في زمنٍ تتعرّض فيه الذاكرة للتآكل، وتُعاد فيه كتابة التاريخ على إيقاع موازين القوى، يكتسب رحيل المؤرّخ الفلسطينيّ وليد الخالدي (1925–2026) معنى يتجاوز غياب شخصيّة أكاديميّة بارزة. لم يكن الرجل الذي كرّس أكثر من سبعة عقود من حياته للبحث والتوثيق مؤرّخاً لفلسطين فحسب، بل كان أحد أولئك الذين أدركوا، مبكراً، أنّ معركة الشعوب لا تُخاض بالسلاح والسياسة وحدهما، بل أيضاً بالمعرفة والذاكرة، ولذلك بذل سني حياته ليكون المؤرّخ والحارس لذاكرة فلسطين المُحتلّة.
وليد الخالدي الذي رحل الأحد الماضي عاش قرناً كاملاً تقريباً، شهد خلاله انهيار عالمٍ كاملٍ كان يُسمّى فلسطين التاريخيّة، ثمّ ولادة روايات متنازعة عن هذا الانهيار. وبين هذين الحدّين، كرّس حياته لمهمّة دقيقة وصعبة: أن يكتب تاريخ فلسطين بلغة العلم، وأن يحمي ذاكرتها من الضياع في زمنٍ تتكاثر فيه الروايات المُدبّجة.
لم يكن مشروعه جهداً أكاديميّاً تقليديّاً فقط، بل كان محاولة لبناء أرشيف معرفيّ لفلسطين يواجه محاولات المحو والتشويه والتزوير، ويعيد إدراج التجربة الفلسطينيّة في السرديّة التاريخيّة الحديثة بوصفها تجربة شعب حيّ له مجتمعه وثقافته ومؤسّساته وحياته اليوميّة التي سبقت الكارثة الكبرى في سنة 1948. ولم يكن مشروعه دفاعاً عن الماضي، بل كان محاولة لإثبات أنّ التاريخ نفسه يمكن أن يكون ساحة من ساحات الصراع.
وليد الخالدي الذي رحل الأحد الماضي عاش قرناً كاملاً تقريباً، شهد خلاله انهيار عالمٍ كاملٍ كان يُسمّى فلسطين التاريخيّة
بين ذاكرتين: القدس والغرب
وُلد الخالدي في مدينة القدس عام 1925 في مرحلة كانت فيها فلسطين تعيش تحوّلات عميقة تحت حكم الانتداب البريطانيّ. كانت القدس في تلك السنوات مدينةً متعدّدة الطبقات: مدينة دينيّة وتاريخيّة عريقة، لكنّها أيضاً مركز ثقافيّ وسياسيّ تتقاطع فيه التيّارات الفكريّة واللغات والذاكرات. لم تكن فلسطين في ثلاثينيّات وأربعينيّات القرن العشرين فضاء جغرافيّاً وحسب، بل ساحة لصراع متصاعد على الهويّة والسيادة والمستقبل.
ينتمي الخالدي إلى عائلة مقدسيّة عُرفت بالعلم وبممارسة السياسة. ومع اقتراب فلسطين من اللحظة المفصليّة التي ستُعرف لاحقاً باسم النكبة، كان وعيه يتشكّل تدريجاً في اتّجاه الجمع بين المعرفة الأكاديميّة والالتزام التاريخيّ لقضيّة بلاده.
كان للحياة السياسيّة في فلسطين التأثير الأكبر على الخالدي، على ما يقول الباحث الفلسطينيّ صقر أبو فخر. فقد خضع لمؤثّرَين ساهما في تكوينه الفكريّ والعلميّ: التأثير العربيّ – الإسلاميّ، ثمّ التأثير العلميّ الغربيّ الذي تلقّاه على يدَي جيروم فاريل الأستاذ في جامعة كامبردج الذي كان مديراً للتربية والتعليم في فلسطين إبّان الانتداب البريطانيّ. بعدها انتقل إلى أوكسفورد حيث تابع دراسته في جامعتها تحت إشراف المستشرق هاملتون غيب. وضع أطروحته عن المتصوّفة ونال عليها ماجستيراً في الآداب في سنة 1951.
بيروت: المختبر الفكريّ
بعد تجربته في بريطانيا، انتقل الخالدي إلى التدريس في الجامعة الأميركيّة ببيروت، التي كانت في تلك المرحلة إحدى أهمّ العواصم الفكريّة في العالم العربيّ. كانت بيروت الستّينيّات مدينةً مفتوحةً على النقاشات الكبرى: القوميّة العربيّة، التحوّلات الاجتماعيّة، وأسئلة الهويّة والحداثة.
وجد الخالدي في هذه البيئة فضاءً مناسباً لتطوير مشروعه الفكريّ. لم يكن دوره محصوراً بكونه أستاذاً جامعيّاً، بل وكان جزءاً من شبكة واسعة من المفكّرين والباحثين العرب الذين كانوا يسعون إلى إعادة التفكير في قضايا التاريخ والسياسة في المنطقة. ومن بيروت أيضاً بدأ مشروعه الأكبر: تحويل القضيّة الفلسطينيّة إلى حقل معرفيّ مستقلّ داخل الأكاديميّة العربيّة والعالميّة.
كرّس الخالدي في بيروت معظم أوقاته لقضيّة فلسطين، وبالتحديد لقضيّة اللاجئين. فنّد المزاعم الصهيونيّة التي روّجت الحكاية التي زعمت أنّ اللاجئين غادروا بلادهم استجابة لنداء القادة العرب. وفي هذا السياق، كشف “خطّة دالت” Dalet Plan التي وضعها قادة عصابات الهاغاناه الصهيونيّة في سنة 1945 لاحتلال فلسطين وطرد أهلها منها.
في عام 1963 شارك الخالدي، إلى جانب مفكّرين عرب بارزين مثل قسطنطين زريق وبرهان الدجاني، في تأسيس مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة في بيروت. ومن أبرز إصداراتها “مجلّة الدراسات الفلسطينيّة” التي تحوّلت إلى واحدة من أهمّ المجلّات العلميّة المتخصّصة في دراسة القضيّة الفلسطينيّة.
امتدّت حياة وليد الخالدي على مدى قرن تقريباً، من القدس في عشرينيّات القرن الماضي إلى الجامعات العالميّة في القرن الحادي والعشرين
خيبات ونكسات… ومع أبي عمّار
في سنة 1956 اتّخذ موقفاً لافتاً حين استقال من منصبه التدريسيّ في أكسفورد احتجاجاً على مشاركة بريطانيا في العدوان الثلاثيّ على مصر. كان ذلك القرار دليلاً على أنّ التزامه الفكريّ لم يكن منفصلاً عن مواقفه الأخلاقيّة.
ما حدث في حزيران 1967 كشف للخالدي الفجوة التكنولوجيّة بين العرب وإسرائيل التي كانت أحد أسباب الهزيمة، فاندفع إلى التعاون مع البروفسور أنطوان زحلان ومع برهان الدجاني، والتقى الثلاثة ملك الأردن الحسين بن طلال في عمّان، وأسفر اللقاء عن تأسيس “الجمعيّة الملكيّة العلميّة” في الأردن في 1968. لكنّ وليد الخالدي وأنطوان زحلان وبرهان الدجاني اضطرّوا إلى الانسحاب من هذه الجمعيّة بعد أحداث أيلول سنة 1970. غير أنّ الجمعيّة استمرّت في عملها. وفي تلك الأثناء، على ما يقول الباحث صقر أبو فخر، ساهم الخالدي في كتابة خطاب الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي ألقاه في الأمم المتّحدة في سنة 1974 مع محمود درويش وشفيق الحوت وصلاح الدباغ وآخرين.
في تمّوز عام 1978 نشر في فصليّة Foreign Affairs مقالة عنوانها: “دولة فلسطينيّة مستقلّة ذات سيادة” أثارت زوبعة من النقاش لدى ترجمتها إلى العربيّة ونشرها في صحيفة النهار اللبنانيّة. وتحوّلت، فيما بعد، إلى ما يمكن تسميته السياسة الرسميّة لمنظّمة التحرير.
كان للخالدي شأن وازن في بعض الخيارات السياسيّة للقيادة الفلسطينيّة مثل صوغ بيان “أبي عمّار” الذي ألقاه أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة التي عُقدت استثنائيّاً في جنيف في عام 1988 كي يتسنّى لعرفات إلقاء بيانه بعدما رفض وزير الخارجيّة الأميركيّ جورج شولتز منحه تأشيرة دخول إلى الولايات المتّحدة إلّا بعد أن يعلن نبذه الإرهاب والاعتراف بقرار مجلس الأمن 242.
مؤرّخ النّكبة
في زمنٍ تتعرّض فيه الحقائق التاريخيّة للتشويه أو التسييس، ظلّ الخالدي يؤمن بأنّ مهمّة المؤرّخ هي الدفاع عن الحقيقة مهما كانت معقّدة أو مؤلمة. لقد أدرك أنّ معركة فلسطين لا تدور فقط في ميادين السياسة أو الدبلوماسيّة، بل أيضاً في ميدان التاريخ نفسه، فالروايات التاريخيّة لا تصف الواقع فقط، بل تساهم في تشكيل الطريقة التي يُفهم بها هذا الواقع.
مع مرور الزمن، تحوّل وليد الخالدي إلى مرجع فكريّ في الدراسات الفلسطينيّة. ولم يكن تأثيره مقتصراً على كتبه وأبحاثه، بل امتدّ إلى الأجيال الجديدة من الباحثين الذين عملوا في المؤسّسات الأكاديميّة التي ساهم في تأسيسها. وهكذا يمكن القول إنّ الخالدي لم يكتب التاريخ الفلسطينيّ فحسب، بل ساهم في إنشاء الحقل الأكاديميّ الذي يدرسه.
إقرأ أيضاً: سلمى مرشاق: حين يُهزم العنف أخلاقياً
المؤرّخ بوصفه حارس الذّاكرة
امتدّت حياة وليد الخالدي على مدى قرن تقريباً، من القدس في عشرينيّات القرن الماضي إلى الجامعات العالميّة في القرن الحادي والعشرين. وخلال هذه الرحلة الطويلة ظلّ وفيّاً لفكرة بسيطة وعميقة: ليس التاريخ سجلّاً للأحداث وحسب، بل ذاكرة الشعوب. وبهذا المعنى، يمكن القول إنّ الخالدي لم يكن مؤرّخاً لفلسطين وحسب، بل كان أحد حرّاس ذاكرتها الحديثة.
لقد كرّس حياته ليضمن أن يبقى تاريخ فلسطين مكتوباً ومحفوظاً ومتداوَلاً، وأن لا تتحوّل النكبة إلى ذكرى باهتة في كتب التاريخ. فحين تُهزم الجغرافيا أحياناً، تبقى الذاكرة آخر ما يملكه الشعب.
لمتابعة الكاتب على X:
