تُعتبر المضائق البحريّة شرايين حيويّة، سواء لناحية التجارة العالميّة أو للناحية الجيوسياسيّة والعسكريّة. بسبب موقعها الجغرافيّ، تتبوّأ هذه المضائق موقعاً مهمّاً للتحكّم في حركة ناقلات النفط والغاز المسال، كما في حركة سفن البضائع على تعدّد أنواعها بين القارّات والمحيطات.
من أبرز هذه المضائق، مضيق “بهرنغ” بين آلاسكا الأميركيّة وسيبيريا الروسيّة، ومضيق “مالاكا” الذي يربط بين المحيط الهنديّ وبحر الصين الجنوبيّ وصولاً إلى المحيط الهادئ، وتكمن أهميّته في أنّه الممرّ الرئيس لتجارة الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتمرّ عبره ربع التجارة العالميّة المنقولة بحراً، ومضيق “جبل طارق” الذي يربط المحيط الأطلسيّ بالبحر المتوسّط، ومضيق البوسفور والدردنيل الممرّ الوحيد لدول مثل أوكرانيا ورومانيا وبلغاريا نحو المياه الدافئة، وصولاً إلى مضيق “باب المندب” الحيويّ لمرور السفن الذي يمثّل البوّابة الجنوبيّة لقناة السويس ذات المكانة المهمة لدول أوروبا وشرق المتوسّط وشماليّ إفريقيا.
بدأ مضيق “هرمز” منذ بداية الثمانينيّات في القرن الماضي ينال اهتماماً خاصّاً متزايداً لوقوعه بين إيران من الجهة الشرقيّة وسلطنة عمان من الجهة الغربيّة، وبات مدخلاً بحريّاً لا غنى عنه
أهمّيّة مضيق هرمز
لكن بدأ مضيق “هرمز” منذ بداية الثمانينيّات في القرن الماضي ينال اهتماماً خاصّاً متزايداً لوقوعه بين إيران من الجهة الشرقيّة وسلطنة عمان من الجهة الغربيّة، وبات مدخلاً بحريّاً لا غنى عنه لكلّ من الإمارات وقطر والبحرين والكويت والعراق والجهة الشرقيّة من المملكة السعوديّة. وزادت أهميّته أيضاً لأنّه حلقة الوصل الأساسيّة لمعظم صادرات النفط والغاز من هذه المنطقة، وتحوّل جرّاء الصراع السياسيّ إلى نقطة تهديد بوجه دول الجوار وتهديد لاقتصادات العالم شرقاً وغرباً المحتاجة إلى تدفّق المحروقات وموادّ الطاقة.
زاد الحديث عن أهميّة مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب في 28 شباط والتهديد بإغلاقه بوجه الملاحة البحريّة بغية خلق أزمة محروقات عالميّة، رفع أسعار الطاقة، وزيادة الكلفة على دول الجوار وعلى أوروبا وأميركا.
نتيجة تداعيات الحرب، أعلنت كلّ من الكويت وقطر “القوّة القاهرة” المانعة من تنفيذ موجبات العقود الموقّعة مع الجهات المستوردة، وارتفع سعر النفط والغاز العالميّ، وأُصيبت ناقلتا نفط مقابل ميناء الفاو العراقيّ، ولم تستطع الطرق البرّية البديلة الموازية من تحقيق الانسياب الطبيعيّ لتدفّق وتصدير موادّ المحروقات والطاقة.
نتيجة طبيعة مضيق هرمز الجغرافيّة (عرض أضيق نقاطه لا يتجاوز ثلاثين كيلومتراً)، أصبحت حركة السفن شديدة التركيز في قنوات ضيّقة نسبيّاً، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للمراقبة أو التعطيل في حال التصعيد العسكريّ، وهو الأمر الذي دفع بشركات الشحن البحريّ للامتناع عن المرور بهذا المضيق لعدم تعريض بواخرها وناقلاتها للخطر الداهم، وتفادياً لتسديد ارتفاع نسبة التأمينات المتعلّقة بمخاطر الحرب الباهظة.
زاد الحديث عن أهميّة مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب في 28 شباط والتهديد بإغلاقه بوجه الملاحة البحريّة بغية خلق أزمة محروقات عالميّة، رفع أسعار الطاقة، وزيادة الكلفة على دول الجوار وعلى أوروبا وأميركا
هل يقرأ النّظام الإيرانيّ التّاريخ؟
لم تأخذ إيران بعين الاعتبار أمثولة الرئيس الأميركيّ الأسبق رونالد ريغان عندما فجّر مواجهة غير مسبوقة وشنّت إدارته عام 1988 عمليّات عسكريّة لحماية الناقلات من الهجمات الإيرانيّة فأدّت حملته إلى تدمير منصّات النفط ووقف التصعيد الإيرانيّ وضمان استمرار تدفّق الطاقة.
أمّا اليوم فتتعمّد إيران تركيز بنية عسكريّة قوامها رادارات، مراكز طوربيد، قواعد صواريخ، ومرافئ للزوارق السريعة المحمّلة بالصواريخ وبالألغام البحريّة، على طول جزر قشم ولارك وهرمز وأبي موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى المحاذية لشاطئها والمرتبطة بميناء بو شهر وميناء رجائي والمؤدّية إلى عمق الخليج العربيّ. وصلت إيران هذه البنية العسكريّة التحتيّة المتكاملة بجزر خرج ولافان وسيري التي تتمتّع بأدوار اقتصاديّة حيويّة مرتبطة بمنظومة الطاقة والتصدير الإيرانيّة. شكّلت هذه الجزر ركيزة مباشرة في بنية الطاقة الإيرانيّة، لا سيما منها جزيرة خرج التي تمثّل أكبر محطّة لتصدير النفط الإيراني (90 في المئة من صادرات إيران النفطيّة تنطلق منها)، وتحوّلت بحكم موقعها الذي لا يبعد سوى كيلومترات قليلة عن الشاطئ إلى مركز استراتيجيّ يربط الاقتصاد الإيرانيّ بأمنها واستمراريّتها واستقرارها.
في الأثناء بات أيّ تهديد لجزيرة خرج لا يطال قطاع الطاقة فحسب، بل يهدّد قدرة إيران على تمويل ماليّتها المركزيّة وتمويل اقتصادها ودفع رواتب موظّفيها وآلتها الإداريّة وتقديم الدعم الماليّ لحلفائها في المنطقة والعالم، ويهدّد سعر صرف عملتها، ويطال قدرتها على إدارة أزماتها الخانقة.
فيما تصعّد إيران بتهديدها بإقفال مضيق هرمز، كثّفت الولايات المتّحدة غاراتها على المواقع العسكريّة في جزيرة خرج، وهدّد الرئيس دونالد ترامب باحتلال الجزيرة التي تشكّل المنفذ الأساسيّ لصادرات إيران، وليقرن التهديد بالفعل، وهو الحريص على إظهار صورته بأنّه ينفّذ وعوده، حرّك أسطولاً برمائيّاً يحمل مقاتلات تقلع عموديّاً، ومتخصّصاً بالعمليّات البرمائيّة.
ألم تتعلّم طهران من التجربة السابقة عام 1988؟
إقرأ أيضاً: مجتبى خامنئي وتموضع النظام ما بعد الحرب
جزيرة خرج مقابل مضيق هرمز؟
التهديد بإغلاق مضيق هرمز مؤلم للدول المجاورة والاقتصاد العالميّ والتجارة البحريّة، غير أنّه يضرّ بالمستوى نفسه بإيران، لا سيما أنّ الأخيرة على الرغم من اتّفاقها مع الصين على تطوير ميناء “جاسك” الواقع في جنوب البلاد والمطلّ على المحيط الهندي لم تستطع لتاريخه من استبدال التصدير من جزيرة خرج بالبديل المرتقب في ميناء جاسك وجواره.
وضع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بذلك معادلة عدم الاستيلاء على جزيرة خرج مقابل استمرار إيران بالسماح لحرّية الملاحة في مضيق هرمز، وهي معادلة مريحة لطهران قبل غيرها، فمضيق هرمز هـرٌّ ومـخـالـبـه مـزدوجـة ومتبادلة.
لمتابعة الكاتب على X:
