة شيعيّة لبنانيّة”، أي مؤتمر فكريّ وسياسيّ يعيد قراءة علاقة الشيعة بوطنهم لبنان، ويعيد أيضاً قراءة التراث السياسيّ للإمام شمس الدين.

ليس الهدف من هذه المراجعة الدخول في صراع داخليّ، بل إنقاذ “الجماعة الشيعيّة” من مأزق تاريخيّ يتفاقم مع الزمن. ذلك لأنّ استمرار التناقض بين الولاء الوطنيّ والولاء الإقليميّ لا يؤدّي إلّا إلى تعميق عزلة الشيعة داخل الاجتماع الأهليّ والسياسيّ اللبنانيّ.

تقتضي هذه المراجعة الانتقال من الخطاب التعبويّ إلى الخطاب الواقعيّ. لا تقاس المجتمعات فقط بقدرتها على الصمود، بل أيضاً بقدرتها على الاعتراف بخسائرها. وهذا بالتحديد ما هو مطلوب من “الحزب” الذي عليه أن يتوقّف عن إحصاء الأحياء وعن تعداد الأبنية التي لم تنهَر، والانتقال إلى إحصاء الضحايا والقرى التي دُمّرت في الحرب الحاليّة، وما سبقها من حروب.

عمليّاً، تبدو أفكار شمس الدين اليوم أكثر راهنيّة من أيّ وقت مضى. فقد فهم مبكراً أنّ الجماعات التي تبتعد عن دولها الوطنيّة تدخل في صراع طويل مع محيطها ومع نفسها، وأنّ الطوائف لا تحمي نفسها بالارتماء في المشاريع الإقليميّة، بل بالاندماج العميق في أوطانها.

إقرأ ايضاً: خطاب قاسم: فائض الجنون.. مرة أخرى ودائمة

لهذا ليست استعادة فكر شمس الدين اليوم وفاء لذكرى رجل من رجال الفكر الدينيّ وحسب، بل محاولة لإنقاذ فكرة لبنان الوطن نفسها، لأنّ لبنان، مهما ضعفت دولته ومهما تعثّرت تجربته، يبقى الإطار الوحيد الذي يمكن أن يلتقي فيه اللبنانيّون. بهذا المعنى تحديداً، يثبت الزمن مرّة أخرى صدق الإمام محمّد مهدي شمس الدين: لا مستقبل لأيّ جماعة خارج وطنها، ولا خلاص لوطنٍ تتنازعه الولاءات.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

لماذا يحرس ترامب صادرات النفط الإيرانية؟

يمكن اعتبار مقتل علي لاريجاني الحدث الأول البارز في الحرب منذ أكثر من أسبوع، أي منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل مفاجئ أنّ…

المسيح الدّجّال والذّكاء الاصطناعيّ

شهدت روما عبر قرون طويلة صراعات فكريّة كبرى: بين الإيمان والإمبراطوريّة، بين اللاهوت والعلم، وبين التقليد والحداثة. تدور اليوم داخل العالم الكاثوليكيّ مناقشة جديدة، أقلّ…

وهم الحسم: حين ينتصر الخصمان معاً

سبق للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أن قال إنّ قرار إنهاء الحرب ضدّ إيران سيُتّخذ بالتشاور مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. أراد التأكيد، للحلفاء قبل…

اختبار حرب شعارها: “لم ينجح أحد”!

في الحرب الدائرة الآن نأتي للسؤال الكبير والجوهريّ الذي يفرض نفسه بقوّة: من الفائز ومن الخاسر؟ من الرابح ومن المتضرّر؟ ونسأل مجدّداً: هل الفائز فاز…